الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

امرأة كالاخريات..!

Share

امام مقهى حى الشهداء ، بالمدينة التى نزحت اليها منذ طفولتى ، ثم اصبحت اعمل بها ، تنتشر عدة كراسى ، موزعة بشكل حلق ، تتوسطها طاولات بساق دجاجة ، هى المجلس المختار للعاطلين من شبان الحي . . اذ يتاح لهم فى هذا المجلس ، ان يسجلوا بتيقظ حركات وسكنات ، وحتى ما يدور بخلد كل مار ومارة ، باستنطاق السحنات ، واستقراء السمات . . وتكون هذه التسجيلات محور مناقشة بينهم ، يبلغ فيها الحماس احيانا ذروته . . ولكنها تنتهى الى نتيجة واحدة : هي الاتفاق على المناقشة من جديد .

. . وسرت عدوى هؤلاء الشبان الى غيرهم ، حتى المثقفين منهم ! ففي ذات امسية من امسيات اواخر الصيف الفائت . . جلست الى احدى الطاولات بهذا المقهى . . وكان بالقرب منى جماعة ممن سرت اليهم عدوى هؤلاء الشبان العاطلين . . اذ كان حديثهم تعليقات على هيئات واشكال المارة . . والتفكه بما يضحك . . وبما لا يدعو الى الضحك الا ان يكون على الضاحك ! . .

الا ان تعليقاتهم اتخذت شكلا جديا ، حين مرت امراة في نهاية عقدها الثالث ، يسبقها صدرها وعيناها لا تقعان الا على المدى البعيد . . لقد كانت معروفة لدى كل سكان الحى . . لذلك قال اول معلق من هؤلاء الشبان :

1 - صماء ، جلمود ، شعور محنط ، آلة معطبة لا يحركها كهرباء . . ليت القلوب تعوض كمحركات السيارات . .

اذن لبعثت الحياة فى هذا الجسم الموءود تحت حطام قلب معطب

2 - لعلها ليست بشرا سويا ؟ . . 3 - انه العفاف المتطرف ! . .

1 - لا . . انما هى صماء وكفى 2 - صماء ! . . جسم بلا قلب كيف ؟ ! . . وهى تقوم بعمل انسانى ظهرت آثاره فى هذا المجتمع الصغير ! .

4 - لا اعرف نبيات ، وانما اعرف انبياء ، قد عاشوا فى سبيل المجتمع ، وعاشوا لقلوبهم فى الوقت ذاته

5 - تقولون عنى : انى ) دون جوان ( مدينتنا . . وقد جالستها ، وحادثتها ، وطبقت وصية من قال : المرأة كالشجرة . . ولكن فأسى فلت وما رفت لها ورقة . .

2 - ان ما تبديه من وقار ، وكبرياء ، ولا مبالاة بمن يحومون حولها ، يكشف عن مركبات تعيش تحت وطاتها

4 - انها مريضة ، تحتاج العطف والدواء . . فهل من مداو ؟ . . 1 - اني ما زلت اصر عن تجربة ، انها صماء ، جلمود ، آلة معطبة يحركها كهرباء ، ولا ينفعها دواء . .

كان هذا ما يتحدث به شبان حى الشهداء ، عن زازا كلما اجتمعوا بمقهى الحي ، ومرت زازا متشامخة امامهم . . فاثار فى نفسى هذا الحديث فضولا ، لا اراديا ، تجلى في تصيدى لمناسبات مختلفة لاتحدث اليها عن كل شيء . . الا حديث القلب ، فقد كان لها من الهيبة ما يعقد اللسان الذرب ، ويطمس الكلمات اللدنة فى الحلق . .

وانك لتحار في جمع عناصر هذه الهيبة ، حتى ليتاتى لك ان تنكرها عن اقتناع ، فلا هي ذات جمال يذكر ، لولا قوامها الفارع ، وجسمها المكتنز في غير افراط ، وعيناها الواسعتان ، الحائرتان فى غير لهفة ، . ولا هي ذات ثقافة واسعة ، الا ما اكتسبته بحكم المهنة ، فى النطاق الاجتماعى او ما حصل لها منها من مطالعة بعض الكتب والمجلات . ولا هى بالتالى ذات حسب او ثراء . . وانما هى من اواسط الناس فى مدينتنا . . الا انها كانت على جانب كبير من الذكاء ، تلمس ذلك واضحا فى معاملتها للناس في سكونها وفى حركتها ، ويبدو ذلك اشد وضوحا حين تتظاهر فى بعض المواقف لغاية في نفسها بغباء الابله . . ولعل اهم ما تمتاز به هو التناسي

والتجاهل ، فانك لا تكاد تفارقها حتى يمحى كل اثر لتعرفها اليك . . فاذا قابلتها مرة اخرى ، اضطرك تجاهلها لان تعرف بنفسك من جديد . . وانها لابرع من عرفت قدرة على تغيير مجرى الحديث ، الى حيث تود هى ان يتجه الحديث ! . .

