الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

انا والماضى ، "الماضي هو انت . وانكار الذات خيانة"

Share

يتمنى بعضنا أحيانا لو يعرى من ماضيه ، لو ينعتق من سلطانه الجائر وجاذبيته النحس فاذا هذا الماضى كجلد الحية البالى ، شىء غريب عنه تافه سخيف . . واذا هو انسان جديد . انه حر . حر . وجهته الحاضر الواسع المديد الذي لا ينتهى يستغرق فى اللحظة يستوعبها ويحتويها ثم يخرج منها ويخلص أملس عاريا لا له ولا عليه أبدا جديد جديد !

ينكح اللحظة ويغتض الزمن قد اختار لنفسه الوصال المطلق على أسر القران .  كأنما مفاتن الحياة وجوه صديقة لاحصر لها ولاعد فلا بد من بسمة لهذا وقبلة  لذاك . لكل عليه حق والوقت عجول لا يرحم والاستقرار فى عرفه ظلم وغبن .  وهكذا ينثر نفسه هنا وهناك بلا حساب يتشتت ويتبدد ويبقى مع ذلك واحدا  لا يتغير .

تصور ماذا كنت تكون ! أى انسان . . . لولا الموانع والعراقيل ، لولا التدخلات والقال والقيل ، لولا الخيبات والنكسات والهزائم النكراء السخيفة  لا معنى لها تسلط عليك هكذا عرضا ، تمرسا من القدر وعبثا . .

لقد انفسخ ذلك الروح الطاغي ذلك الاب الرب الذى اغتصب نفسك تسعة عشر عاما وكاد يفترسها افتراسا . يملى عليك ينفث فيك تعاليمه أوامره  ونواهيه المقدسة : افعل هذا . لا تفعل كذا . اياك والناس . لا تطمئن الى أحد هذا الذي تراه يحتسى قهوة فى دكانى أحاوره وأضاحكه حذار أن تكلمه اذا  اعترضك في الطريق ولو خاطبك وابتسم اليك . ما هذا ؟ ! أما أوصيتك أن  تخرج وحدك من المعهد فلا أصحاب ولارفاء بعد الدرس !

وتلك المصيبة التى لا تتساها مدى العمر كله . جمع من الاخوة والاخوات كلهم فى غرفة واحدة ولا مكان تلوذ به فى بيتك تأنس فيه الى وحدتك وتلتقى فيه بذاتك الصغيرة الناشئة .

لامكان . . . الضوضاء . . والتحكك المتصل والاختلاط وما يورثه من غثيان . . .

لا مكان . . فى بيتك . . الاختناق لولا رحمة المكتبة العمومية وعالم " دستيفسكى " الرحب الفسيح وخضمه اللانهائى يغمرك يطهرك بلججه الطامية ٠٠٠

وسفرتك الاولى بالخارج . ستة أشهر كاملة لا تحمل الا بنطلونا واحدا التصق بمؤخرك حتى كاد يتهرأ وانت فى " مدينة النور " فى زهرة الشباب وحولك الرفاق يوسع عليهم فى النفقة وتفسح لهم أبواب الدرس واللذة وكأنك المتفرج الدخيل والمتطفل الثقيل . . . كان بعض عيشك على الصدقة . . . الحلال منها والحرام (1) ... ودروس الفرنسية الخاصة تلقيها على المترفين من المشارقة تشم فيهم رائحة الامراء والباشوات ولست الا تنظر ثم  ننظر وتفرح للفرنكات القليلة تدرها عليك الدروس الفارغة الثقيلة لا جدوى فيها ولا ايمان .

يوم لا ينسى انطبع فى لحم ذاكرتك فى كيانك كله كأنه ضربة الميسم الحامي قد افتقدت فيه ثمن تذكرة الحافلة لكى تعود من الجامعة الى غرفتك  البعيدة المنعزلة . . . حتى ثمن ركوب الحافلة !

وسرعان ما رجعت بعد هذه السنة الاولى لتحل محل الاب الذى مات منذ أعوام . لكى تعود الى الام والاخوة تعولهم . . . ثم هاك قد تصدرت بعلارصينا  وقد اندرجت فى سلك التدريس . . وأنجبت الابناء وأصبحت بعد حين  طعما سائغا للكل . . للكل . . للزوجة النهوم والاطفال الاغبياء وآلاف التلاميذ  يتداولونك أكثر من عشرين عاما ينهبون حريتك يأكلون من لحمك ودمك حتى الانهاك . . حتى الانهيار . . حتى الرمق الاخير .

تصور ماذا كنت تكون ! تصور ! أى ذخائر هائلة من الطاقة المهملة ، من قوى الامكان المغمورة البكر ! لقد ماتت قبل أن تولد .

وهيهات البكاء والحنين ! ولا يجدى الرثاء ولا الانين ! وداعا أيها المستقبل الماضى الجميل !

حملتك جنينا شاذا ، مسخا أشوه رائعا فى أحشائى سنين وسنين .. ثم تقيأتك يوما .

ها أنا الآن طليق . شراعا مطلقا عبر البحار . سفينة ولا مرساة . ولا وجهة ولا ميناء .

أعبد ذاتى واسبح لها توحيدا . أنا القاهر أنا الجبار . أنا القادر أنا الفعال .

ما من شئ يعترض مشيئتى . لقد لانت الحواجز وذابت الحدود . وانى لاستطيع أن أخلق نفسى أى خلقة أشاء فى كل ساعة . وان ابدل تبديلا من  أم راسى الى اخمصى فى كل لحظة فى كل ثانية .

أنا الساحر العظيم . أنا المارد . أنا الله .

أتكون هذه الحرية الحق أم هي وهم باطل ، قناع لعبودية أخرى ؟ ! كلا ! بل ان الحياة لهى كالمعزوفة تتجلى لك حاضرا متجددا ، تموت وتحيافى كل حين ولكنها فى الحقيقة ذرات متراصة قطرات متلاحمة . مطلق الانسجام  وتمام الانتظام .

انها معجزة الفن والموسيقى خاصة أن تنصهر أبعاد الزمن الثلاثة فاذا هي كل مركز ، وحدة شديدة الاسر لا معنى لها ولا روعة الا تتلازم عناصرها وتآلفها .

ذاك معنى الحياة الاسمى . تحالف المطلق والمحدود . ن تنبجس الحرية من الجبر والضرورة . . من قلب الهندسة والنظام فينتفي العبث والعدم

اشترك في نشرتنا البريدية