الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

امومة, إلى التى طال صبرها

Share

- 1 - أحب الصياد أن يأخذ الحيوان حيا : تلك ارادة زوجته ، وليس لارادتها مرد . استطرفت الخنزير الوحشى اليافع وقد ضل عن غابته وغاب عن القطيع ووصل إلى الطريق وتوقف أمام السيارة متعجبا متحيرا تائها صاغرا تصورته فى حديقتها بحظى بعطف الصغار ويفخر به الكبار . فللجيران قطط وكلاب متنوعة وطيور نادرة وسلاحف وأسماك ملونة ، وبعضهم يمتلك قردا صغيرا هدية من بعض السفارات الافريقية ، ومنهم من يفخر بتربية نعامة عملاقة ، فلم لا تربي بدورها خنزيرا وحشيا يكون زينة الدار

ولم تطل دهشة الحيوان فقد نزل السائق بحذر واقترب منه وأخذه بين ذراعيه وأدخله السيارة ودفعها . . لكن للحديث بقية .

فأم الحيوان الصغير قد شعرت بأن القطيع ينقصه فرد عزيز عليها ، فتخلفت عنه وأخذت تبحث عن ابنها بين الاشجار ، حتى وصلت الى الطريق فرأت عمل الصياد بصغيرها وهالها أن تنطلق السيارة به فلحقت بها . . . فزاد السائق فى السرعة . . . فزادت . . واقتربت من السيارة ، فزاد فى سرعتها فتوقفت الأم لحظة تجمع قواها ثم استأنفت العدو . . . فكادت تلامس الحديد فرفع السائق السرعة الى أقصاها . . . ولم تيأس الأم ، بل اندفعت بكامل طاقتها وراء السيارة تعدو وتعدو . لكن الحديد يبتعد عنها ، لكن قواها تتضاعف ، لكن أعصابها تنهار والسيارة تزداد ابتعادا عن ناظريها تحمل داخلها ابنها الصغير . لكن الضعف يدب فى أوصالها والحديد يغيب بمن فيه . .

عند ذلك عرف اليأس طريقه الى قلبها ، فتوقفت تتنفس بقوة عصبية والتفتت حولها فلم تر الحديد ولا الصياد ولا الصغير بل رأت الطريق أمامها خاليا والغابة من حولها ساكنة فلم تتحمل هول الموقف ، فأخذت تضرب برأسها أرض الطريق حتى انشق الرأس . . وانشقت الأرض

- 2 - حملت الأم بين أحضانها ولدا بهى الطلعة ، جميل المحيا ، يملأ الدنيا بهجة وصراخا ، تدفعه الى الحركة حياة تدب فى عروقه فيتعلق بصدر أمه ويتشبث به ، كأنه يطلب حنانها السليب ، ويتوسل اليها كى تبقى على حياته . لكن الأم قد عزمت أمرا : لا بد من التخلص من هذا الوليد ، انه فى شرعها - بل فى شرع الناس - ضيف ثقيل متطفل دخيل ، جاء فى غير أوانه ، كان يجب ألا يولد اليوم ، بل كان يجب ألا يولد البتة . لماذا جاء الى هذه الدنيا وقد حملت به أمه فى ليلة حمراء هاجت فيها الذكرى والشهوة والمحبة والشباب والجمال والليل ، وسقطت فيها سدود أقامها الشرع والناس والأهل والخلان والسلطان ، واحتد فيها صراع بين المحبة والشريعة ، بين الوفاق والوثائق . فكان الطفل .

كف الولد عن الصراخ فجأة : فكأنه استسلم للمصير الذي قدرته له امه ورأى أن الصراخ لن ينقذه من هذه المغارة فى الجبل الشامخ الصلد ، ومن هذا البرد القاسى ، ومن هذا القلب الحائر : الطفل أم العار ، الطفل أم طلقة من تلك البندقية المعلقة فى غرفة أبيها . الحياة ليست طفلا . الحياة كرامة وصيت ومظهر عفيف وباطن خبيث ، وليلة حمراء ، وبندقية بلا استعمال ووالد راض ، ووالد غائب ، وأم مطمئنة ، وطفل قتيل ، ورأس منشق ، وأرض منشقة وسلام دائم .

