الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

انا والراعى

Share

يجاران

فى تمام الساعة العاشرة عصرا من يوم الاربعاء الموافق ٣٨٣/١٢/٢٤ دعيت لحفلة شاى اقامها الاخ الاديب احمد ابراهيم شتيفى مأمور مالية الخوبة تكريما لصديقه ) أحمد ( بمناسبة زيارته لمركز الخوبة وكانت الحفلة شيقة وبديعة بالنسبة لمكان اقامتها البعيد . عن كل ما تتطلبه الحفلة من الزينة وغيرها كما هو معروف ، الا ان كرم صاحب الحفلة وبشاشته ولطف اسبغ عليها بهجة ورواء فكانت بحق حفلة جميلة وشيقة أخوية وخصوصية فلم يحضرها الا نفر قليل لم يتجاوز عددهم الخمسة عشر ومنهم المحتفى به والمحتفى نفسه وكان من بين هؤلاء النفر وكيل امير هذه الجهة الاخ الاديب النابه ) سالم المحمد السديري ( ولما كانت الحفلة كما قلت اخوية خصوصية فبعد أن انتهينا من شرب الشاي اللذيذ والقهوة واستنشاق بخور العودة الذي كان يدار علينا بانتظام وكان دخانه يتصاعد للسماء بعد ان انتهينا من كل ذلك اخذنا مجالسنا للاستراحة وبدانا فى التحدث فى شتى الموضوعات الاصلاحية العمرانية والصناعية والعلمية الى ان استقر بنا الحديث على الادب والوانه ، والشعر وفنونه فجلنا فيه جولات لا بأس بها وقد ننافلنا فيها قطعا من الشعر لمختلفى الشعراء القدامى والمعاصرين مناسبة للمقام .

وكان حينذاك جالسا على مقربة منا " فتي بدوى يلبس ثيابا رثة ، وكان يستمع الينا بكل انتباهه وكنت ارقبه وهو بين لحظة واخرى يقوم بنقل مجلسه من مكان الى مكان متجها نحونا إلى ان استقر به المجلس بيننا فجلس يستمع لحديثنا بشوق وتلهف فكان

كلما سمع أية قطعة شعرية يلقيها احدنا هز رأسه وقطب حاجبيه وابتسم كأنما خيل له ان الموضوع يخصه او ان تلك القطعة الشعرية قيلت فيه فهى الآن تلقي بين يديه . وكنا جميعا نرقب منه هذه الإشارات ونتعجب لها ولكننا - فى الواقع - كنا لا نظن انه يدري او يفهم ما نقول وما هذه الاشارات التى نلاحظها منه الا اعجاب

منه بالجلسة الهادئة . ولكن الواقع اكد لنا خلاف ما كنا نظن خاصة حينما قاطعنا بقوله لى بعد أن دعاني باسمى الكامل كانما له سابق معرفة بي :

ما رأيك في الشعر الحديث وهل تؤمن به كشعر عربي صحيح أم لا ؟

فقلت في استغراب واستهزاء : وهل في الشعر يا هذا حديث ؟ فقال فى ابتسامة لطيفة : نعم يا اخي فى الشعر حديث وقديم ! فقلت : كيف استطعت ان تعرف ان فى الشعر قديما وحديثا ؟ فقال : استطعت ان اعرف ذلك من المطالعة . فقلت : اذن فما بلغت حد معرفتك للشعر القديم والحديث ؟ فقال : اما الشعر الحديث الذي اعنيه فهو ما يطلقون عليه اسم الشعر الحر ، والشعر القديم هو طبعا الشعر العربي المعروف ذو الوزن والقافية ولقد قرأت لكثير من الشعراء القدامى امثال امرئ القيس وعمرو بن كلثوم والنابغة الذبياني والجعدى والفرزدق وجرير وابى تمام والبحترى و ابي العتاهية والمتنبي وغيرهم ، ولكثير من الشعراء المعاصرين ايضا امثال شوقي وحافظ : براهيم وطاهر زمخشرى وشحاتة والغزاوى والسنوسي والعقيلي وغيرهم ، والكثير من الشعراء

المعاصرين كما يقال عنهم واقصد رائدي هذا الشعر الحديث كما يسمونه امثال نزار قبانى صاحب كتيب النار والزيتون ونازك الملائكة وغيرهم كثيرون لا اذكر اسماءهم الآن . وهذا حد معرفتى للشعر قديمه وحديثه . . زد على ذلك انني احفظ الكثير من اشعار هؤلاء الشعراء الذين ذكرتهم لك فى مديح وهجاء ووصف وغزل فقلت  : " فى اعجاب واكبار لهذا الفتى البدوى الرث الثياب وبعد أن كان صغيرا فى نظري فاذا به يصبح كبيرا . .

