" يا ساذجة ! يا صغيرة ! من قال لك أننى أتحداك أن تحبي أوراقي وهواجس ولعناتى ؟ أنا ؟ لا ! أختك الكبيرة ؟ لا ! أمك المشاكسة ؛ لا ! إذن أنت ؟ لا ايضا ! ولكنني أريد أن أضيف : غدا ، سأسافر ، ولن أعود إلى : غدا ، سأسافر ، ولن أعود إلى ! "مدينتى ..الاومعى مصير اخر
مددت يدى للكهل الواقف بجانب بوابة المحطة ، فالتقط منها تذكرة السفر . .
السماء رمادية ، والشوارع مبتلة ، وأنا مثقل بحقيتى السوداء أبحث عن تاكسي عابر . .
- إلى نزل مدام فلانتينو ، وبسرعة أيضا . - ألست بخير أخ ؟ بخير - الشوارع مزدحمة ، ضيقة و . . - ويهمنى ألا أصل متأخرا للنزل !
لكننى وصلت متأخرا ، ولم أجد المدام ، ولا الغرفة التى كنت أنوى حجزه بسرعة
الحقيبة أدمت أصابعي ، وانفى يقطر من بقية زكام حاد ، وبرودة الخريف تحقن وجهى ، وغرف النزل محجوزة ، وصمت الظلام يخدر المدينة ... تعبت ، أتبعني البحث عن غرفة بسيطة فى نزل متواضع ، فجلست ساخطا فى مقهى مشحونة بهياج هواة لعبة الديمنو ، وشربت قهوة رديئة ، وكدت أتشاجر مع الفرسون الأرقش
بعدالثامنة ، وقفت أمام كونتوار حارس مفاتيح غرف نزل قديم . - ثمن الليلة الواحدة لا يتعدى الدينار ، وتستطيع أن تختار ما بناسبك .
- لا شئ يناسبني ، وإن اضطررت لدفع الدينار ! أعطاني المفتاح ، وصعدت للغرفة التى كنت أتوقع أن أجدها ضيقة ، رطبة ، ونتنة . .
" يا أختها الكبيرة ! يا مسكينة ! أليس مضحكا أن اعترف لك بحبى بماضى ، بحاضرى ، بأفدح ما أملك : طموحى الحقيقى ؟ ! وأختك الصغيرة . . من أسكتها ، أخجلها وأوهبها ؟ شقيقها الخياط ، زوج أختى ؟ أختها البائعة صديقتي السابقة ؟ أعرف أنك ستقولين لى دائما : الا ! ولكن عناوين قصص القدوس والسباعي ، قد أفسدتك يا كبيرة ، ولطخت مناديلك الملونة يا مسكينة ! سأبقى هنا ، ولن أراك قبل أن يتصدع إخلاصى "
رطوبة النزل أنعشت سعالى ، وروائح المطاعم لوثت شهيتى ، وتأرجحى بين شواش الشركات خرب واجهة حذائى ، وإمعانى فى التدخين انقص ما. تبقى من ضحالة دنانيرى . .
- السيد الرئيس المدير العام . موجود ؟ - فى اجتماع خاص وابتعد عنى الشاوش العابس نزلت للطابق الثاني - السيد المدير العام . . موجود ؟ - فى مكتب حضرة الرئيس المدير العام وجلس الشاوش البدين يثرثر مع زميله الضاحك نزلت للطابق الاول - السيد نائب المدير . . موجود ؟
- فى مهمة رسمية وتركنى بنفور ليوصل فناجين الشاى الى بعض الموظفين خرجت للشوارع أبحث عن تأكسى مطر وضباب . . ومظلات المارة تبدو لى كقباب هوائية معلقة فوق رؤوس عائمة ، وأنا أنفخ وألعن وأهتز
سألتني السكرتيرة الشقراء بعد أن مسحتنى بنظراتها المتكاسلة - موضوعك ؟ - يعرفه سيادة الوزير - شخصيا ؟ - ومعه السيد مدير الديوان أيضا ! - وأرتني أسنانها الملتمعة . . - الوزير مشغول جدا ، كما تعرف - للأسف ، أعرف - ومدير الديوان فى جولة تفقدية - حقا ! - وتستطيع أن تشرفنا بحضورك فى يوم آخر - متى ؟ - لا أعرف . - مثلك أيضا ، لم أعد أعرف ! وبلعت بقية صبرى حين صفعتنى برودة الشوارع .
