كنا من الذين رحبوا بمجلة " الفكر " ايام بروزها ، وباركنا خطواتها الاولى فى انتظار أن تتقدم وتتحسن ، وتكونت بيننا وبينها وشائج قربى وعلائق روح ، دفعتنا لان نميط عنها الاذى ، لما تعرضت له من بعض من هاجموها ( 1 ) وكنا نعلق على الفكر " امالا لا عراضا فى أن تقف من قضايا البلاد موقف الصراحة والاخلاص ، ٠٠ .
ومرت بالبلاد قضايا ، وتعرضت " الفكر " لامنحانات رهيبة وقفت ازاءها موقف المتفرج غالبا ، او المجامل الذى تدفعه ظروف خاصة لاخفاء الحق او تاويله
ومن بين هاتيك القضايا قضية تصنيع البلاد و تشغيل اليد العاملة ، وضبط البرامج وتحديد المراحل لذلك ، حتى تكون النتائج مضمونة سلفا وقضية التعليم وتعريبه - وهى اخطر مشكلة فى حياة البلاد وتقرير مصيرها - وبرنامج التعليم الجديد
وحاولنا ان نعاتبها فى لطف ملفتين نظرها لمعالجة هذه القضية بالخصوص ( 2 ) ، وقلنا لها : اننا - كقراء مستهلكين - ننتظر على احر من الجمر رأى الفكر الصريح فى برنامج التعليم الجديد ومراميه واهدافه ومدى مطابقته حتى لآراء الفكر نفسها ان كان لهافيه راى
ولكن الفكر واربت وجاملت فى هذه القضية ، وأخيرا فضلت الصمت كان لم يكن بالبلاد شىء ، اوكان برنامج التعليم لا يهم " الفكر " فى قليل اوكثير ومن هنا اخذت قيمة " الفكر " تتضاءل فى نفوس قرائها ، الذين اصبحوا يتساءلون عن مدى اخلاص " الفكر " للفكر
ونشأ عن هذا رد فعل صامت ، من الذين كانوا يتحمسون " للفكر " ويناصرونها باخلاص ، فانصرف عنها جل قرائها ،
الفكر : اعلم - ايها القارىء المستهلك - انه لا يحسن بالمرء ان يدخل فيما لا يعنيه وانه من سوء الخلق ان يدخل الزائر دارا فيحرج صاحبها بالسؤال عن اصل ماله ثم يخاصمه في وجوه انفاقه
وانت رحمك الله من انبأك ان قراء " الفكر " قد انصرفوا عنها فهل
اطلعت على دفاترها ام هل راقبت حسابها . وماذا يعنيك ان ينصرف عنها قراؤها وانت مستهلك وهذه البضاعة بين يديك فاحكم عليها او لها ولا تحزن ان كنت وصحبك اقلة ولا تغتر ان كنتم كثيرين . . قلنترك الامور المالية ولنبق فى مستوى الفكر .
وظلت " الفكر " تتعثر فى سيرها هابطة فى اغلب الاحيان ، وراحت تنشد المناصرة والمساعدة من القراء ، ولكن القراء لا يناصرون الامن يناصرهم بحق ، ويخدم اراه واتجاهاتهم باخلاص
ومن اجل هذا لم يبق الافريق ضئيل من القراء يلتمسون لها المعاذير ، ويعددون مالها من حسنات هامشية فى اغلب الاحيان .
