الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

انهيار قلب

Share

لاصابة قلب بصدمة حاسمة لا يحتاج القدر دوما الى اندفاع عنيف وقوة ماحقة. فلا جل نشر الفناء، لمجرد سبب عابر تثور رغبته الجافية المدمرة. ونحن نسمى هذا التماس الاول الهادئ، فى لغتنا الانسانية الصماء، باعثا ونقارن، فى دهشة، قدره الضئيل بهذه القوة الفاعلة فى غير هوادة وباستمرار على الاغلب. الا انه من النادر ان يبدأ مصير انسان قبل ان يعرف الداء وتتضح اسبابه ويصبح واقعا مرئيا. فالقدر يتسلط دائما، فى الروح والدم، على الداخل قبل ان يمس النفس من خارج. ان معرفة النفس في حد ذاتها دفاع عن النفس ولكن عبثا فى اغلب الاحيان.

استيقظ الرجل العجوز - كان اسمه صالمون نصون وفي بلدته كان يعرف باسم مستشار اللجنة السرى - ليلا فى فندق " فون غاردون " حيث رافق عائلته بسبب عيد الفصح، وذلك من جراء الم شديد: لقد شعر كان الواح البرميل الحادة تعصر جسده فى قسوة وكانت انفاسه توشك ان تختنق في صدره المتوتر. فانخلع قلبه لذلك رغم انه كان كثيرا ما يعاني بعض الصفراء. لقد كان المقرر له ان يسافر الى مدينة كارلسباد للمعالجة ولكنه، خلافا لنصيحة الطبيب، اختار الاقامة فى الجنوب من اجل عائلته.

وتلمس جسده العريض فى حذر، وهو خائف من ان يلم به عارض عطر، وذلك - وقد اريح، وسط الالم المستمر - ، لبث فى الحال: ان المعدة فقط تضغطه بشدة، لعل ذلك بسبب الطعام الايطالى غير المعتاد او بسبب تسمم من تلك التسممات التى كثيرا ما تصيب السياح هنا. وسقطت يده وهو يسحب انفاسه، غير ان ذلك الضغط ظل يكتمها فى صدره: وهكذا ترك فراشه على مهل ليقوم ببعض الحركات. وفعلا: فابان الوقوف واكثر من ذلك فى اثناء المشى اصبح الضغط اخف. واذ كانت الغرفة المظلمة صغيرة، فقد خشى ان يوقظ زوجته النائمة فى فراش الممرضة ويقلقها بلا مبرر. لذلك ارتدى معطف النوم وادخل قدميه الحافيتين فى النعل اللبد واتجه نحو الممر فى حذر ليتمشى قليلا ويخفف من حدة عسر التنفس.

وفي اللحظة التى فتح فيها الباب واطل على الممر كانت ساعة الكنيسة ترن عبر النوافذ المفتوحة: فى الاول اربع دقات قوية ثم خفيفة مرتعشة فوق البحيرة: الساعة الرابعة صباحا.

كان الممر الطويل شديد الظلام، غير ان ذكريات النهار الواضحة اتاحت له ان يمضى فيه قدما دون ان يصطدم بالحائط: هكذا كان يخطو، من غير حاجة الى الضوء، من نهاية إلى اخرى، وهو يتنفس بقوة، ويعيد ذلك مرة ومرة. فقد لاحظ، راضيا، ان تلك الكماشة التى كانت تسور صدره قد انحلت تدريجيا. واستعد للرجوع الى غرفته، وقد تخلص تقريبا من الالم بواسطة الحركات المجدية، ولكن شيئا افزعه وجمد خطاه. كان ثمة هسيس، صوت خافت: هميس فى الظلام ينطلق اليه من مكان ما قريب منه. همس رقيق ومع ذلك لا يمكن معرفته. شئ يقرض هيكل البناء. شىء يهمس ويتحرك. وان هى الا لحظة حتى سال من شق الباب المفتوح قطرة ضوء رفيعة ... هتكت استار الظلام العديم الشكل. ما هذا يا ترى؟

والتصق بزاوية بحركة لا شعورية، لم يدفعه اليها فضوله ابدا، وكل ما فى الامر انه امتثل لاحساسه البسيط بالخجل من ان يفاجأ وهو يمارس هذا السلوك الغريب في ساعة متأخرة من الليل. ولكنه، رغم ارادته تقريبا تصور انه رأى، فى تلك اللحظة التى انطلق فيها الضوء الى الممر، امرأة ترتدى ثيابا بيضاء. رآها تخرج من تلك الغرفة وتختفى فى طرف الممر الاخر حقا لقد طقطق مزلاج احد ابواب الممر الاخيرة طقطقة خفيفة ثم ساد الظلا من جديد وهدأت الانفاس.

