كانت اياما حلوة مملوءة بالعمق فى الاحاسيس .. بالرغبه الكبيرة فى الحياة ، وكان الامل عريضا واسعا ، وكنا فى بداية التطلع الى العالم الارحب عالم الكفاح .
وكنت يا حسب حميلا أسمر قويا .. أحببتني بعد ساعه واحدة من تعارفنا ، أحببتني بكل القوة المغروسة فى طباعك الصلبة ، بكل الرجوله التى حبتك بها الطبيعة لتفتننى .. وكنت مسيطرا عسكريا . وكنت تأمرنى وتقسو على ، وكنت أطيعك ، وأنفذ أوامرك ، أمرتني ان افكر فيك وان احبك وان ارعاك ، وانشغل بكل ما يهمك فسبحت في موجك العاتى وصرت لا انام ولا اصحو فقط أحبك وارتعش في حضرتك ، وارتعش فى غيابك . أبكى عندما اشعر بأنني أليفة السعادة ، وأبكى عندما اخاف عليك.
وبالرغم من طراوة عودى وقلة تجاربي خضت معك حربا تحريرية ، كنت مزهوة بانتسابي لبطل هو انت ، كنت رائعا فى بدلتك العسكرية ، ونجوم الشرف والرتب تتلألأ على صدرك ، والمسدس العامر يرتاح على يمينك
وكنت دوما معفرا وعيناك تضيئان. ولما اشتدت الحرب وكبرت مسؤولياتك قلت ابتسامتك واصبحت فى وقت ما تتكلم بالرموز وباختصار كبير ، ولم تعد تناديني باسمى ولكننى كنت اشعر بأن حاجتك الى قد ازدادت وانك تأتي من بعيد ولفترة قصيرة فقط لكى نتزود بقبلة منى تلفح جبينك ، تحقنك عزما ، تهون عليك الموت ان كان لابد منه فى سبيل بنزرت .
وكانت تعجبك دموعي وهى تتلألأ فى عينى اذ أنى ارى لمحة من الرضا تطغى على وجهك ، ففي قلبك لا شك اطمئنان حلو الى انه موجود في الدنيا امراة تحبك بصدق وكنت تضمني بقسوة وتنصرف . وأظل بعدك أنكر واكتب واتكلم ، واتخيل ، وارتب ، واغنى ، وارتمي ، واغيب عن الدنيا . كان المذياع دوما فى جيبى أسمع منه اخبار الحرب واناشيد الحماسة . لم يكن سوى جسمى حاضرا ولكن فكرى وروحى وقلبى كلها كانت معك عل الواجهة تخوض النار والالم والعمل .
كنت اتخيل نفسى دوما تونس الجريحة ترفع العلم حتى النصر .
ومرة يا حبيبى دخلت على مجروحا أصابك الرصاص فى جبينك وسال دمك الزكى على ارضنا الطاهرة ليسقى نبتة اسمها الحرية والجلاء .
دخلت على معصوب الرأس بلفافات بيضاء عليها آثار دم ، وكان التعب والارهاق والحمى جيوش كلها تبغى ان تسيطر عليك وتطرحك للفراش وللضعف وللانين ، ولكنك أنت يا بطلى رفضت ان تضعف وان تنام فى المستشفى وجئت تمشى على رجليك ورصاصاتك مازالت في جيبك وبدلتك معفرة كالعادة ، وقلبك يرتج بالشوق إلى لقياى .
حتى الموت يا حبيبي لا استطيع ان انسى تلك الساعة التى قضيتها انتحب فى صمت بجوارك وانت ملقى على الفراش تحاول ان تكون صاحيا ولكن الحمى تغلبك على امرك وكنت تهذى :
- الجلاء قريب .. الجلاء قريب .. احبك يا ليلى .. واحب بنزرت .
على جسمك أرقت كل عطورى ، غسلت رجليك بماء دافىء ، دثرتك بملاءة من تحرير ، اسدلت الستائر حتى لا يرهقك الضوء الساطع .. ابعدت عنك ساعه الدقاقة حتى أفقدك الاهتمام بشئ اسمه الزمن ، وقبعت قربك اقرأ وابكى واسرق من حين لآخر لمسة دفء من جبينك الملتهب . وما هي الا بعض الساعة حتى استيقظت مرتعشا سائلا لائما نفسك .
وحين انشغلت أعد لك القهوة ارتديت ثيابك وهربت منى .. لم تودعني .. لم تقبلنى .. لم تتح لى الفرصة لكى امنعك من الخروج . أحسست وقتها بغم كبير .
وجاؤوا فى آخر الليل ليعلموني ان حبيبى رحل ولن يعود لكنه وعد بان يرسل بدلا منه الجلاء والحرية لبنزرت ..
وعندما كنت أبكى فى صمت كان ابننا " انتصار " يتحرك بين جنبى كانه يقول : " لا تبكى يا أمي فأنا والجلاء قادمان "
