- 1 -
كانت المحطة تعج بخلق كثير فى صباح ذلك اليوم المطر ، وكان نادرا ما تمر حافلة . . تمر مكتظة لا تتوقف فيسب البعض ويكفر البعض وينظر البعض الى ساعاتهم فى تجهم وامتعاض . . .
. . . نظر عبد الناظر فى ساعته فاذا العقارب سريعة الدوران . قرر أن يبحث لنفسه عن تاكسى حتى لا يصل الى العمل متأخرا . وقف على الرصيف يتفحص فى مئات السيارات اللاهثة . . .
- 2 -
قرر عبد الناظر أن يعود الى المنزل . . لقد مر وقت طويل . ولم يعثر على ضالته . سكمل نومه فالطقس يغرى بالنوم . سيختلق كذبة من الاكاذيب يبرر بها تغيبه عن العمل فى هذا اليوم .
لقد عرف بتفانيه فى عمله فأحبه كل العاملين معه وكل المشرفين عليه ، حتى سكرتيرة المدير كانت تنظر اليه نظرات محمومة فهو أنيق ، لطيف , مهذب ، دائم البشاشة والابتسام . . . سوف لن يشك أحد فى انه تقاعس هذا اليوم .
- 3 -
. . . لما توقفت السيارة بقربه وهو فى طريقه الى المنزل . أحس بخفقان قلبه يزداد . . . لا بد أنه صديق أو زميل فى العمل . . لعن الغلاء الذى منعه من
اشتراء سيارة فهى وسيلة ضرورية ازاء ما يعانيه يوميا من مشاكل النقل . . أغلب العاملين معه بسياراتهم ، حتى سكرتيرة المدير . . .
ذهل عبد الناظر . . والمرأة تشير عليه بالصعود فهو لا يعرفها قبل ذلك الوقت ولم يشر عليها بالتوقف . . . أخيرا جمع شجاعته فقد انحنت تفتح له الباب .
- صباح الخير سيدى . تفضل . أنا عارفة مشاكل النقل ، قلت أحملك معى لآنس بك ولانقذك من الوصول متأخرا فالساعة الآن الثامنة .
- 4 -
عرفت كوثر ان مرافقها عبد الناظر طالب فى المرحة الثالثة وموظف فى ادارة الشؤون العقارية بالعاصمة وانه لم يعثر بعد على عروسه فيقضى لياليه وحيدا فى بيته بالضاحية . . .
وعرف عبد الناظر أن كوثر من عائلة ( بم بم ) وانها وحيدة أبويها الطبيب والمحامية وهى بصدد اعداد رسالة ماجستير فى الهندسة . . .
- 5 -
فى مكتبه أحس بالدوار . . . ترشف قهوته واشعل سجارة وراح ينفث الدخان لقد كان كلما انكب على العمل ظهرت له صورتها على الورقة . . . ولكن ها هى الصورة تتراءى له حتى من خلال حلقات الدخان المتشابكة , المتعالية فى فضاء القاعة .
كانت كوثر جميلة جدا ، شقراء تغرى بالانتحار شنقا فى سبيل الفوز برضاها . . عيناها خضراوان وأنفها دقيق وشفتاها مكتنزتان يشعان احمرارا . . وجهها مدور أسمر . . وابتسامتها عذبة . . .
- 6 -
. . . ضرب بقوة على الطاولة . . . لماذا . . لماذا لم تحاول ان تضرب لها موعدا . . لماذا لم تأخذ منها رقم الهاتف . . . لماذا لم تسألها عن العنوان ! ؟ فالناس من نوعها . . من هذه الطينة يعيشون على النمط الاوربى . . لا يتحرجون
من مثل هذه الطلبات . . عض شفته السفلى لماذا لم يمد لها يده مصافحا حين نزل من السيارة واكتفى بكلمة ( مارسى ) ! ؟ وأحس برغبة جنسية تجتاحه فاقشعر بدنه ولملم فخذيه فى هدوء . . .
قرر أن يكتب قصيدة . . لعل الشعر يخفف عنه هذه الحمى ، فحتى سكرتيرة المدير لم يرها هذا اليوم . . .
سمراء يا حلوه
متى يغتالنى دفؤك
وتعلو نشوتى
الذروه
- 7 -
طوى الورقة . وضعها فى جيبه . انكب على العمل ليتدارك ما فات وصورتها لا تبارحه . . واضطرمت نار الاسئلة فى دماغه . . هل هو مراهق ليصبح على هذه الحال . ؟ لا . ! وهل أحبها . ؟ يجوز . . فابن حزم يذكر فى طوق الحمامة ان الجد يمكن ان يحصل من نظرة واحدة . . ولكننى أحب أخت صديقى فوزي وكلمته فى الامر فلم يمانع . . ولعلى أتقدم لخطبتها فى الربيع . . وفوزى لا بد انه كلم أخته فى الموضوع . . فلو لم توافق هى لاعتذر لى . . لا يهم سأنهى القصيدة واترك العمل لما بعد الزوال . . .
- 8 -
لما انتصف النهار وشرع الموظفون فى الخروج ، صعق عبد الناظر . . لقد كانت ابتسامتها تلوح له من بعيد فترتعش أوتار قلبه . . . كوثر تنتظرنى عند الباب . . .
لقد تسربت حافظة اوراق عبد الناظر من جيب السوال وهو فى السيارة فبقيت هناك .
- أهلا سى عبد الناظر . . هذه أوراقك . . أليس كذلك . . ؟
فى ذلك الوقت بالضبط مرت سكرتيرة المدير . . حدجته بنظرة لائمة ثم تراجعت الى الوراء وعلى خديها قطرتان . . .