واخذ يتمايل فجأة كأن صدمة اصابت قلبه فى الصميم. هناك فى اقصى نهاية الممر ... هناك حيث ندت عن ذلك المزلاج حركة خؤونة، هناك كانت ... هناك كانت غرفته هو ... جناحه ذو الغرف الثلاث الذى اجره لعائلته. منذ لحظات ترك زوجته تغط فى نوم عميق. واذا فلا يمكن - لا يستحيل ان تكون واهما - ان يكون هذا القوام الانثوى الذى عاد الآن من مغامراته فى غرفة اجنبية شخصا آخر غير ارنا، ابنته التى لا تكاد تبلغ التاسعة عشرة.

وارتعد جسده كله، فقد استولى عليه الهول وجمد اوصاله. ابنته ارنا، الطفلة، الطفلة الذكية المتعجرفة - لا، هذا غير ممكن، لا بد انه كان واهما - ماذا  كانت تفعل في غرفة اجنبية يا ترى؟ واذا لم تكن ... وحاول ان يبعد الفكر عنه كحيوان متوحش، ولكن شبح القوام الهارب التصق بصدغيه في اباء ولم يعد في وسبعه ان ينتزعه، ان يبعده عنه: انه مقتنع الاقتناع كله. وتلمس جدار الممر، بهور الانفاس، الى ان وصل الى باب غرفتها بجانب غرفته. يا للهول! هنا بالضبط، بالضبط عند هذا الباب، هذا الباب الوحيد، كأن خيط رفيع من الضوء لا يزال ينساب عبر الفجوة ومن ثقب المفتاح ويشكل نقطة بيضاء خؤونة فى الساعة الرابعة صباحا لا يزال الضوء يشتعل في غرفتها! ودليل جديد: الآن فقط طقطق الزر الكهربائى في غرفتها، فسقط الضوء الابيض في الظلام بدون اثر - لا، لا، ان خداع

النفس لا يجدى فى هذا الموضع - ارنا، ابنته هى التى تسللت الآن من فراش اجنبى الى فراشها.

وارتعدت فرائصه من شدة الهول والبرد. وفى نفس اللحظة تفصد العرق من سائر جسده واغرق مسامه. وكان اول احساس خامره هو ان يفتح الباب بالقوة وينهال عليها ضربا بمجامع يديه، هى الماجنة، ولكن قدميه ارتجتا تحت جسده العريض ولم يكد يجد القدرة على العودة الى غرفته وفراشه. وثمة تهاوى بافكاره الصماء فوق الوسادة كحيوان اصابته رصاصة طائشة.

واضطجع فى فراشة بدون حركة، وعيناه المفتوحتان تحدقان فى الظلام. والى جانبه كانت انفاس زوجته تتصاعد فى شبع ورى وهناء. فخطر له ان يوقظها ويخبرها باكتشافه الرهيب، ان يرهق قلبه بالصراخ ليسرى عن نفسه. ولكن انى له ان ينطق بهذا الهول ويصوغه فى كلمات بصوت عال؟ لا، ابدا ... انه لن يدعه يلتمس الطريق الى شفتيه. ولكن ما العمل؟ ما العمل؟ وحاول ان يفكر غير ان افكاره اختلطت في رأسه عمياء كالخفافيش. لقد كان ذلك غريبا جدا: ارنا، الطفلة اللطيفة المتأدبة بعينيها المتصلقتين ... متى، متى كان يجدها منكبة على الكتاب واناملها الوردية الصغيرة ترسم الحروف فى جهد؟... متى كان يقودها من المدرسة الى الحلواني، وهي ترتدى ثوبها الازرق الشاحب؛ متى احس قبلة الاطفال من فمها المحلى؟ الم يكن ذلك امس؟ لا، ان ذلك كان قبل سنوات ... ولكن امس، اجل امس فقط ، كانت تتوسل اليه، فى صبيانية طاغية، ان يشترى لها لباس السباحة الازرق الذهبى الذى كان يتقدم الواجهة بشتى الوانه الزاهية .. ابى ارجوك، ارجوك!.. - تتوسل اليه بيدين متشابكتين وفي ضحك ومرح لم يكن يستطيع مقاومتهما ... وها هى الآن، الآن تتسلل، على بعد عشرة اصابع من بابه، ليلا الى فراش رجل غريب وتتدحرج هناك شبقة عارية ...

