* أستاذنا رجل حزين * أستاذنا فيلسوف قلق حائر
كانت قاعة الأساتذة متكاثفة الدخان ، فعلى الساعة العاشرة من كل يوم ندخن السفاير وتلقى فضلاتها فى سلة المهملات الملقاة عند الباب . وكان يحلو له أن يقف متكئا على حافة المشرب ويدخن سيفارة أو بعضها . دقائق قليلات قبل أن يدق الجرس كافية لكى ينسى نفسه والدرس والكلمات التى يرددها فى كل حصة ترديدا آليا .
وكان يرى من خلال الدخان المتصاعد كثيفا زملاء جمعته بهم المهنة . فيشعر بوحشة غريبة تكتنفه اكتنافا . وكان يرى السيدة ف جالسة فى مكانها العادى على مقعد قرب النافذة تقلب صفحات مجلة فرنسية وتدخن احدى السفاير الفرنسية الصنع .
لم يسبق أن دار بينهما حديث سوى كلمات مجانية كانا يتبادلانها عندما يلتقيان عند الباب .
عند الساعة العاشرة يشعر أن قاعة الاساتذة أصبحت خانقة مؤلمة بالرغم من أن الفصل شتاء وجانفى يكتسح القاعة والمدرسة جميعا وهو فى حاجة ملحة للدفء حتى يعود النشاط اليه من جديد ويقف أمام التلاميذ مرددا عبارات قالها منذ سنتين - لم يقل هذا أستاذ السنة الماضية . - الأرض لا تدور ، ماركس كلب ، هكذا قال أستاذ السنة الماضية .
وكم كان يود أن يستقيم الزمان فيظل كل شئ أمامه حاضرا باقيا ويضمحل كل خيال يغريه بزمن مضي وذكريات آفلة ملحة عنيدة
كانت السيد ف سيدة حسناء لكنها لا تفارق مقعدها عند النافذة كلما دخلت القاعة ولا تفارقها سيفارة وصحيفة فرنسيتان وعندما يدق الجرس تلقي بأعقاب السيفارة فى سلة المهملات وتضع الصحيفة فى محفظتها وتغادر القاعة دون أن تلتفت الى أحد . يقول عنها التلاميذ انها سيدة حسناء ، قليلة الكلام ، تحب العمل والتلاميذ .
قالت لهم مرة : اننى أحبكم لأنكم تونسيون. ويعجب التلاميذ من أمر هذه المتعاقدة ، هذه السيدة المتعاقدة الحسناء. - أستاذنا رجل حزين . تقولها انتظار أيضا كلما فتحت كراس الفلسفة فى انتظار أستاذنا الحزين . وكلما خلت الى نفسها تحاول أن توجد صلة بين استاذها والسيدة ف ولكنها فى كل مرة تفزع الفزع كله وتتغلب على هواجسها وتكتم انفعالاتها ، فلأن أستاذها كان رجلا حزينا ، كثير الخجل ، قليل الكلام كانت تفزع ، وكانت تفزع عندما تتيقن انه فى بعض ساعات الدرس يفقد حيويته فيلوك بعض الكلمات كأنه لا يفقه معناها . وتعجب كل العجب عندما تخاطب زميلاتها فى شأنه لانها الوحيدة التى تفطن الى بعض حالات أستاذها وبعض جنونياته .
وكانت تود أن تخلو اليه يوما لتقول له : إنني وحدى التى أفهمك وأدرك ما تقول رغم أننى لست ذكية ولا فيلسوفة .
ويدخل الفصل وقد حل شيئا من ربطة عنقه ويبدأ فى حديثه اليهم ، ويراها جالسة اليه على المقعد الأمامى ، فيواصل حديثه بانتظام مجيبا وسائلا و ساكنة هادئة تتمنى أن تطول الحصة وتنسى السيدة ف .
ويدق الجرس فيلم أشياءه متثاقلا متثائبا ثم يخرج فتعلو شفتيه ابتسامة مريرة عندما تحييه السيدة ف بلهجتها الباريزية الفصيحة وهى تدخل الفصل لتعوضه أمام التلامذة.