بهذا السلوك استطاعت الآنسة زازا ان تدخل مجتمع مدينتنا الصغير وان تعمل فيه ، دون ان تسىء الى عواطفه . . وان اساءت الى عواطفها !

واشهد ان هذا المجتمع الصغير ، كان راضيا ، ساخطا عليها ! . . راضيا لانها احترمت عواطفه . . وساخطا لانها لم تمكنه من نهش لحمها ، والولوغ فى دمها . . لان تحربة الاخريات علمتها ان مجتمع مدينتنا الصغير ، يغضب ان مكنته ! . ويغضب ان لم تمكنه ! . . فاختارت ان لا تمكنه . .

كان هذا ما فسرت به فلسفة الآنسة زازا ، او الاخت ( زازا كما لقبها شبان الحى تعريضا بحياتها الجدباء . .

ولقد عرفت من بعد ، انى اخطات فى هذا التفسير ، على نحو يسمح لك بوصفى بالمؤمن . . وما دمت قد فتحت لك نافذة على اوصافى الخاصة فلازدك : ان اناس مدينتنا قد تجدهم متفقين على ان يخلعوا على فى غير ما تردد اوصاف ) الاخت زازا ( . .

وانا لا اخطئ هذه المرة اذا اكدت لك انهم واهمون فيما يخصنى على الاقل . . لانى اعلم الناس بنفسي . . لذلك كنت اشفق عليهم حين اراهم يتغامزون بى كما يتغامزون بزازا . .

ولعل هذا الوهم ، هو الذى مكن لى من نفس زازا فجعلها تسكن لى فى جفاء . . ولا اخفيك انى كنت منها على ريبة . . لاني كما قلت لك لست الا ملاكا مزيفا . . والحق انى ما اردت ذلك ، وانما هي ارادة مجتمعنا الصغير ، الذى اشفق عليه كثيرا . .

كان من علامات وقوع زازا فى وهم مجتمعنا ، تخيرها الجلوس الى جانبى فى الحافلة التى تقلنا من مقر سكنانا الى مقر عملنا . . ومماشاتى فى الطريق العام ، ومبادلتى الحديث فى غير ما تحرج ، فى كل الموضوعات التى قد

تهمنا، وقد لا تهمنا . . وحتى الحديث عن الجنس فقد تناولناه كما تتناول القارورة من الزجاج محتواها . . فلا تفاعل ولا انفعال ! . .

ومرت العلاقة هكذا شائهة الملامح ، يابسة الروابط . . فحرص كلانا على ان لا تكسر تلك الروابط . . وعملت من جانبى على تليينها ، وجعلها قابلة لمد الملاطفة ، وجزر المعاتبة . . فكان ان اصبحنا نوحد هواياتنا تقريبا للشقة ! . . ونستجيب لرغبات كلينا ، متى كانت هذه لا تعدو التوسط . للقيام بعمل ، لفائدة صديق او صديق صديق . . مما يدخل فى نطاق عملنا ، او عمل زملائى او زملائها . .