وتنهد لا اراديا ... يا الهى! يا الهى! يا للعار! يا للفضيحة!.. ابنتى اللطيفة المصونة مع رجل ما!... مع من؟ من يكون يا ترى؟ نحن هنا فى " غاردون " منذ ثلاثة ايام فقط. وهي لم تعرف احدا من هؤلاء المختالين المتبرجين قبل اليوم. لم تعرف الكونت او بالدى ذا الرأس الصغير ولا الضابط الايطالى. ولا عرفت هذا الفارس الميكلنيورغي .. لقد تعارفوا في اليوم الثاني فقط وذلك فى المرقص. ايكون احد منهم قد ...؟ لا، لا يمكن ان يكون هذا هو الاول، لا ... لا بد ان ذلك كان قد بدأ سابقا ... في البيت ... وانا لا اعلم شيئا، لا احزر شيئا، انا المجنون، انا المجنون الضريب ... ولكن ماذا اعرف عن زوجتى وابنتى على الاطلاق؟ لقد كنت اشتغل من اجلهما نهار يومى، اجلس فى مكتبى اربعة عشرة ساعة تمام مثلما كنت افعل سابقا بالحقائب النموذجية في المحطة ... فقط لاجلب لهما

الفلوس، الفلوس لكى تثريا وتكون لهما ثياب جميلة. وعند ما كنت اعود مساء الى الست تعا منهوكا، اجدهما قد خرجتا: في المسرح، فى حفلات الرقص وفي السهرات ... فماذا اعرف عنهما اذا وماذا كانتا تفعلان اليوم كله؟... والآن لا اعرف الا ان ابنتى تذهب ليلا الى الرجال وتقدم لهم جسدها الطاهر الغض كواحدة من الشارع. آه يا للعار!..

وظل الرجل العجوز يواصل تنهداته، وكانت كل فكرة جديدة تزيد الجرح تمزقا لقد خيل اليه ان مخه دام مفتوح تنخر فيه ديدان حمر. " ولكن لماذا صبرت على هذا كله؟... لماذا لا ازال نائما هنا اعانى كل هذا العذاب، فى حين تسلم هي جسدها الفاجر لحلاوة النوم؟ لماذا لم ادخل فى الحال الى غرفتها لتعلم انى اعرف جريمتها؟ لماذا لم اكسر لها عظامها؟... لانى ضعيف ...

لانى جبان ... لقد كنت دائما ضعيفا متخاذلا امام الاثنتين ... لقد سلمت لهما بكل شئ ... كنت فخورا جدا باني اخفف عنهما عبء الحياة ما دامت حياتي انا قد تحطمت سلفا ... لقد جمعت الفلوس بخدش اظافرى فلسا بعد فلس ... وكنت على استعداد ان اقدم يدى لتنزع لحما لمجرد ان اراهما راضيتين فحسب ... ولكنى ما كدت ارفه عنهما حتى صارتا تخجلان من وجودى بينهما، فانا لم اعد بالنسبة لهما حسن الهندام نظيف الثياب. انا جاهل جدا ... ولكن اين كان يمكنني ان اتعلم؟ لقد اخرجت من المدرسة وانا في الثانية عشرة من عمرى، وحتم على ان اكسب، ان اكسب واكسب ... ان احمل الحقائب النموذجية واسافر بها من قرية الى قرية ثم اصير وكيلا متنقلا بين مدينة واخرى. لقد قمت بهذا كله قبل ان افتح دكاني الخاص. وما ان ترقتا واصبحت لهما دار خاصة حتى تنكرتا لاسمى القديم الكريم الطيب. وكان لزاما على ان اشترى منصبى كمستشار اللجنة كمستشار سرى وذلك لكيلا لا تخاطب زوجتى بعد بحرم صلمونصون، لكى تصبحا من الاشراف ... من السراة!.. من السراة!.. وعند ما كنت اثور ضد هذا النبل الزائف، ضد عشرتهما " الراقية " كانتا تسخران منى ولما رويت لهما كيف كانت المرحومة امى تقوم بشؤون المنزل، فى دعة وتواضع، من اجل ابي ومن اجلنا فقط ... عندها سمتانى رجعيا. وسخرت ابنتى منى " انت رجعى، يا ابى! يا ابى! " ... اجل، اجل انا رجعى... والآن تنام مع الرجال الاجانب فى فراش اجنبى، هى طفلتى، طفلتى الوحيدة ... اوه يا للعار! يا للفضيحة!...