يقف التلاميذ وتقف انتظار وقد اجتاحتها موجة غضب وحنق لكنها تجلس فى فتور تسائل نفسها : - ماذا عساه يصنع لو كانت السيدة ف مكانى ؟
وتتعمد أن تدخل الفصل متأخرة فتفتح الباب فى رفق لأنها تخشى نظرات زملائها وتعليقاتهم ، وتدخل وتتقدم بخطى ثقيلة ، كان الفصل ساكنا منصتا هادئا إلا نظرات صاخبة كانت تمزقها ، وترى مقعدها الامامي خاليا فتشعر أنه لها ويظل لها دائما . وتتقدم الى مكتب الاستاذ . - مأساة الانسان فى أنه كان طفلا . هكذا قال نيتشة . آنستى لقد ابتدأ الدرس منذ دقائق أرجوك أن تتركى الفصل .
نعم لقد كان هو الآخر طفلا ، إنني أرى طفولته على وجهه الاسمر الحزين ، لو كنت السيدة ف ماذا عساه يصنع ؟
وتجر قدميها فى الممر الطويل الذي يؤدى بها أمام قاعة الاساتذة وتشاهد السيدة ف جالسة على مقعدها المعتاد أمام المشرب بجوار النافذة تحتسى قهوتها العادية وتقلب صفحات مجلة فرنسية ، وترتاح قليلا لانها تعلم أن السيدة ف لم تلق بتحيتها الصباحية اليه بعد ولم تبتسم أيضا .
ثم تظل فى انتظاره ساعة وتقبل عليه متحدية غضبى لتقتل الطفل فى أعماقه فيزهر هذا الوجه الأسمر الحزين ، وتقول له :
- سيدى لماذا أطردتني ؟ - أو لست تلميذة ؟ - ولكن . . وتبكى ، كان الاستاذ قد دخل قاعة الاساتذة عندما طواها الممر الطويل لكي يلقى بها فى الشارع الفسيح خارج المدرسة . . . واتكأ على على المشرب يحتسي قهوة سوداء ، ولما ابتسمت اليه السيدة ف أخرج علبة سفائر ودخن طويلا ، ثم ابتسم وألقى بقية سيفارة فى سللة المهملات وانصرف .
وظل المقعد الأمامي في الفصل خاليا أسبوعا كاملا . قال التلاميذ : أستاذنا رجل حزين ، وقال التلاميذ : أستاذنا فيلسوف قلق حائر ، وقالت له السيدة ف :
- منذ أشهر عديدة فكرت جادة أن أخاطبك لأن القاعة ذات الدخان الكثيف موحشة وأنت تملأ وحشتى . ابتسم قليلا : - ولماذا أنا بالذات ؟ - لست أدرى ، لعله الصمت والقهوة السوداء والسيفارة الطويلة ! وعلما أنهما يحملان معا عبئا ثقيلا : هو التخلص من المعتاد والتافه والمعهود .
صارحته يوما : - لكم كنت أرغب فى القدوم اليكم . لكنني كرهت نفسي وقومي عندما علمت أن لا تعاون بدون استغلال ، انني قد أذنبت في حقكم. ابتسم يوما طويلا ونشط أسبوعا كاملا ونذر اليها نفسه . قال التلاميذ : لم يعد استاذنا يعرف الاحزان. وتعود انتظار الى الجلوس على مقعدها الامامي وقد أطردت كل خيالاتها، وتعمد الى أن تسأل أستاذها :
- هل يعيش الانسان حقيقة لغيره ؟ - الانسان كائن اجتماعى لا يعيش لنفسه إلا متى عاش لغيره. - ولكن متى يعيش الانسان لغيره ؟ - عندما يجد فى غيره ما يجد فى نفسه. ويدق الجرس حادا ، فيقطع الحوار لأن الاستاذ يحلو له أن يدخل القاعة الفسيحة فيدخن سيفارته العادية . ولما جلست السيد ف على مقعدها المعتاد تدخن سيفارتها الفرنسية قال لها فى هدوء : - لنغير هذا المكان ونحطم طاحونة الشئ المعتاد . وأشرفا معا من النافذة على الساحة الفسيحة حيث انتظار والتلاميذ فى انتظار دقات الجرس.
قالت السيدة ف : - انها تلميذة مصرة عنيدة. قال لها : - انها تلميذة تعانى مأساة الاجتماع البشرى. وقالت انتظار لما رأتهما الآثنين أمام النافذة : - فهمت الآن لماذا قالت : " أحبكم لأنكم تونسيون ".

