انها امرأة صغيرة ولطيفة ، ولكنها صعبة . فتارة أقول : هى أمنع من " تل أبيب " ، وتارة أخرى أقول : هى أبعد من القمر . لهذا فانى لم أبعث فيها لائحة الى مجلس الامم المتحدة ، ولم أكلف نفسى مشقة استعارة أبولو 8 ويقينى أن ما فعلته معها كفيل بفتح " تل أبيب " ، وبالعروج الى الشمس فى نفس الوقت .
أنا لا أعتقد أن فى علاقتنا - أنا والمرأة الصغيرة - ما هو جدير بالاعتبار . فقد تعارفنا من زمان ، وتحدثنا من بعيد ، وطرقنا عدة قضايا ، وشكاكلانا لصاحبه مخاوفه ، وتعاهدنا على خلق المستحيل ، واتفقنا على السير فى طريق لم يسلكها أحد من قبل .
وكانت وعودى لها عديدة وخطيرة ، ولكنى لم أهن أمام الاحداث ، ولم أضعف أمام العراقيل ، فخلقت من الصراع معنى لوجودنا ، وألبست هذا المعنى ثوب التفلسف ، وتأبط كلانا ذراع الآخر ، وسرنا لا نكاد نلوى على شئ .
ولكن صاحبتى الصغيرة جموحة الطبع ، صعبة الانقياد ، ولعلها رأت فى سيرها معى فى دربنا المختار ، وفى نشدانها الى جانبى أهدافنا المحددة ، معرة لها ، ومحقرة لكبريائها ، واستهانة بشخصها . فغضبت وتمردت وثارت . وكان غضبها صمتا ، وتمردها غموضا ، وثورتها تناقضا : ومن يومها أضعنا الطريق ، وبدأت القضية :
فهى تغار من لا شئ ، وهى تهدد بلا شئ ، وهى تصارع لا شئ وتهادنه ، وأنا منها على وحل وحيرة ، فتارة أقول جنت ، وتارة أنسب الجنون لنفسى . ولكن ذلك لم يحل القضية .
وهى لا تنقل لى الا فضلات أفكارها . ولا تحدثنى الا عن ملاحقة الآخرين لها ، والا عن رغبتهم فى التزوج منها . ولقد سمحت لنفسها بمراسلة بعضهم .
وأصبحت تتعمد اثارتى بذكر ما قالوه لها فى رسائلهم ، واذا هددت بالقطيعة اتهمتنى بالغيرة ووصمتنى بالضعف وحقرت من شأنى الى أن يخرسنى الخجل أو تظاهرت بالجد وباحت بذات النفس الى أن أصدقها فأعمى وأسكت .
وهى لا تريد أن تسير معى في شوارع المدينة ، وحجتها فى ذلك انها تخشى أن يرانا اللصوص فيذكرونها بالسوء فى مناتدهم ، وهى تبيح لنفسها مسايرة الآخرين ، واذا ناقشتها فى هذا التناقض جابهتنى اما بالصمت وتحته ما تحته من حقد وازعاج ، واما بقولها اننى مشهور وان اغلب الناس يعرفوننى وان فى سيرها معى مغامرة . . . وأصدقها وأكذب عقلى وأعزى النفس بالصبر
واذا لانت - وما أندرما تلين - وسارت معى فى الشوارع أكثرت من الوقوف أمام الواجهات ، وهى تفعل ذلك فجأة ودون أن تطلب منى المشاركه او الانتظار وأتمزق بين متابعة السير وحيدا وما فيه من مشقة ، وبين الانتظار وما فيه من عار ، وأخيرا أبتلع غصصى وأقترب منها لاحملق فى الفراغ ، وقد أسالها بمنتهى اللطف عما أعجبها ، فتصيح فى وجهى " وماذا يهمك " فأعض شفتى وأصمت . وتتفطن الى خطئها فلا تعتذر وانما تستبد وتتعنت .