هكذا كان العذاب النائح يندفع بصورة رهيبة من صدر الرجل العجوز، بحيث استيقت زوجته النائمة الى جانبه وسألته وهى بين النوم واليقظة " ماذا جرى " ولكنه لم يتحرك وكتم انفاسه فى صدره. ونام هكذا، جامدا، فى تابوت عذابه المظلم إلى ان طلع النهار وقد افترسته افكار كالديدان. كان أول من حضر للفطور، فجلس متنهدا. وكانت كل لقمة تثير قرفه. وفكر .. انا وحيد من جديد ... اجلس وحدى دائما ... عند ما اذهب

صباحا الى المكتب، تكونان هما لا تزالان نائمتين فى كسل ورفاهية ورغد، فالحفلات الراقصة والمسارح تتعبهما ... وحين اعود مساء الى البيت اجدهما قد خرجتا للتسلية، في السهرات: اذاك لا تكون لهما حاجة بى ... اوه!.. لقد افسدتهما الفلوس الملعونة، الفلوس، الفلوس ... هذا ما جعلهما غريبتين عني ... لقد كومت الفلوس، انا الابله المعتوه، ادخرتها وحرمت نفسي منها، افقرتها بذلك وافسدت الاثنتين ... لقد قضيت خمسين سنة مجنونة من عمرى اكد واتعب دون ان اعرف الراحة يوما واحدا. وها انا الآن لا ازال وحيدا ...

وبدأ ينزعج تدريجيا. " لماذا لا تأتى؟.. اريد ان اكلمها، لا بد ان اقول لها ذلك ... يجب ان نترك هذا المحل حالا ... لماذا لا تأتى؟... لعلها لا تزال تعبة، تنام مرتاحة الضمير منعمة، وانا امزق قلبي، انا المعتوه ... وامها! انها تتنظف الساعات الطوال. فلا بد لها من ان تستحم، ان تستعمل المساحيق ان تتبهرج وتمتشط، ولذا فهى لا تنزل قبل الحادية عشرة. فهل هذا غريب؟ ثم ماذا يصير من طفلة والحالة هذه؟ اوه! الفلوس الفلوس الملعونة!... "

واحتدمت حوله خطى خفيفة. " صباح الخير، يا ابى! هل استرحت جيدا؟ " وانحنت من جانب وطبعت قبلة رقيقة على الجبين الطارق. فتراجع برأسه بحركة لا ارادية: لقد اثارت كراهيته رائحة عطر كوتى الحلو - الخانق وبعد ذلك ...