وانا شخصيا من الذين يعترفون بهذه الحسبات للفكر " الم تخصص عددا للقصة التونسية ؟ الم تخصص عددا لمؤتمر ادباء العرب ؟ الم تعالج قضية " المغرب العربى الكبير " يوجه عام ؟ وقضية الجزائر يوجه خاص ؟ اى والله انها عالجت كل هذه القضايا ، وسجلت كل هذه الحسنات
ولكن حسناتها هذه تتضاءل او تتلاشى حينما تواجه المشاكل الاخرى الخطيرة التى تمس مستقبل هذه الامة الناشئة فى الصميم ، بصمت مربع او بالتواء ومراوغة اروع
و " الفكر " في اثناء هذا كله ما تزال " تسلط انوار الفكر على مشاكل البلاد " . ولكن هذه الانوار كانت من الذبول والخفوت بحيث لم يستطع القراء ان يكتشفوا بها حلا واحدا لمشكلة واحدة
الفكر : ليست مهمة " الفكر " فيما نعتقد الاتيان بالحلول الحاضرة مقدمة على طبق من ذهب . فهذا قد يؤدى بنا الى المخادعة والغرور و " الفكر " رائدها الصدق والتواضع والنزاهة وانما هى مجلة تنعكس فيها آراء رجال الفكر ببلادنا فهي تسجل كلامهم وتسجل صمتهم وقدياتى كلامهم ببعض الحلول وقد يقرب منها وقد يصب وقد يخطئ
فالقضايا ما تزال غامضة ، والفكر ماتزال تسلط انوارها عليها ، الى ان تنكشف القضايا من نفسها أو من طرق اخرى ، او تنطفئ هذه الانوار
الباهتة ، ونستقر في الظلام الدامس مرددين المثل الشعبى المشهور ( حانوت مغلوق ولاكرية مشومة )
ولكن " الفكر " لم تيأس من تسليط الانوار ، فها هى تخصص عددا المعالجة قضايا " اللغة العربية " ( 3 ) كل مافيه اجترار لبعض ما قال محمود تيمور وطه حسن وسلامه موسى وانيس فريحة . وبعض مقالاته تكتسحه العجمة اكتسا حتى لا يكاد يظهر منه مقصود أو تلمس له فائدة ! ! تعالج قضانا العربية باساليب ما كان ابعدها عن العربية ، وعن روحها وطبيعتها
الفكر : لانخالك الا مبالغا فى نقدك المواضع واسلوبها وانه لا يحسن بنا ان ندافع عن مقال دون مقال وانما ندعوك الى مراجعة المقالات فلعلك واجد فيها من هام المعاني وغربي الاسلوب ما يجعلك تعدل حكمك
ونتيجة كل هذا مضغ للماء او نفع فى رماد ما دمنا قد أغضينا عن المأساة الحقيقية التى تعانيها العربية بهذه الديار مأساء جهلها ، واتهامها - تبعا لهذا الجهل - بالقصور عن مجاراة ركب الحياة ، وإاقصائها - كنتيجة لهذا - عن مختلف ما يمكن أن تزدهر به عمليا من ميادين ومجالات ، واحلال اللغة التي كنا نحاربها جميعا محلها ، ثم بعد ذلك نروح نتحدث عن مشاكلها الهاهشية التى ستندثر من نفوس القراء والكتاب معا ، مادامت العربية تعاني مشكلة اخرى اعمق من مشكلة الطباعة والنحو والصرف : هى مشكلة وجودها واحلالها المحل الذى وضعها فيه دستور البلاد . او بعبارة اخرى هي مشكلية التعريب التى لاحياة للغة بدونها ، مهما خصصنا لها من اعداد ممتازة ، ومقالات ضافية
الفكر : انت تعلم ان هذا الامر لا يتم بين عشبة وضحاها وانت تعلم - او يجب عليك ان نعلم - ان " مشكلة وجود اللغة " ، مشكلة بقاء اللغة العربية ( مشكله قد فرغ القوم منها منذ زمن بعيد وانا نثق ان كيانها غير مهدد فلنعمل لاجتياز مرحلة " ابقاء اللغة " ( وهى غير مهددة ) الى مرحلة ازدهار اللغة وتيسيرها وتطويرها
ولا ينبغي أن ينسينا هذا مقالا عظيم الخطر لا تنقصه الصراحة والجراءة هو مقال تعريب التعليم ، للاستاذ الهادى حمو ، ولولا هذا المقال ، على ايجازه واتسامه بسمة فردية ، لكان هذا العدد الخاص نابيا عن كل ما هو جوهرى فى موضوعه
واخيرا ها هى " الفكر " لم تتغافل عن مشكلة كبيرة ، احدثت في البلاد رجة - على حد تعبير سيادة رئيس الجمهورية في اجتماع سوسة الاخير . هذه المشكلة هى مشكلة رمضان والتخلف - كما قيل - ولا يسع الفكر الا أن تقف منها موقفا ما لارضاء ضميرها على الاقل ( اذ ليس للرياء الى ( الفكر ) منفذ ولا للنفاق عليها سلطان ) ، ( 4 )
ولكن كيف تعالج هذا المشكل المعضل الذي جد من امور ديننا ؟ - كما تعبر - ! انها تختار طريقة غامضة وجدانية هي طريقة المتصوفين ( كأنتا فى عصر تصوف ! ) فنرد الادعية والتضرعات من مثل هذه الصيغة : " اللهم اشهد اننا لا نزيف من ديننا شيئا ولا نمس به فى جوهره قط ، ولا نعرض للبابه أبدا بسوء )
الفكر : تستطيع ان تعيب الاسلوب ولكنه لا سبيل لك الى القول بان المعنى غامض وان الافتتاحية تعمد الى ( الإدعية والتضرعات ) . انما الافتتاحية توجيه على وجه العموم لا يسع كاتبها الدخول فى الجزئيات وغرضه ايضاح المرمي والاشعار بالقصد والغاية فقط فهل الوجهة التى اتجهتها المجلة غامضة ؟
وتتمادى فى تعداد الصور المتضرعة حتى ليتخيل القارىء ان اباحيان التوحيدى هو الذى يتكلم فى احدى سبحاته الروحية الصادقة ، او شطحاته الصوفية الغامضة !