وفي يوم سبت من شهر نوفمبر ، انتظرتها كعادتى بمقهى المحطة لنرجع سويا إلى حينا . . وهذا حسب رغبتها لانها مريضة بالحديث . . وانا زير نساء ، وان كنت في غير المنازل . . ولعل هذا تطور طرأ على مهنة الازيار ! . وجاءت الى المحطة . . وفي الحافلة اعلمتنى انها ستحضر هذا المساء بقاعة الافراح محاضرة عن " مشاكل الاختلاط " . . واتفقنا على حضورها معا ، وفي قاعة الافراح ، وهي قاعة غمقة ، متواضعة ، يبدو ان فى اضافتها للافراح تفاؤلا مبالغا فيه . . جلسنا كما تعودنا جنبا الى جنب ، نستمع الى شاب حديث عهد بالتخرج ، يحاضر عن الاختلاط ومشاكله ، وقد اسهب المحاضر في بسط الدوافع الجنسية ، حتى ليخيل للمستمع المؤمن مثلى ، ان التناسخ حقيقة واقعة لا ريب فيها ، وان المحاضر جسد شاب تحتله روح المرحوم ) فرود ( ! . وبالرغم عن الدغدغة التى يشعر بها كل الحاضرين ، كلما اراد المحاضر ان يبرهن باأمثلة من الحياة ، عن انتفاء اى خطر ، قد يلحق المجتمع الشرقي إذا هو تسامح - واباح الاختلاط على المستوى العام ، لانه بذلك يتيح الفرصة للاخلاق الفاضلة ان تنمو وتتركز فى اطمئنان ، لان التهافت الجنسي الذي نلاحظ اصابة جل شبابنا به ، مصدره شعور وهمى بالكبت والحرمان لذلك كان منهم الواقف ، والمستوقف ، والموقوف اخيرا ! . . بالرغم من هذه الدغدغة اللذيذة ، فقد تزايد عدد المقبلين على التثاؤب ، ومسارقة النظر الى الساعات ! . . ولكن الغريب ان احدا من هؤلاء لم يتسلل كما هى العادة في مثل هذه الاحوال ، ليعلن فى صمت عن فشل التجربة ! . . بل ان عدد الوافدين على القاعة فى الدقائق الاخيرة من ساعات المحاضرة ، كان يتضخ من لحظة لاخرى . .

وأعلن المحاضر الشاب عن انتهاء محاضرته ، فلم يصفق له احد ! . لا لان الحاضرين اتفقوا تلقائيا على هذا الجزاء . . وانما فيما يبدو انهم كانوا فى شغل من انفسهم عن المحاضرة ، بدافع او باكثر من تلك الدوافع التي تبسط المحاضر فى عرضها وتحليلها ، مؤكدا سلامة المجتمع من معطياتها المعاكسة . .

وقمنا مع من قام نبغى الخروج ، يدفعنا الجوع دفعا الى الباب . . فلقد مرت علينا اربع ساعات فى هذه القاعدة الغمقة . . وكانت الساعة وقتذاك تشير الى الدقيقة الاخيرة من يوم سبتنا ذلك . . وتعلن ولادة يوم جديد ، ليلد الف شيء جديد ؟ . . وبينما كنت ابحث عن منفذ لى ولزازا ، متحاشيا ان تلمس يداى المتحسستان زازا او غير زازا من مخلوقات الله ، حتى لا اوصف بالانتهازية . . او حتى اصدق المحاضر على الاقل . . ولعلى ان فعلت لا اظفر بسوى نفور صاحبة العفاف المتطرف . . وكنت الى ذلك الوقت مؤمنا بذلك ، وهو ما اخشاه وان لم اجهر به قبل اليوم ! . . ولكن اين المنفذ وقد وقف كل من فى القاعة لا يريم . .

وقبل ان تصلنا صيحة من الباب ، تعلن فى فزع عن طوفان جارف حل بالمدينة ، دوى الرعد فى الآذان ، وفي القلوب . . فعرف الناس ربهم ! ومن نوافذ القاعة كاد البرق يخطف ابصارهم . . وكانما النور الكهربائى قد خجل بضعفه امام هذا البرق اللامع فتوارى عن اعيننا الشامتة . .

مرت دقائق لم نشعر فيها بانقطاع التيار الكهربائى . . ثم خف وميض البرق ، فوجدنا انفسنا فى ظلام دامس . . وهلع يوقف الدم فى الشرايين . فى هذه اللحظة بدا لى ان اشق طريقى وسط هذه الخلائق المحشورة ، حتى اكون اقرب الى الباب اذ لعل الماء يفاجئنا . . كما يفاجئ الفئران فى الاحجار فيكون اقربها للنجاة من كان بالباب . .

ولما هممت ان افعل ، وجدت نفسى مشدودا الى زازا شدا ! . . لا بقلبي . . ولا بيدى وانما بذراعيها ! . .

لقد كانت زازا اطول منى قامة . . واضخم منى جثة ! . . لذلك تعذر على فك هذا الحصار اللذيذ فى صمت . . فاشعرتها مستغربا استعمارها المقنع ! . . فانحنت تهمس فى اذنى : انى خائفة ! . . فكادت انفاسها

اللافحة تذهلني عما نحن فيه ، لولا فضل من حب فى البقاء . . حملنى على جرها ورائى ، كما يجر المحرك الصغير هيكل السيارة الضخم . .