" ماذا جرى لك يا ابى ... هل انت مضطرب المزاج من جديد؟.. غارسون! قهوة " وجمبون " بالبيض... هل كان نومك رديئا ام انك سمعت اخبارا سيئة؟ "

وسيطر الرجل العجوز على اعصابه وطأطأ رأسه من غير ان يتجاسر على النظر اليها وسكت. كان ينظر الى يديها فقط ... الى اليدين المحبوبتين فوق المائدة: كانتا تلعبان فى كسل فوق غطاء المائدة الابيض ككلاب السلوق الرفيعة المدللة. وارتعدت اوصاله. فقد كانت نظراته الوحلة تساقط فوق ذراعيها اللدنتين اليافعتين الصبيانيتين اللتين كثيرا ما كانتا تحضنانه قبل الذهاب الى الفراش ... كم مر على ذلك يا ترى؟ وحدق فى قبة صدرها البديع التى كانت تهتز عند التنفس تحت لباس السباحة الجديد. وفكر في حنق " عارية ... عارية ... تدحرجت مع رجل غريب ... مسك هذا كله لمسه داعبة، ذاقه، تمتع به ... لحمي ودمى ... اوه يا للغريب النذل! اوه! اوه! "

وتنهد من غير ان يشعر بذلك. فسألته فى تملق " ما بك يا ابى؟ " ودوى فى اعماقه " ما بى ... عندى بنت بغي ولست اقدر على قول ذلك لها! " ثم همهم بصوت غير واضح " لا شئ! لا شئ! " والتقط الجريدة

بسرعة ليبنى سورا من الاوراق المنشورة يحجبه عن نظراتها المتسائلة، لانه كان يشعر بعجز عن النظر فى عينيها.

وارتجفت يداه وهذا يعذبه " لا بد ان اقول لها ذلك. الآن ما دمنا وحيدين. " ولكن صوته ابى. ولم يجد حتى القدرة على رفع بصره اليها. وفجأة دفع الكرسي الى الوراء دفعة قوية وهرع الى الحديقة بخطوات ثقيلة، فقد شعر بدمعة تتساب فوق خده لم يكن ينبغى لها ان تراها.

وهام الرجل العجوز ذو الساقين القصيرتين فى الحديقة وحدق طويلا فى البحيرة. ورغم ان داخله كان اسمى، بسبب الدموع الحبيسة، فانه لم يستطع الا ان يلاحظ، كم جميلة هي هذه المنطقة! فمن وراء الاضواء الفضية الناعمة كانت الروابي ترتفع، خضراء متماوجة، وترنو بالوانها الزاهية، وقد تشابكت فوق اعاليها خطوط سوداء من اشجار السرول. ومن خلفها كانت الجبال المنحدرة تحنو، فى غير صلف، على رقة البحيرة وعذوبتها حنو الاباء على الاطفال اللاعبين. ما اروع ذلك كله وهو يمتد ويندح ويومئ ايماءات وردية متفتحة مرحبة! ابتسامة الله الخالدة فى جنوبه تغرى المرء بان يكون خيرا سعيدا!

وهز الرجل العجوز، مرتبكا، رأسه الثقيل. " ان فى مقدور المرء ان يكون سعيدا هنا. لقد اردت ذلك مرة ايضا ... اردت ان اخبر بنفسى مدى جمال عالم السعداء ... بعد خمسين سنة قضيتها فى الكتابة والحساب والمساومة وجمع المال الحرام اردت ان اقضى مرة اياما سعيدة، مرة، مرة فقط قبل ان اقبر ... يا الهى! ست وخمسون سنة! إذا بلغها المرء تسللت يد الموت إلى جسده. وثمة لا يجدى الفلوس ولا الاطباء!. انى لم اكن اريد قبل غير التنفس بسهولة. اردت فقط ان اتمتع مرة واحدة ... ولكن ابى المرحوم كان يقول دائما: ان المتعة ليست ملكا لاحد منا، فالمرء يحمل رزمته على ظهره حتى القبر ... امس فقط كنت اظن ان من حقى انا ايضا ان اتمتع. امس كنت انسانا سعيدا او شبيها بالسعيد. كنت افرح بابنتى الصغيرة الناضرة افرح لفرحها ... ولكن الله عاقبني ... اخذها منى. لان فرحى بها قد انتهى الى الابد ... وها انا الآن لم اعد استطيع الحديث مع ابنتى وفلذة كبدى ... ولا استطيع النظر فى عينيها ... الى هذه الدرجة اصبحت اخجل منها ... منذ الآن سيكون حتما على ان افكر دائما، فى البيت، فى المكتب وفي الفراش ليلا: اين هي الآن يا ترى، اين كانت وماذا فعلت امس؟ وبعد الآن لن اعود ابدا الى البيت لاجدها جالسة هناك، فتثبت لاستقبالى ويطفر قلبي فرحا حين اراها يافعة جميلة. وعندما تقبلنى، ساتساءل، من تملكها امس، هاتين الشفتين؟ ان غيابها عني سيجعلنى اعيش فى خوف دائم وسوف الشعر بالخجل كلما نظرت فى عينيها - لا، ان المرء لا يستطيع ان يعيش حياة كهذه ... لا يستطيع ان يعيش حياة كهذه ... "

