الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

ان عهد هيمنة ثقافة واحدة ، قد ولى وانقضى

Share

ان الشرف الذي يلحقني اليوم (*) اذ تتفضلون بمنحي الميداليه الكبرى للمنظمة ، وتغمروننى بآيات تقديركم لمساهمتي المتواضعة فى خدمة الثقافة العربية وحضارتها لهو في الواقع شرف لتونس التى لا تزال تساهم منذ أربعة عشر قرنا في اثراء الحضارة العربية الاسلامية بعطاء عباقرتها وابداع رجال الفكر والفقه والقانون والعلوم فيها ، وصمودها الرائع ازاء هجمات الصليبيين وقراصنة النرمان ، وجهادها المستميت في وجه الاستعمار والمسخ الثقافي فظلت وستظل بحول الله رافدا دفاقا من روافد حضارتنا العربية الاسلامية الكبرى .

ويحق لنا في هذا الصدد أن نعتبر جهاد الرئيس الحبيب بورقيبة المتواصل منذ اكثر من خمسين سنة جهادا بطوليا ذا ابعاد تاريخية وانسانية اذ ارجع للقطر التونسي شخصيته العربية الاسلامية بعد ثلاثة أرباع قرن من الاستعمار التوطيني وخصه من عقارب التلاشى ودرا عنه الاستلاب ووقاه من الذوبان في الغير . والبه يرجع الفضل كذلك فى قيادته الموفقه للشعب التونسى منذ الاستقلال وحرصه على بناء دولة تعانق عصرها ، هي دولة العلم والعقل فروعها شامخة فى سماء المعرفة والتقدم وأصولها ضاربة فى أعماق الأصالة الحق

وفى خضم هذا الزمن الصعب الذى استشرى فيه صراع الحضارات وتصادم الثقاقات تخوض أمتنا العربية معركة من أخطر معارك تاريخها الطويل من أجل اثبات الوجود وتحقيق المصير الامثل ، مما يستوجب على جيلنا مزيد الصمود فى وجه كل ألوان الاستلاب والوقوف أمام كل الاخطار حتى لا تحني هامتنا الاعاصير ولا يدركنا الوهن والاعياء

انه ليس هناك رسالة أعظم ولا موقف اشرف ولا مسعى أنبل من هذا الذي يدفع المرء الى الحفاظ على الحضارة والثقافة العربيتين لتبقيا ثابتتى الاركان شامختى البنيان ، كما انه ليس هناك جهاد امتع ولا فعل أجل من خوض معركة التقدم والاسهام فى الحضارة الانسانية خلقا وابتكارا وابداعا

وان ما تقوم به المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم من أعمال جليلة فى هذا الباب بتعاون مع كل الطاقات الحية فى أقطارنا العربية انما يندرج في هذا الاتجاه . ويسعى سعيا موفقا الى بلوغ الغاية المرجوة رغم شتى الضغوط بل ان أهل الثقافة والفكر العاملين فى رحاب هذه المنظمة قد حققوا الكثير وهم منطلقون بعزيمة صادقة وايمان راسخ الى اكساب ثقافتنا العربية ما به تسمو الى المنزلة التى اليها نطمح .

وانه لمن دواعي الغبطة والسرور ان اتوجه بالشكر والامتنان والتقدير الى الرجل الذي يشرف على حظوظ منظمتنا بحنكة ودراية وحكمة أعني صديقنا العزيز الدكتور محيى الدين صابر المدير العام وهو الذي دخلت المنظمة بفضله وبتعاونه مع المكتب التنفيذى فى تحقيق مشاريع هامة نؤمل بفضلها ان تكتب الثقافة العربية فى سجلها آيات خالدة من العزة القمساء ، والتقدم الأوفى ، والرقي الأمثل

وإني انتهز هذه الفرصة لأثنى على ما قاله صديقى العزيز الاستاذ الشاذلي القليبي الامين العام لجامعة الدول العربية . واني مسرور أن اضم صوتى الى صوته للترحيب بأخينا وصديقنا السيد أحمد مختار مبو المدير العام للينسكو مبينا انه يحق لنا أن نبرز مواقف السيد مبو تجاه القضية العربية العادلة من اجل الذود عن كرامة الامة العربية والحفاظ على التراث الثقافي العربي الاسلامي في بيت المقدس . ان هذا الموقف انما هو نابع من رجل مؤمن أصيل . ونحن نعلم ان السيد مبو يواصل رسالته بشجاعة وحماس وهو المؤمن بشرعية أعماله وأخلاقية سلوكه

وعلى غرار ما قاله الاستاذ الشاذلى القليبي فانى أريد ان اوجه - وانا اخاطب فيكم الدول العربية - نداء الى مسؤولينا فى الوطن العربي ليقدموا الى المدير العام للينسكو المساعدة الفعالة والأعانة المتواصلة والمتزايدة . وبهذا العمل الدؤوب ستتقلص هيمنة سدنة الاستعمار والتمييز العنصرى وبهذا سنقيم الدليل على أن ما تقوم به الينسكو لانقاذ شخصية الشعوب الثقافية وتراثهم القومى انما هو فى الواقع عمل متماش مع النص المؤسس لمنظمة دولية تعنى بالتربية والثقافة

انه بات من الأكيد أن يتفق الجميع على أن عهد هيمنة ثقافة واحدة على الثقافات الاخرى قد ولى وانقضى وأن ثراء الثقافة الانسانية انما هو ثمرة اسهام كل الثقافات وحصيلة جهد كل الشعوب كافة

أردت اذن أن أحيى بيننا السيد مبو وأترجم له عن المشاعر التى يكنها نحوه الرئيس الحبيب بورقيبة وحكومته وشعبه مؤكدا له تأييدنا الكامل

وفي هذا الباب يلذ لى أن أكرر ما قاله صديقنا سين ماك برايد " من ان الهيمنة توقد نار الحقد وتغذى الخصومات : وهي بهذه الصورة تكون مهددة للسلم بين الناس .

واني ادعو الله من كل قلبي أن يمده بالعون وان يزيده دعما لما تحلى به من قوة وشجاعة متمنيا أن نصل جميعا الى تحقيق ما نصبو اليه من أهداف .

فى غمرة هذا العمل الكبير الذى تقوم به المنظمة وفي تشوفها الى غد زاهر للثقافة العربية وأمام هذه النخبة الممتازة من الوزراء والخبراء الصانعين لهذه المسيرة الملحمية والمسؤولين الاكفاء عن حظوظ الثقافة العربية ، ارانى بقدر ما أنا شاعر بالسعادة تغمر قلبي وبراحة البال تشد كياني أحس بجسامة العبء الذي تحملونني إياه بقراركم الاخوى المتمثل فى منحى الميدالية الذهبية للمنظمة . وليس لى من موئل فى هذا الا ان ادعو الله ان يتيح لى من القدرة ما يمكنني من مواصلة المساهمة ولو بقسط متواضع في أداء هذه الرسالة ارضاء للضمير ووفاء لقوميتى ولانسانيتي

مرة اخرى أشكركم جزيل الشكر على ما أوليتموني من حظوة وارجو لكم إقامة طيبة فى وطنكم وحصيلة جيدة من الاعمال الخيرة .

اشترك في نشرتنا البريدية