- 3 - فى الدار دهليز مظلم توضع فيه القوارير الفارغة والأحذية القديمة والملابس البالية والمجلات والصحف والقصاع والحبال وكل ما قل استعماله . وفي ركن منه نظم بيت الأرانب الذي انتشرت فيه بقايا الخضر وروائح الحيوان .

وكانت الأرنب الأم على موعد مع الوضع . فقد أحست بقربه فتملكها الخوف والألم والفرح والحيرة والجهد : انها تعرف أن الذكر سيلتهم الصغار حال

ولادتها وأنها ستحرم ثمرة صبرها الطويل بسبب قسوة الأب وأثرته ، ففكرت فى حفر مغارة تحجب فيها الصغار الوليدة ، وشرعت فى البحث عن مكان لا يتفطن اليه الوالد " الحنون " . لكن المخاض أعجلها : فقد احتد الوجع واشت الخوف فقادتها غريزتها الى مكان وبدأت تحفر المخبأ . . فازداد الألم فأسرعت واستبدت بها الحيرة فأجهدت نفسها لانهاء الحفر ، وكثرت الآلام فأسرعت واجتهدت وتحيرت وسمعت وقع خطوات تقترب من الدهليز ، فقويت خشيتها فزادت فى سرعة الحفر ، فاشتدت الأوجاع واتسع الحفير وبعدت الخطوات فاستسلمت للطبيعة الغالبة . . . ثم شعرت براحة لذيذة تسرى فى كامل جسمها ، وأحست بأنس الصغار من حولها فاكتملت بهجتها ، فضمتهم الى صدرها وشملتهم بعطفها . . . ساعة .

وهي على ذلك اذ عاد وقع الخطوات عجلى هذه المرة ، متعثرة متوحشة ، ثم ظهر فى شبيه الظلام طيف حيوان أبيض ثقيل عزيز ذليل يتأهب للقفز والفتك والافتراس . فاضطربت الأم وبرقت عيناها واشتد خفقان قلبها الصغير وتأهبت لدفع العدوان والقسوة والأثرة ، وانقاذ الصغار والأنس والحنان ثم تبادل الزوجان نظرات عدوانية قلقة خجلة . وتقدم الأب من صغاره ، فحالت الأم دون مبتغاه وتعرضت لعنفه وقوته وقسوته فأصر ، فدفعها فصدت وتدافعت ، ثم أصر فأخذ الصغير الأول فصدت فخذلت ، ثم التهبت فى صدرها نار الأمومة فحمت بقية الصغار لكن الوالد أتم التهام الاول فجاء دور الثاني ، فتسرب اليأس الى قلب الام ، فأخذت بين أسنانها آخر الارانب لتنحو به ، فلحق بها الزوج عند مدخل الدهليز وافتك الفريسة . . عند ذلك خرجت الأم من الدهليز وأخذت تعدو فى صحن الدار . .

وفي ذلك اليوم رأى الاطفال فى الأنهج أرنبا بيضاء تسير بخطى وئيدة تريد القفار ، تلاحقها صور أرانب تفترس ورأس منشق ، وأرض منشقه ، وبندقية معلقة وطفل قتيل

- 4 - طالعتنا الصحف اليومية بنبأ غريب لعبت فيه الصدف والأمومة والقسوة ادوارا متكاملة : ليلة حمراء أثمرت تحفة جميلة وجب ايداعها بمكان ما فى انتظار ارضاء الشرع والناس والأهل والخلان والسلطان . وقد اتفق العاشقان لوالدان على الاطمئنان عليها فى بعض المؤسسات الاجتماعية . فأخذ الوالد

- ابنته بين أحضانه وسار بها فى الصباح الباكر . لكنه توقف برهة يتأمل المصير : لم كل هذا الازعاج ؟ فى امكانه أن يصنع ثانية فى ليلة حمراء اخرى يباركها الشرع والناس . فليدعها اذن فى حطام هذه السيارة الملقاة بعيدا عن الطريق . واطمأن عليها بين الحديد واطمأنت أمها عليها في دار الرضيع . . .