وبمثل هذا الاسلوب تعالج " الفكر " القضايا الخطيرة فى البلاد وتسلط انوارها عليها فتزيدها ظلمة وانبهاما . .
ورغم هذا فنحن لانقول فى " الفكر " ما قال غيرنا من انها ( لاشرقية ولا غربية ) أو ( لا يمينية ولايسارية ) ولكننا نقول فقط : انها بعد خمس سنوات - من عمرها الطويل ان شاء الله - ماتزال تبحث عن طريقها مترددة بين اشواك الحياة وزهورها
وأخيرا اود أن أزيل التباسا قد يثار ، وهو يتلخص فى السؤال التالي : لم لم تكتب انت فى المشاكل الخطيرة هذه ؟ وتوجه برايك للمجلة . واجيب مسرعا : ياتي قارىء مستهلك فقط ، ومن حق المستهلك ان يبدى راية فيما يقدم له من بضاعة وخاصة ، أن صلتى " بالفكر " لم تعد صلة المراسله وابداء الرأى ، وما عملى هذا الامن ذاك القبيل الذى دعت " الفكر " قراءها اليه ملحة فى دعوتها حين تقول : ( . . . . وان يدونوا لنا فى رسائلهم آراءهم وملاحظاتهم ، وانتقاداتهم من دون رحمة حتى تهتدى الى الطريق ، خاصه
واننا لم ندع يوما اننا معصومون ، او أنا محتكرون للحقيقة التى قلنا : انها ليست ملكا لاحد ، لانها ملك للجميع ) (5)
ومما شجعنا ايضا ما اوردته " الفكر " فى معرض الدفاع عن نفسها : . . ان شيئا مما اتصفت به المجلات الزائفة حقا من تزلف عظيم او تملق حاكم ، او اغراق فى الادب الباكى النائح ، او تكلف او ادعاء او تناقض لم ينشر قط . . . ) (6)
الا ان المؤسف ان شيئا كثيرا من هذا قد نشر بعد هذا الالتزام فما رأى ( الفكر ) فى ذلك ؟
وختاما اتوجه الى الاستاذ غديرة صاحب المقال :( اني اشهد ) المنشور بعددها الاخير وهذا من حسنات ( الفكر ) التى اشرنا اليها آنفا - اتوجه بشكر حار وتقدير بالغ على الاراء القيمه البليغة التى تضمنها مقالة ذاك ، ومن امثلة ذلك هذا الراى العظيم : (.. . وانا في حاجة الى ان ناكل خبزنا " الاكحل " معا وان ناكل مسفوفنا فيما بيننا ، بلا عنب ولا زبيب ، ان كان العنب والزبيب من تلك الثمار التى اذا اكلها الآكل مسخ "
وبعد فنحن نريد من " الفكر " ان تكون مستقلة وموجهة ، لامقيدة وموجهة وعلى " الفكر " ان تختار لان الامتحان عسير
الفكر : قد برهنا على استقلالنا اكثر من مرة وقد اخترنا فى غير ضغط وبكامل الحرية والوعى ان نساهم فى خلق تونس الجديدة منطلقة نحو الازدهار الشامل والقراء بيننا حكم والتاريخ سوف يشهد