وفي الباب ، وعلى وميض البرق ، ادركنا الهلاك المحيق بنا . . فلقد كان الفيضان يترابى من لحظة الى اخرى . . ويوشك ان يجد له متنفسا فى قاعتنا . . وكيف الخلاص ؟ . . والمطر ما ينفك وابلا . . والارصفة علاها الماء ! . .

كنت مازلت مشدودا الى زازا باكثر من دافع ، فتعاليت اليها هامسا ، وانحنت هى ، تسمع بفمها . . فكرة الفوز بنفسينا . ولتكن الرزية فى الاحذية والملابس

وانطلقت هذه المرة اجرها كما يجر العصفور فخه ! . . ولكن الى حين . . فاما انخناق ، واما انطلاق . . وكنت ارجح الاول ، لانى ادركت ادراك الحس اني مخطئ فى تفسير فلسفة ) الاخت ( البتول زازا .

وتحت رواق احد الدكاكين انتهى بنا القفز.. وهناك مرت علينا ساعة . او اكثر زال فيها فزعنا . . وزاد ارتعادنا . . ولكن بالرغم من حالنا تلك تحدثنا عن المحاضرة وعن معطياتها . . لان الذى يهم زازا هو الموضوع لا غير . . اما طريقة تناوله وبسطه فهى تعنينى انا بالدرجة الاولى وقد لا تعنى غيري في نظر زازا . . لانى بالرغم من ذكائها جعلتها من الناحية الادبية تدور في فلكي وتعتبرني " سانت بيف " او اليوت العرب ، لانها تفكر بوجدانها كما يفكر اخوتى الصغار فى شرقنا ماضغ الكلام .

كفت السماء . . وابتعد ازيز الرعد . . وخفت وميض البرق . . ولكن خرير المياه فى المجارى التى صنعت له ، او التى صنعها لنفسه حسب القياس الملائم لحجمه ما يزال يطغى على ضجيج محركات السيارات التى بدأت تدب . .

طلبت من زازا ان تنتظرني ريثما ابحث عن سيارة صديق ، توصلنا إلى الحي الذي نسكنه . اذ يتعذر علينا الوصول اليه راجلين

وفي ركن الشارع الذى وجدنا به ملجانا ، وقفت على اظفر ، بهذا الصديق الجديد الذي يملك سيارة ! . . لانى لا املك صديقا ذا سيارة ! . . لان الطيور على امثالها تقع . . وان تظاهرت بالبحث ، فذلك استجابة لمتطلبات الموقف . .

الساعة الواحدة والنصف تشير اليها ساعتى المضوأنة ولم اصنع صديقا ذا سيارة . . فدب الى نفسى ياسها المعهود ، وغبت في دوامة سوداء نسيت معها مهمتى فى ذلك المكان . . وزازا ، وحالنا . . والمحاضرة المشؤومة . وحتى النافذة التي فتحت او تفتحت لى على حياة زازا في هذا الشطر الاول من هذه الليلة التى لم افكر فى تخطيط لنهايتها ، لاني اجد لذة في المفاحآت ، وان تكن على حسابى . ولانى - وهو الصحيح - اخشى المستقبل . . وارضى بما كان حذر ما قد يكون ! . .

وافقت على نور اصفر ينبعث من ناحية زازا . . فالتفت . .فاذا هي سيارة تقف امام الدكان الذى تركت زازا تحت رواقه . . فاتجهت اليها بخطى سريعة . . ولما اقتربت منها اراد سائقها السير ، فاوقفته باشارات متلاحقة بيدى . . ففاجانى ، فى وجل وخجل ، يعتذر عما بدر منه ، ويقسم انه ظنها فى حاجة الى مساعدة ، فاملت عليه مروءته عرض مساعدته لا غير . . ولم يكن هذا ما قاله لزازا كما اكدت لى من بعد ذلك .. وانما قال لها : انت نصف دينى الدنيوى ، فهلا ملكتنى اياه ؟ . . سمعت منه ما اراد ان يبرر به تصيده غير المباح . . وانا اتطاول على اطراف اصابعي ، وانتفخ لابدو ضخما مخيفا . . فدلتنى حاله النفسية انه يخشى الفضيحة ، وانه ناشئ في ميدان التصيد البشرى . . وعليه ان يتحمل ما كتب على كل ناشئ ان يتحمله . فاشرت الى زازا ان تصعد السيارة بعد ان فتحت لها الباب الخلفي ، ثم ركبت الى جانبها . . وقبل ان استوى فى مكانى قلت لزازا بصوت خافت ، ولكنه يؤدى الغرض : هذا هو صاحبى الذى حدثتك عنه ! . . والتفت اليه قائلا :