وفي صباح ذلك اليوم سمع الصغار صياحا رقيقا متعبا فى السيارة التى تعودوا نهب بقاياها والعبث بها . فتنادوا وتأملوا واكتشفوا طفلة تتشبث بالحياة وتمد اليهم يدين صغيرتين . . فعطفوا عليها وأخذوها برفق الى بعض ديارهم . فأنعشها الحليب والدفء والعطف ، وعادت اليها الحياة . ثم سلمت الى أولى الأمر ووصلت الى المكان الذي أرادته لها والدتها . .

ثم سوى الوضع فأرضى الشرع والأهل فطلبت الأم ابنتها . فتحرج الوالد وتنصل وتحير وغاب عنه الجواب ، ثم ماطل وراوغ ووعد وأوعد ، والأم مصرة ملحة يدفعها الحنان والحنين الى الاصرار والالحاح ثم الى رفع أمرها الى العدالة . . . وبعد البحث والتنقيب بين الملفات تبين أن الطفلة التى أودعت فى يوم من أيام شهر ماى من السنة الماضية قد أسند اليها اسم " عائدة " . . الى أمها .

- 5 - " اشتعلت النار ، ذات يوم في منزل ، وكانت فيه قطة ترضع صغارها . فلما رأت اللهيب يدنو من مكانها ، نهضت تنقذ أولادها من الهلاك . فأخذت أحدها بأسنانها ، وخرجت به خلال الدخان واللهيب ، الى مكان أمين فى حديقة المنزل .

ثم عادت الى الثاني مسرعة وفعلت كما فعلت أول مرة ، مخاطرة بحياتها وسط النار المشتعلة .

ثم عادت لتنقذ الباقي ، فدخلت ولكنها ما خرجت اذ التهمتها النار التهاما فمات تلك الام المسكينة شهيدة الحنان على أولادها " ) 1 (

- 6 - عرفت بباريس رجلا كان زينة المجالس ، غاب عنا أشهرا فسألنا عنه الرفاق فتنهدوا وقالوا : " التهمته النار " .

اندلع الحريق يوما فى بيته وقد علم أن ولديه يلعبان فى بعض غرفه فرأى اللهبب يقترب منهما وهاله الصياح والهلع وشبح الموت والعذاب ، فشق النار بكامل جسمه يريد إنقاذ الطفلين لكن اللهيب والموت سبقاه اليهما . .

وفي ذلك اليوم بكى رجال المطاف لرؤية جثة محترقة تحتضن جثتين مشتعلتين

ومنذ ذلك اليوم صارت الام تحدث كل من عرف ابنيها وزوجها بحديث النار ، ثم صارت تحدث حتى من لم يعرفهم ، ثم صارت تحدث نفسها عنهم بصوت عال . . . فقال الناس : " جنت " وقال آخرون " بل أصابتها لوثة " وقال جيرانها : " انها فى كل صباح تعد الفطور لأربعة أشخاص وتتناول شيئا من الحليب ثم تشيع " زوجها " الى الباب بقبلة وتحية ثم تعود ثانية إلى الباب لتوصى " طفليها " بالانتباه فى طريق المدرسة والحذر من السيارات ، ثم سمعها الجيران في منتصف النهار تعد الصحون والملاعق والشوكات وتلوم الصغيرين على تأخرهما وتعاقب الزوج على انغماسه فى العمل وتفضيلة تناول فطور الغداء فى مكتبه وتجد له أعذارا . . . "