قلت له : يا هذا قبل أن نجول في موضوع سؤالك اود ان تفهمني كيف استطعت ان تعرف كل هذا وانت رجل بدوى وفي بلد بعيد عن التعليم ومن قوم لا يعرفون العلم ولا يقدرونه ؟ قال : عرفت ذلك يا أخي من طريقة التعليم ومتى كانت المعرفة ياتري مقصورة على اهل الحضارة دون البادية فنحن إذا ما امعنا النظر والمطالعة . نجد ان البادية صاروا الآن أصحاب معرفة وعلم . . وبالمنسبة الم يكن هؤلاء الشعراء القدامى الذين ذكرتهم لك من اهل البادية اصلا ومسكنا وهم من هم فى المعرفة وعلو الشأن فالمعرفة يااخي لا تتحصل الا من التعليم سواء فى البادية او فى المدينة فأهل المدينة لو لا التعليم ما عرفوا شيا وكذلك اهل البادية اليوم يتعلمون وقد سبق ان قيل :

العلم يبني بيوتا لا عماد لها

والجهل يهدم بيت العز والشرف

قلت : على رسلك يا أخي لم يكن بيني وبينك خصام حتى تخاطبني بهذه اللهجسة وبهذا الصوت الجهورى فالمسألة يا أخي مسالة سؤال وجواب لا اقل ولا اكثر فان كان سؤالي هذا قد اغاظك فعفوك عني قال : انا لم اخطيء عليك في كلامي وانت لم تخطئ

على فى سؤالك وما هو الا سؤال وجواب من صديق لصديق " وسكت برهة " ثم ابتسم وقال : والتاريخ ياخي محتفظ بحقوق العرب بدوهم وحضرهم وهو المرجع لنقاشنا هذا

" وهنا على صوت المؤذن لصلاة المغرب " هب الجميع لإداء الفريضة وبعد ان قضينا الصلاة غادر المدعوون المكان والسنتهم تلهج بالشكر والثناء على مقيم الحفلة ازاء حسن مقابلته واتاحته لهم هذه الفرصة السعيدة التى سعدوا فيها بالتعرف على هذا ) البدوى الراعي ( الواعي . .

واتفق ان خرجت معه من مكان الاحتفال . . وفي منتصف الطريق استوقفته وكان يحمل عصا ضخمة طويلة رأسها معقوف وقد رأيت في وسطها قطعة من المعدن كمثل الخاتم فى الاصبع منقوشة بأحرف لم استطع معرفتها فى تلك اللحظة وكانت على رأسه عمامة سوداء قديمة وعلى بطنه سكين سوداء المقبض وكان حافي القدمين ، وكان لايزال في ريعان شبابه وقد لا يتجاوز الخمسة والعشرين ربيعا من عمره : فشددت على يده بحرارة وقلت له : الحقيقة اننى معجب بك يا أخي واقدر فيك هذه الروح العالية واتمنى لك التوفيق واننى لأرجو ان تكون هذه الفرصة سعيدة لتوطيد الصداقة بيننا ان شاء الله ! فقال : الحقيقة اننى انا ايضا معجب بك كثيرا واننى ابارك فيك هذا الشعور الطيب وكم انا سعيد كما علم الله بهذه الفرصة السعيدة التى اتاحت لى التعرف بك خاصة : ) وكل امرئ يهوى الى من يشاكلنه

فشكرت ، وطلبت اليه ان يزورني في داري متى سنحت له الفرصة الملائمة ، فلربما نتمكن بذلك من ان نكمل حلقات مذاكرتنا .

فأجاب : انه لشرف لى عظيم ان ازورك واتمتع بحسن حديثك ولكن ارجو المعذرة لأن وقت ضيق ولا يسمح لي بالبقاء بعد الآن لحظة واحدة فأخي الاكبرالآن ينتظرني على احر من الجمر فقد كنت خرجت من عنده ) بغنمي ( فى ساعة مبكرة والآن ادبر النهار وعاد الغنم من المرعى ، وانا ما زلت هنا .

وهنا سالته : هل انت حقيقة راعي غنم يا أخي ؟ فقال : نعم . . فقلت : هل كان والدك اميا ام متعلما ؟ قال : كان والدى متعلما وكان فى زمانه قد فتح كتابا للتعليم مجانا وكانت حالته المالية لا بأس بها وكنت انا واخي الاكبر نتعلم على يديه مبادئ القراءة والكتابة وقد توفى رحمه الله وجزاه عنا خيرا قبل عشرة اعوام وكان رحمه الله يملك مكتبة لا بأس بها وقد انكببت على مطالعة كتبها بنهم وشغف فحفظت منها ما حفظت وفهمت ما فهمت

واغلب تلك الكتب شعرية للشعراء القدامى ثم اننى واصلت مطالعتي في كل كتاب اعثر عليه . وانا الآن ايضا املك مكتبة لا بأس بها تحتوى الكتب الشعرية والنشرية من قديم وحديث . وهنا ودعني صاحبي البدوى الراعي بأجمل عبارات التوديع بعد ان وعدنى بالمقابلة مرة ثانية ، وقد ودعته بمثل ما ودعنى وانا اردد قول الشاعرين العربيين :

ليس الجمال بأثواب تزيننا

ان الجمال معادن

ليس الجمال بمئزر

فأعلم وان رديت بردا

ان الجمال معادن

ومناقب اورثن مجدا

وها انا الآن استودعك الله يا قارئي العزيز والي مقابلة اخرى مع صديقى البدوى " الراعي " الواعي . .

اشترك في نشرتنا البريدية