هذه رقعة ضيقة من الارض ابرز ثرواتها العقل واكبر حظها ان تعمد الى الفكر فتستوحيه فى جميع الميادين
وان هذه الرقعة من الارض ، الضيقة فى ذرعها ، العاقلة فى امرها ، قد احتازت النصف الاول من طريق ثورتها العظمى: فكان لها بتخلصها من الاستعمار وعى قومى ما ينبغى له ان يبقى عند هذا الحد دون ان ينقلب وعيا سياسيا فوعيا بشريا كاملا .
وانه حرام علينا - وقضية التخلف قائمة فى جميع العقول - ان ننسى تخلفنا الثقافى ومشاكله .
انى اشهد ان تونس لعلى نصيب وافر من الانتاج وحظ كبير من العمل وانى اشهد ان شيئا - ما كان ليكون - موجود بين ايدينا نستطيع ان ننظر فيه وأكاد اقول ان نعتز به . غير انى اشهد ايضا ان ما بين ايدى الناس من انتاج ثقافى تونسى قد يستحسن بالاضافة الى ما نراه فى بعض البلاد المتخلفة او الشرقية وقد لا يستحسن دائما بالاضافة الى امكانيات بلادنا واستعداد ابنائها وطموح رجالها وتطلع نشئها وتراث المتقدمين فيها .
انى اشهد ان الذنب ذنبنا نحن معشر المريدين . نحن نذنب كلما سكتنا راضين عن تخلفنا الثقافى ونحن نذنب كلما قمنا خاطبين او كاتبين وليس لنا ما نقول وليس لنا ما نحدث به .
نعم ان بالبلاد سوقا ثقافية قد يسودها الكساد وقد ينعشها الربح ولكنها كثيرا ما تغلب عليها السخافة ويقيدها الفتور وكثيرا ما يبغضها لنا الكذب والتدجيل ورداءة الانتاج . انى اعيب بعض من كتب بالسكوت والانصراف يفعلون ذلك لا لصدق فيما بينهم وبين انفسهم اذ ايقنوا ان ليس لهم ما يقولون
فانى احترم الصدق واعشق الحرية - وانما لسوء انسجام مع الصحب والركب ولقلة الوقت لمخاطبة النفس . وانى اعيب ايضا بعض من يكتب بكثرة الكتابة وبالثرثرة الدائبة دؤوب الليل والنهار : يفعلون ذلك لا لتزاحم فى المعانى وصدق فيما بينهم وبين انفسهم وانما لتوفر الوقت ولسكوت الغير وانى اشهد انى ارى - متجسما بين يدى - الى جانب هذا السكوت الذى لا ينبغى له ان يكون اوقل ان يطول والى هذا التضخم الذى هو شبيه بالافلاس
ارى انتاجا غريبا اعيبه بالرجوع دائما وفى غير نفع وبدون مبرر الى المقاييس الغربية والمصطلحات الاجنبية ، انك تنظر الى الصحيفة وتعيد النظر فاذا هى لاعربية كلها ولا لاطينية الحروف كلها بل هى مزيج غريب اقول - وانا اعلم انا لسنا فى حاجة اليه . فلعل بعض الكتاب ياملون من وراء تزيينهم هذا ان ينظر القارىء الى كل ما كتب بالعربية فيشمئز - من حيث يشعر او من حيث لا يشعر - ويمل ثم ان ينظر الى الكلمات الاجنبية فيعمد الى قراءتها بكل شغف وبكل اعجاب فيظن ان هناك الفوز وان هناك العلم فتكفيه قوت يومه انما مثله فى ذلك مثل الطفل ينظر الى المسفوف فيحل المسفوف ويفشل امام " الكسكسى " ثم يعمد ، جهارا او خلسة ، الى حبات العنب او ماشاكلها فيلتقطها ويلتهمها بكل لذة ويقول : حسبى اليوم انى قد تغديت.
ثم ان قوما اختاروا الغريب من الكلام والمعقد من المعانى ظنا منهم ان الالتباس اقرب الى الذكاء من الوضوح وان التحليق فى عليين خير من الاندماج فى الشعب والواقع وان الانقطاع عن العامة اجمل من الارتباط بجمهور القراء وان الجرى وراء القارىء ومخاطبته قلبا لقلب وعقلا لعقل من سخيف الامور لا يهتم بها الا امثال ابن المقفع والجاحظ اما ابناء القرن العشرين الذين عرفوا من المدنية احسنها ومن ادب الاجانب اعمقه فلا.
وانى اشهد ان تهاونا كبيرا باللغة وقواعدها قد انتشر فى بعض ما يكتب وفى بعض ما يقرأ وانه لا يسعنا الا ان نعده غلطا وخبطا ما دمنا ندافع عن اللغة الفصحى وما دمنا لم نتقدم خطوة بصفة رسمية فى سبيل تيسير قواعد النحو وتجديد الرسم وانى اشهد - على حبى للعامية وعلى مافى تركيبى من ميول تقدمية - انى مازلت من اولئك الذين يدافعون عن الفصحى ولا يدخلون العامية فيها الا بمقدار فانى مازلت من اولئك الذين يخيرون " بدء الوحى " و " قيام العبيديين " على " نقطة انطلاق الوحي و " نقطة انطلاق العبيديين ويفضلون عبارة " محمد رسول الله ( صلعم ) " على عبارة " محمد مؤسس الاسلام" مصلعمة او غير مصلعمة .