وقال الجيران : " ان ذلك الامر تكرر أياما وأسابيع ، وفي كل يوم تزداد الحركة فى المنزل . وقال من زارها انه رآها فى غرفة الاطفال تخرج ثياب الصغيرين وتشمها وتقبل صورتهما ولا تبكى . ثم لم يعد الجيران يسمعون صوتا ولا حركة فى المنزل : فقد دخلت الزوجة الام فى هدوء غريب منذ أيام وعندما يزورونها يجدونها جالسة فى بعض الغرف ساكنة صامتة ، وقد لبست ثوب عرسها الأبيض الطويل ، فيحاولون تسليتها فلا تلتفت اليهم

وفي بعض الليالي ضج الحي بأكمله : فقد رأوا الدخان متصاعدا من ذلك المنزل الساكن ، فدعوا رجال المطافئ فامتلأت الانهج المجاورة بهم . وما هى الا برهة حتى أخرجوا جثة امرأة محترقة .

هل أتاك حديث العاقر التى رزقت ابنا بعد انتظار دام سنوات ، فضمته الى صدرها من شدة الفرحة والحنان والمحبة فقتلته . . . ثم التحقت به ؟

- 8 - " كان ذلك فى عشية يوم من أواخر سبتمبر الماضى بأحد أرياف القيروان . . . عندما كان أهل العريس في طريقهم الى دار العروسة محملين بالهدية التقليدية التى سيقدمونها اليها بمناسبة قرب موعد حفل الزفاف ، اعترض سبيلهم " فرج " عم العروسة وأمرهم بأن يحولوا اتجاه سيرهم فى غير الممر الذى يشق أرضه الخاصة . . فسمع بذلك فى الحين أخوه " زروق " والد العروسة الذى كان يستعد لاستقبال زائريه فى غمرة زغردة نسوة الحى وذهب اليه ليلومه على هذا التصرف غير اللائق الذي يمس بكرامة أصهاره الجدد ويلحق ضررا معنويا بسمعة عائلته . وكانت المشادة الكلامية بين الأخوين حامية ، فيها التهديد بالضرب ، وفيها الشتم والسب . وكادت هذه المشادة تأخذ أبعادا كبيرة وتؤدى الى اصطدام بدني عنيف لولا تدخل بعض الحاضرين الذين توصلوا الى حسم الموقف

وفي تلك الأثناء وصلت الى المكان " ربح " أم العروسة لتزيد الطين بلة . وكانت تحمل فى أحضانها طفلها الرضيع . . فدخلت مباشرة فى مشادة أخرى مع " فرج " ويبدو أن الانفعال كان استبد بها وأفقدها شيئا من  وعيها . وهو ما دفعها الى أن تقذف من بين يديها ابنها الرضيع على بعد أمتار طويلة أمام أنظار الناس كأنها حسبته حجارة تريد أن تضرب بها " فرج ولم يكفها ذلك ، بل أخذت ابنها من على الأرض ، وقذفت به ثانية فى وجه " فرج " ( 1 ) . .

- 9 يتعايش فى الضيعة الانس والبقر والطير والغنم تعايشا أمينا : كل ينمو ويتناسل بفضل الماء والنبت والهواء ، وكل يسعى للبقاء بما أوتى من غرائز

غالبه . وقد يأنس الاطفال بصغار الحيوان ، فيلاطفونها ويقدمون لها المأكل والمشرب . الا أن هذا الطفل اليافع قد ولد أصم أبكم ، وهو مع ذلك يشارك الصبيان أنسهم بالحيوان

وقد اقترب هذا الصباح من عجل صغير مثله يلاطف جلده ويمسك بذيله فانتبهت أم الطفل الى خطورة الموقف فأسرعت لابعاد ابنها عن الحيوان

وفى هذه اللحظة انتبهت البقرة الأم الى وجود دخيلين قرب صغيرها ، فظنت به خطرا ، فأسرعت لانقاذه وهاجمت أم الصبى وصدمتها .

ومنذ ذلك اليوم لم يعد الانس والبقر والطير والغنم يتعايش تعايشا أمينا

- 10 - وهام الوجد بسلطان الأمومة

اشترك في نشرتنا البريدية