واذا دعوتها الى السنما قاطعتنى بالرفض ، وألح فى الدعوة فتلح فى الرفض ويغزونى الغضب فتطيع ، وتسير معى مرحبة حتى اذا مازال عنى الغضب عادت الى التمرد . وما ان نستقر فى مجلسنا حتى نشرع فى التأفف والتأوه الى ان يعميني السخط فأخسر من جوانب عدة : فلا أنا بكبريائى المداسة . ولا أنا بدراهمى المبذرة ، ولا أنا بالمشهد أحرم منه . وأخرج مقسما على عدم دعوتها الى السنما مهما عشت ، وبعد أسبوع أعود الى الدعوة ، وتعود هى الى الرفض ، وتعاد المسرحية على صورة أخرى ، أطرف ، وأمر ، وأحلى
ويسخطنى تلاعبها ، ويغيضنى مزاحها ، فأدعوها الى محاسبة النفس . وأهدد بالقطيعة ، وأحضر الغائب ، وأذكرها بما اتفقنا عليه . واستنجد بفلاسفة العالم أجمعين ، وأبين لها خطورة الموقف ، فتستمع الى بدهشة ، أو تدير لى ظهرها محتجة على أن كل ما أقوله خطأ محض . ونتفق على نسيان الماضى ، ونلتزم يقبول تقارير جديدة ، وتقع بيننا هدنة آنية ، ولكنها سرعان ما تنسى ما اتفقنا عليه ، وتشهر الحرب من جديد ، وتستعمل اسلحة حديثة وأتظاهر بعدم الاكتراث ، وأتجمل بالصبر ، ولكن مسالمتى لا تزيدها الا تعنتا ، فتتعسف فى كل شئ ، وعندها أثور بدورى ، ويشهر كلانا الحرب على صاحبه علانية . وما اسرع ما انهزم ، فأنا أحب هذه المرأة الصغيرة ، وللحب فى مذهبى معان لا يعرفها غيرها . وأفلسف هزيمتى ، وأكسوها ثوب الانتصار -
والعلاقات مشتركة بين الجلاد والضحية - ونستقبل الاكاليل على صعيد التحابب ، ولكن تحاببنا لم يضع حدا نهائيا للقضية .
وما أكثر ما فارقت المرأة الصغيرة على الا أعود اليها أبدا ، وما أكثر ما كتبت لها الرسائل النارية أعلن فيها عن الاخفاق وأندب فيها الرجاء وأهدد بالقطيعة ، وما أكثر ما تعمدت حمل هذه الرسائل بيدى ، ولكن مجرد مرآها يبدد كل ازورار ، ويذهب بكل شحناء ، فنتصافى ونتناغى ، ولو فتشتنى لعثرت على ما هو جدير بالاعتبار .
وما أكثر ما أقسمت بأغلظ الايمان على تركها تصلى نار الانتظار ، وتتقيأحمم الغيرة ، وأتعمد الابتعاد عن حيث القاها فيظلم العالم فى وجهى وأتيه عن الواقع فأسرع الى حيث القاها بشوق أعظم وبلهفة أقوى وكأن دهرا مضى لم أر خلاله المرأة الصغيرة . وعندما ابرز امامها اضع برقع الغضب ، وبعد التحية تبدأ المعركة .
والمرأة الصغيرة خبيثة فى حدود أنوثتها ، فهى تعرف ما أحب وما أكره وهى تعرف اعتقادى فى التعارف ، ومعاداتى للكذب ، وهى تصر على معاكستى فلا تحب الا ما أكره ، ولا تكره الا ما أحب . وهى لا تتوانى عن تحقير معتقدى وعن تسفيه أقوالى ، وهى تكذب على كذباتها الصغيرة التى زعزعت أركانى وقضت على معالم ثقتى فيها ، وهكذا أصبح غيابها يغيضنى ، هكذا أيضا عظمت لهفتى عليها فأصبحت لا أصبر على مرآها فى مواعد محددة . وقد تتكلف التأخر فأثور . وقد تتعمد التغيب فأجن . ثم هى لم تترك فى حياتى مقدسا الا عبثت به ، ولم يسلم من شرها عزيز على . وهى ترفض لمجرد الرفض ، وتأمر لمجرد القاء الاوامر ، وهى تتناقض مع نفسها ومعى آلاف المرات . وأنا انسان بسيط جدا ، لى أفكارى ومعتقدى ومطامحى ، وأنا انسان تعود على الجمود ، وأنس الى الرتابة ، فأصبحت المرأة الصغيرة العنصر الوحيد الحى فى حياتى ، ويالها من حياة محمومة حافلة بالاحداث الى حد أن الاسابيع لبست ثياب القرون ، والى حد أن الايام ضاعت من حيث لا أدرى .