وانى اشهد انا نستطيع من جهة اخرى ان نؤاخذ القراء بقلة العدد وعدم الاكثراث وفرط الكسل وسريع الاعراض لقد يعترى الاديب القارئ والرجل المتطلع الى الحياة الثقافية شىء من العياء وشىء من الملل وشئ الانصراف لا حد له . لقد يعتريه ذلك كلما شاهد فى عالم الادب مايشبه التطفيف والغش والاحتكار او ما يشبة الضعف والرداءة وقلة الابتكار
وان هذا الملل قد يصرف جيلا كاملا عن القراءة باللغة العربية وقد يلجأ به الى المنتج الفرنسى والى الاساتذة الفرنسيين فيتخذ الشبان من الكتب الاجنبية غذاءهم الوحيد ومن الاساتذة الغربيين مرشدين واصدقاء . ويلتجئ الشباب الى هذا الملجأ لابتعاد الاساتذة التونسيين فى كثير من الاحيان عن دور الارشاد والصداقة ولارتقائهم الى عليائهم وانصرافهم الى الانانية وحب الذات والادعاء الفارغ.
انى اشهد ان جيلا صاعدا طفولته غير طفولتنا وامهاته غير امهاتنا اما تربية او اصالة او جوارا ولغته متحسنة بالاضافة الى لغتنا وتعلمه يخالف تعلمنا بما فى هذه الفروق من محاسن ومساوئ، من تقدم وتخلف . انى اشهد ان هذا الجيل الصاعد مهدد بالانقطاع عنا مهدد بالذبذبة والتفكك والتفجر والسخط والعزلة والتمزق محتار بين كبار لا يسمعونه ولا يهتمون به وبين أجانب لا يستطيع ان يثق بهم دائما وفى جميع الاحوال .
يجب ان نعتنى بهذا الجيل وان نعمل له وان نراوده على الحوار وان نعالجه طلبا لثقته وانها لعسيرة المنال . ويجب علينا ان نؤمن كل الايمان بان غايتنا انما هى ان نجعل من هذا الجيل الصاعد جيلا احسن منا يفوتنا معرفة ووعيا واستعدادا وانتاجا وان نعينه على ان يتحرر ثقافيا كما تحررنا نحن سياسيا الا الاشخاص اعنى فى كل ما اقول وانما اعنى الجيل فى جملته ! وانه ليحسن بنا ان ننادى وان نؤمن بان غاية الثقافة هى ابعد من غاية التعليم وانها ترمى فيما ترمى اليه الى احترام كرامة الانسان مهما كانت الظروف والى احترام الحرية مهما كانت التكاليف . وانى اقول على اسلوب بعضهم ؛ انما العبقرية الحرية اولا تكون . اقول ذلك واؤمن به . اقول : الحرية حتى الجنون ! فان لاخير فى ادب لاتزعزعه من حين الى آخر رعدة الجنون والخروج عن المعروف بمعناه العامى وبمعناه القرآنى.
انى اشهد انا فى حاجة الى محاسبة النفس والاتكال عليها متحرين فى عملنا من انفسنا ومن غيرنا وانا فى حاجة الى ان ناكل خبزنا " الاكحل " معا وان ناكل مسفوفنا فيما بيننا - بلا عنب ولا زبيب ان كان العنب والزبيب من تلك الثمار التى اذا اكلها الاكل مسخ ! وانا امام الخطر فى حاجة الى ان نغلق ابوابنا فى وجه كل حصان " طروادة " حشى بخبيث الاطعمة وان كان هذا الحصان عربيا مطهما . وانا فى حاجة الى مد اليد الى القراء والشباب فى عطف وتفاهم وحسن ظن بهم ورغبة فى الحديث معهم . وانا فى حاجة الى ان نجعل لانفسنا مثلا اعلى نطلبه على الدوام
انى رايت فشهدت - واحدا منكم - لا ابتغى مرضاة احد ولا ضر أحد . انى واحد من بينكم ! فشهد شاهد من اهلكم ان بالحقل الثقافى رجالا احتكروا الكتابة والخطاب وليس لهم دائما ما يقولون وان من الحقل الثقافى قوما لزموا الصمت والانعزال وهم ليسوا دائما فقيرى المادة ضعيفى القريحة وان القراء ازاء سوء هذا الوضع فضلوا الراحة وعدم الاكتراث.
وانه يجب علينا ان كان الامر كذلك ان نكشف القناع ، قناع الخطل والكذب والعجب وانه يجب علينا ان نغربل انفسنا وان نخاطبها خطاب الصدق حتى نفحص عن واجبنا وحتى نوضحه فى بيان نؤمن به ونعمل لتحقيق غايته وانه يجب علينا ان نلتفت الى القراء وان نحسب لهم حسابهم وان نجعل بيننا وبينهم ميثاق الادب الحق