نحن نتقبل مساعدتك . . ونكبر مروءتك . . ونرجوك ان توصلنا الى حي الشهداء . . ثم واصلت حديثى حتى لا اترك له مجالا للاعتذار ، او الرفض . . والله لقد انتظرتك انت بالذات فى هذه الليلة التى اشرفنا فيها على الهلاك من البرد والجوع . . لولا مرورك صدفة من هذا الشارع القفر

كنت انا اتصنع الحديث ، وكان هو يتصنع البحث عن مفتاح سيارته ليبرر اضاءة داخل السيارة ، حتى يتملى وجهينا ، وجهى انا الذى ادعى صداقته . ووجه زازا ، هذا الطعم الذى صيره صيدا بعد ان كان صيادا . ولما ضغط هو على الزر ، كنت انا قد وضعت راسى بين كفى ، وانحنيت على مسند الكرسي امامى متظاهرا بالتعب . . فاكتفى هو بنظرة فى وجه زازا ملاها تانيبا ، وعتايا . والعهدة عليها . . ثم اطفا المصباح الداخلى ، وانطلق يسير في عصبية . ومالت على زازا ، هامسة هذه المرة فى اذنى : لماذا لم تقل لى انه صديقك عندما كنا بالقاعة ؟ ! . . فاجبتها ، وقد ادركت انها عرفت هوية صاحب السيارة وانه لابد أن يكون حضر معنا المحاضرة - وهل كان معنا في القاعة ؟ . .

فردت على في استغراب : الم يكن هو المحاضر نفسه . . انه بلحمه ودمه ! ؟ .

وفي حي الشهداء ، شكرنا المحاضر السائق ، وازلنا خجله بما اشاعه علماء ايام زمان ، تبريرا لسوء سلوكهم ، من ان العالم اسوة فى القول لا فى العمل . . ثم ودعناه بعد ان اكدنا له حرصنا على العمل بما جاء فى محاضرته . وان ما حصل هذه الليلة مقبور فى صدرينا . .

وقصدنا منزل زازا ، وكانت الطريق اليه غير معبدة فلم تستطع او لم  . . ترد زازا مواصلة السير ، لان حذاءها ذا العقب النحيل يستجيب لاعتمالها الباطني.. فعدنا مضطرين الى منزلي ، وهو عبارة عن ) استدو ( فى عمارة . . وكانت الساعة الثانية صباحا ، حين اشعلت شمعة بحجرة النوم ، واخرى بالمطبخ . .

وبحثت عن شيء يؤكل ، فى تحرج بالغ ، لخلو بيتي من قرى الضيف ، حتى لكانه بيت بيرم التونسى فى منفاه . . ولكونى لا املك ما يمكن ان يتخذ فراشا ، وسريري لا يتسع لسواى . . وببراءة الطفل بحت بخواطرى هذه لزازا . . ففتحت عينيها ليطل منهما الشيطان ، يصرح فى لهفة : انها جائعة . . وكلاكما نار . . وماذا عسى النار تفعل ، ان لم تجد ما تاكل ؟ . .

وبتنا صابرين على جوع البطن . .

ومن الغد ، وفي مقهي الحي ، جلست الى طاولة بساق دجاجة ، كعادتى . . امامي قهوة سوداء اطرد بها النوم ، وبيدى جريدة تخبر بخطوط غليظة عن الطوفان الذى كاد يحدث . .

وفي ركن آخر منها ، وتحت عنوان " الاختلاط عامل مهم ، فى تركيز الاخلاق ، والحفاظ عليها ، وصف وتلخيص لمحاضرة الاستاذ ) فرويد ( او المحاضر السائق ، والصائد الناشىء . .

وبينما كنت اقرأ هذه الدعوة المخلصة الى اخلاق فاضلة ، سمعت شابا يقول لآخر : ها هو الجلمود اقبل . . انها شعور محنط ، وآلة معطبة لا يحركها كهرباء . . ورد عليه الآخر : لعلها ليست بشرا سويا ؟ ! . .

فرفعت عيني عن الجريدة . . فرايت زازا مقبلة نحوى يسبقها صدرها ، وعناها لا تقعان الا على المدى البعيد ، وفى يدها مفتاح الاستديو التفت إلى الشابين قائلا بعينى : انها امراة كالاخريات . .

اشترك في نشرتنا البريدية