وتمايل مهمهما كالسكران. ثم عاد يتطلع فى البحيرة من جديد. وعادت الدموع تتساب الى لحيته. فاضطر الى خلع نظارته ووقف فى الطريق الضيقة بعينية المبلولتين القصيرتين فى النظر. فوقف طفل البستانى، وكان قد مر به فى ذلك الحين، يضحك منه بصوت عال ويمازحه بكلمات ايطالية. فنبهه ذلك من غيبوبة ألمه. وتناول نظارته وانسل إلى حاشية البستان ليختفى هناك فوق مصطبة ما، عن اعين الناس.

ولكنه ما كاد يقترب من مكان منعزل فى البستان حتى افزعه ضحك مقبل من جهة اليسار ... لم يلبث ان عرفه. فتمزق له قلبه. لقد كان موسيقاه منذ تسعة عشر عاما، ضحك عجرفتها الخفيف ... من اجل هذا الضحك سافر الليالى الطوال فى الدرجة الثالثة حتى بوزن وبلاد المجر، وذلك لمجرد ان يجلب لها شيئا من هناك، التربة الصفراء التى اينع فيها هذا المرح. لقد عاش من اجل هذا الضحك وحده حتى علق بحسده، حنقا، داء الصفراء ... فقط ليظل هذا الضحك رنانا حول الثغر المحبوب. والآن هو هذا الضحك الملعون يقطع منه الاحشاء كمنشار حام.

ومع ذلك فقد انجذب الرافض اليه. كانت واقفة فى ملعب التينس تدير الميجار في يدها العارية، مرتخية، المفاصل، وترميه الى اعلى ثم تمسكه ثانية. وفي نفس الوقت كانت الضحكات المتعجرفة تتصاعد مع الضربات الصاخبة الى عنان السماء اللازوردية. وكان الثلاثة الرجال ينظرون اليها فى اعجاب واكبار. كان الكونت اوبالدى يرتدى قميص التينس الابيض المرتخى، وكان الضابط يرتدى بدلته الرسمية الضيقة الموترة لعضلاته. اما الفارس فكان يرتدي سراويل الركوب. ثلاث قامات رجالية حادة القسمات والملامح كانها تماثيل تنتصب حبال هذه اللاعبة الحالمة كالفراشة. ونظر اليها الرجل العجوز نفسه مندهشا. يا الهى! ما اجملها في ثوبها المنحسر عن ساقيا والشمس تنداح في الشعر الذهبى! حتى اعضاؤها اليافعة نفسها تشعر بخفتها فى الجرى والوثب! وهذه المفاصل الرخوة ذات الايقاع تطيعها فاتنة مفتونة. ها هى الآن ترمي كرة التينس، متعاظمة، فى الجو ثم ترمى ثانية وثالثة. فما اروع القد الممشوق وهو يتثنى ويندفع ويهتز ويسرع الى مسك الكرة الاخيرة! انه لم يرها هكذا قط تحرقها شعل متعجرفة، شعل بيض مدمرة تحمل بخار الضحك الفضى الى لهيب الجسد. - الهة عذراء نفرت من لبلاب البستان الجنوبى، من زرقة البحيرة العاكسة الناعمة: فهذا القوام الممشوق لم يتوتر ابدا ولم يتراقص فى اثناء اى لعب مجهد عند ما كانت في البلد. ابدا لا، ابدا. انه لم يرها قط على هذه الصورة في داخل المدينة الصماء المزدحمة الاسوار، كما انه لم يسمع صوتها فى الغرفة والشارع رنانا مغردا كانه صوت القبرة، منطلقا من رطوبة الحنجرة في مرح يكاد يغنى. لا لا، انها لم تكن جميلة قط الى هذه الدرجة. كان يحدق فيها ويطيل التحديق. لقد نسي كل شئ، كان يتأمل فقط هذه الشعلة البيضاء الهاربة. ولو انه