" من أجلك يا أنجوحا ، تركت مدينتى ، وحبيبتى السابقة ، وبعض أوهامي الأليفة ! من أجلك يا صغيرة ، كرهت أن أتسلى بحنان أمتى ، وبعناد ابى ! من أجلك يا ساذجة ، اخترت أن تحبني أختك الكبيرة ، ولو بالرغم مني ! قلت لى : أختي المسكينة أحق مني بحبك يا كاتب ، يا مجنون ! وأنا المريض بالفدة الشعبية ، لا أستطيع ، ولا أريد إلا أن أحترق ببراءة الصغيرات ! وسأكتب عنك . . عن خرافة البراءة " .
هربت من رطوبة النزل ، وحاولت ان أسعل بلا سفاير . فى شقة صديقى الحالم بأرصفة الحى اللاتينى ، وجدت غرفة مربعة بفراشها وستائرها وكرسيها الأعوج .
-...وثمن الكراء ؟ - أنت تدفعه ؟ ! - لا ! هذا أفضل وبعثرت ثيابى وأوراقى فوق الفراش " - أنت أناني - أنا كاتب ! - أناني - أعرف وافترقنا يا أختها الكبيرة ! يا مسكينة !
فى تلك السهرة العائلية ، راقصت أختك الصغيرة ، وجعلتها تستعذب مداعباتى . قلت لها : - أحبك . - وأختى ؟ - ولكنني أحبك
أغرقت وجهها فى صدرى ، وهمست : - أختى الكبيرة تصر دائما على قراءة رسائلك - مسكينة ! - ولكنها تحبك وأراحت ذقنها فوق عنقى فى تلك الليلة ، خرجت أنجوحا من عامها الثاني عشر ! " .
مكتبه المستطيل يستريح فى أقصى إدارة المجلة التى صمدت وسط طوفان اللامبالاة والقناعة . .
ومن جوف فرن حمام متهالك ، تسللت إلينا رائحة احتراق جاف ، بينما كان بياض شعر منسق السطور الجاهزة للنشر يلمع تحت الضوء الدافئ والرفوف الزجاجية تتألق بالكتب الملونة . .
سألني ، وأصابعه العاجبة تعبث بقلم نحيل : - ماذا قالوا لك - سكتوا كعادتهم - كن متفائلا - أنت ترى أننى هنا ، أمامك ، فى مكتبك ! - فعلا ، ولكنني أنتظر منك المزيد من التفاؤل
أطلت السكرتيرة السمراء بفستانها الشفاف المزركش ، وبعثرت انتباهى فوق صدرها ، وتحت بطنها ، وتحاشت التدحرج فى عينى حين انحنت فوق الرفوف الزجاجية ، تمنيت أن أصفعها .
وكنت أرى أحضانها اللينة تكتض بخليط مزعج من الكتب والمجلات ، كما كنت أرى ابتسامة القامة الجالسة أمامى تهتز بين الاوراق التى أحضرها الشاوش الكهل
وكدت أتنهد حين لسعتني رائحة كولونيا السكرتيرة وهى عائدة الى مكتبها . .
قلت للمنسق الأنيق : - تصور أننى أصبحت أ احترف الانتظار ! - أفهمك - الكتابة ، كالتسول ، جعلوها محنة رسمية ! - وأين ؟ - في العالم الذى حسبوه ثالثا ! - والأهم ، أن نكتب - تماما ، ولكن ، ما أكثر ما نكتب بلا كتابة ! - مرة أخرى ، أفهمك
وقبل أن أعود للشقة على أمل أن تصلنى المائدة التى وعدنى بها أخي المغترب ، أفهمت بياض الشعر المضئ أننى سأحتاج ، فى يوم ما ، الى لمعانه المتألق ٠٠
" دعين أضحك يا ساذجة ! دعينى أصمت يا صغيرة ! دعينى أندم يا انجوحا ! اليوم يستيقظ عنادي الحميم ، ويستنكر عنوانى الجديد هويتى الاولى ! واليوم أيضا ، أختار ، أقرر ، أريد أن أكتب فعلا ، حقا ودائما ، ثم من أنت بدون سطورى وشكوكى واحزاني ؟ تلميذة كسولة ؟ مراهقة حالمة صغيرة مدللة ؟ أعرف أن احساسي بنضجك المبكر قد أنضجك يسرعة ، وأن أفظع ما فى طيبتى المرفوضة ، أننى صنعت منك " لوليتا " تونسية والآن ، لا تققول إننى لا أحبك ، فأنا احبك وأحبك وأحبك . . . " .