والمرأة الصغيرة طيبة جدا ، فهى ملاذ اذا وقع لى مكروه ، وهى عزاء اذا نزلت على نازلة ، فاذا مرضت أضربت على الأكل ، وأرهقت نفسها بالسهر ، وتحملت من المشاق في سبيلى ما لا يتحمله غيرها . ولكن العلل ناصبتنى العداء وما كان لذلك بان يحل قضيتى .
وخطر لى أن أشنع بالمرأة الصغيرة ، فجمعت أصحابى ، وطرحت عليهم قضيتى . ولا شعوريا وجدت نفسى أمجد المرأة الصغيرة ، وأحقر من نفسى
ولما انتهيت من التنديد بصاحبتى الصغيرة ، تنهدوا اجمعين وقال افصحهم : " ما أسعدك بامرأتك الصغيرة " . ولكن اعجاب أصدقائى بما قلته عن المرأة الصغيرة لم يحل قضيت معها ، فبقى الصراع هو هو ، وبقيت الحيرة على حالها
انى أعرف قضيتى مع هذه المرأة الصغيرة تمام المعرفة ، فغيابها يسخطنى وقدومها يزعجنى ، والحل الوسط عدم . وأنا ضائع أفكر فى هذه القضية بالليل وانام بالنهار ، واذا فكرت جمعت الاصفار ، واذا نمت أزعجتنى الاحلام .
وفى احد الليالى خطر لى أن أضع حدا نهائيا لقضيتى مع هذه المرأة الصغيرة ، فذرعت الحجرة ذهابا وايابا عدة مرات ، وجلست الى مكتبى بارتخاء كالفلاسفة ، ووضعت رأسى بين يدى ، ثم مزقت شعرى وفرقت عينى بأصابعى ، واكتشفت أنى لا أحب المرأة الصغيرة وانما اغار عليها ووجود الغيرة فى مذهبى لا يبرهن على وجود الحب كما هو معلوم عند الآخرين ، وانما يدل دلالة قاطعة على انعدامه ، فالحب عطاء والغيرة أنانية وأشياء أخر . وبحثى عن المرأة الصغيرة لا أنشد من ورائه مسرة اللقيا وفرحه الرؤيا ، وانما انشد من ورائه طمأنة الضمير ، وتغزلى بها لا يكشف عن عاطفة سيالة مع الكلمات ، وانما أقصد من ورائه التكبيل والتقييد . وفى الحقيقة أنا انسان غيور تعذبنى أقل الهواجس وتذهب بعقلى أسخف التخمينات . وفى حقيقة الحقيقة أنا انسان طغت عاطفته على حجاه وما كان ذلك الا بعد مسيرة نظرية ذهبت بعقلي أو كادت وما يسيرنى فى الوجود احساس غامض لا أدرك معناه .
وعذبنى الاكتشاف ، وأحسست كأنما أطعن بقسوة ، فاستنجدت بما نام من قواى الذهنية ، وأبرقت لما أحفظ من أقوال المتفلسفين . واستعددت لمجابهة الفكرة كل الاستعداد . أنا لا أريد أن أفند ما وصلت اليه أيام التفلسف ، فالحق والباطل كلمتان لوثتهما الافواه ، وانما أحب أن أطمئن على محبتى لامرأتى الصغيرة . والحق أن الشك بدأ يداخلنى . . وبعد مسيرة لا بأس بها ، لم أقنع نفسى بأنى أحب المرأة الصغيرة ، وانما تفطنت الى كون سعادتى فى قضيتى ، وقضيتى رهينة امرأة صغيرة ولطيفة ، ولكنها صعبة ، تهوى الصراع وتقول باعتزاز عظيم . . . أنا التحدى ، وأنا التمزق " .