وقف هكذا ليمتص صورتها بنظرة نهمة لما مسكت هى بالتالى الكرة الطائرة بدورة نشطة،بقفزة سادرة، وضمتها الى صدرها وهى توزع نظرات متعجرفة ضاحكة وتتنفس وتتمايل تعبا وحرارة. " احسنت. احسنت!.. وصفق الرحال الثلاثة كما يصفق المرء بعد انتهاء مقطع موسيقى، فقد اعجبوا بلزمها الماهر للكرة. وايقظت هذه الاصوات الحلقية الرجل العجوز من نشوته. فنظر اليهم في حنق. وطرق قلبه. " هاهم الخبثاء، ها هم هنا. ولكن من كان منهم؟ من من الثلاثة احتواها؟ يا لسارقى النهار! انهم انيقون حليقون معطرون! عند ما كنت انا فى سنهم كنت اجلس فى المكتب بسراويل مرقعة ونحني في ذلة اماتم الزبائن ... وآباؤهم، لعلهم لا يزالون حتى الآن يدمون اظفارهم من اجلهم. اما هم فيسيحون فى العالم ويسرقون نهار الاله الطيب. ولهم وجوه سمراء لا اثر للهموم فيها وعيون فاتحة وقحة ... ففي هذه الحالة يكون من السهل على المرء ان يكون مرحا نشيطا لا يحتاج الا الى كلمات محلاة يرمي بها فتاة مزهوة فتنسل معه الى الفراش ... ولكن من كان من الثلاثة، من هو يا ترى؟.. واحد منهم، انا اعرف ذلك. انه يرى جسدها العاري عبر الثياب ويلحس شفتيه بلسانه: لقد احتويت هذه ... ويعرفها حارة عارية ويفكر، مساء اليوم ايضا ، ثم يغمزها، - آه يا لهذا الكلب!... لو اني استطيع ان اجلده حتى الموت، هذا الكلب!..

ولاحظوه في هذه الجهة فلوحت له ابنته بالميجار محيية مبتسمة، فحياه الرجال. ولكنه لم يرد التحية وظل يحدق فى ثغرها المتعجرف بنظرات تقطر دما: " تستطيعين الضحك بعد يا عديمة الحياء!.. لعل ذاك هناك يضحك ايضا في نفسه و نفكر، انه واقف هناك، اليهودى العجوز الذى يملأ فراشه بالشخير ليلا ... لو انه عرف ، العجوز المعتوه! ... اجل ، انى اعرف انتم تضحكون وتتجبون رفسى كأنى قئ عفن !...  ولكن ابنتى جميلة طبعة تسبقكم إلى الفراش في عهر ! . . وامها ، انها الآن سمينة الى حد ما ، مخضبة مزوقة ومبرجة ، ولكن لو حاول المرء ان يقنعها فانها قد تجرؤ على رقصة قصيرة . الحق معكم ، انتم ايها الكلاب ، الحق معكم ، ما دامت النساء يجرين وراءكم ، النساء الفاجرات . . وماذا يهمكم ان يعوج قلب الآخر من جراء ذلك . . فالمهم ان تشبعوا رغبتكم فقط ، ان يشبعن رغبتهم . . النساء الفاجرات . . ينبغي للمرء ان يطلق الرصاص عليكم ، ان يضربكم بالسياط اللاهبة . . ولكن الحق معكم ، ما دام احد لا يفعل ذلك . . ما دام المرء يأكل حنقه كما يأكل الكلب ما يلقي اليه . . اجل ، الحق معكم ما دام المرء جبانا حيانا إلى درجة تستحق الرثاء . . لا يأتى اليكم ليمسك الفاجرة ويجرها من اكمامها مبعدا اياها عنكم . . ما دام المرء يقف هنا ينظر ، والصفراء فى فمه فى جبن ، جبن ، جبن "

وتشبست الرجل العجوز بالسياج، فقد هزه غضب الى حد الاغماء. ثم بصق فجأة امام رجليه وغادر البستان

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية