الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

اهدافنا الاقتصادية، على ضوء العلم الحديث

Share

إن هذا الموضوع أوسع من أن تكفية بضع صفحات . إنه يمس أخطر شؤون حياتنا وابعثها على الاهتمام وأحفلها بالآراء والخطط بيد أن هذا السبب نفسه يحملنا على ان نحاول ان نضغط آراءنا ونرسم الخطوط الرئيسية الموضوع تاركين للزمن تهيئة الفرصة اللازمة لايفائه حقه من العناية

وإذا كان لكل غاية وسيلة ، فان وسيلة الحياة الاقتصادية الصحيحة هي التعليم الفني . ونقصد به التعليم التجارى والصناعى والزراعي وهي الدعائم التى يرتكز عليها التقدم الاقتصادى فى جميع مراحله . فالتعليم التجاري يهىء لما الفنيين من الاقتصاديين والماليين والمحاسبين والأداريين . والتعليم الصناعى يهئ لنا المهندسين والصناع المهرة لكافة المنشآت الصناعية والعمرانية كما يهى لنا المعدنين المختصين والتعليم الزراعي يهئ الخبراء الزراعيين وفد أعلنت المعارف عن ارسال بعثة إلى أمريكا لهذه الأغراض . هذا بالاضافة إلى العدد الضخم الذي يدرس الان فى مصر . على انه من المتعين إنشاء مدرسة تجارية في جدة ومدرسة صناعية فى ورشة مكة ومدرسة زراعية بالطائف او الخرج او المدينة وفي غضون الفترة التى تمضى قبل توفر العدد الكافى من الفنيين الوطنيين يستحسن التوسع فى الاستعانة بالخبراء الأجانب .

ونظرة واحدة إلى حالة النقد عندنا تدليا على أنه قد وصل إلى المرحلة قبل النهائية في تطور النقود . فقد كانت المقايضة أساس التبادل ثم اصبحت احدى السلع معيارا للتبادل . وما لبثت أن حلت النقود المعدنية محلها وكان

آخرها الفضة والذهب . وأخيرا اكتشف صيارفة لندن في القرن الماضي النقود المصرفية والائتمان . وهذه هي احدث انواع النقود واشيعها استعمالا لمرونتها التامة وسهولة استعمالها . ونحن ما زلنا نستعمل الفضة في معاملاتنا الداخلية والذهب في تجارتنا الخارجية . وقد أصبحت الفضة رخيصة لوفرة انتاجها ، أما الذهب فان انتاجه المحدود جعله لا يتلاءم مع حاجات التجارة والصناعة الواسعة النطاق . ألم يحن الوقت بعد لاستكمال التطور النقدي فنخطو الخطوة الأخيرة ؟

على أن المشكلة الكبرى هى مشكلة المواصلات ، تلك الشرايين التى تدفع بالنشاط في الحياة الاقتصادية والتي بدونها تذوي وتنهار . وقد خطت المواصلات خطوات عظيمة باستخدام السيارات على نطاق واسع ، واستعمال الطائرات بشكل يبشر مستقبل باهر ، وزادا انتشار أجهزة التلفون والتلغراف والراديو ، بل إن المواصلات في داخل المدن آخذة في الانتظام . غير أن السيارات خطوة لها ما بعدها . فنحن مقدمون على مستقبل اقتصادى عظيم وهذا لا تسد حاجاته سوى الخطوط الحديدية التى تمتاز برخص النقل فيها وإمكانها نقل المسافرين والبضائع بأعداد كبيرة وكميات وافرة . والذين عاصروا تسيار الخط الحديدى بالمدينة يذكرون ما كانت عليه البلد من ازدهار ورخاء ويسرنا ان نلمح في الافق تفكيرا جديا فى مد الخطوط الحديدية ، كما الاتفاق على اعادة تسيير خط المدينة - الشام . والخطوط التى لها أهمية عاجلة هي خط جدة - مكة - الطائف ، لما بين هذه المدن الثلاث من وثيق الصلة وثانيها هو خط مكة - المدينة ، لنقل الحجاج والزوار ووصله بخط الشام . ثم الاخذ فى وصل ارجاء البلاد بتلك الخطوط ويتصل بذلك اصلاح الموانىء والأرصفة وعمل احواض للسفن وتشجيع قيام شركات البواخر الاهلية ومن المهم انشاء المطارات وتوسيعها لتجتذب أكبر عدد ممكن من الطائرات وقد أخذت ادارة التلفونات في ادخال الأجزة الآلية ، ولا بد من مد الخطوط التلفونية والتلغرافية حتى إلى المسافات البعيدة ، وكل هذه الوسائل سوف تعوض نفقاتها فى أقرب مما نظن من الوقت ، وتعود على البلاد ، فوق ذلك ، باشهى الثمار .

وكل ما قدمناه ما هو الا وسيلة واداة للنهضة الاقتصادية ، اما الغاية فهي تنمية الثروة الأهلية ورفع مستوى الشعب في المعيشة على وجه العموم

وفي مقدمة مصادر الثروة عندنا موسم الحج الذي ما يزال يحتل مركزا اهاما في اقتصادياتنا . وتشبه بلادنا من هذه الناحية البلاد السياحية كسويسرا ولبنان ، مع فارق هام هو ان الوافدين الينا انما يأتون بدافع العقيدة الدينية وهذا ما يجعل الحج معينا لا ينضب . وواجبنا حيال هذا المورد هو تنميته إلى اقصى حد ، على أن يكون هدفنا الأول راحة الحجاج ورضاهم وكما قدمنا لن تكفى السيارات والطائرات وحدها لسد حاجات النقل بل لابد من ادخال السكة الحديدية التى تضمن نقل الحجاج في اعداد غفيرة ، فى زمن قصير ، وباجر معتدل ولا بد من زيادة وسائل النقل في المدن وخاصة فى مكة والمدينة لكى يتمكن الحجاج من السكنى بالضواحي حيث الجو لطيف مع ضمان اداء شعائرهم الدينية في اوقاتها ، ولكي يخف الضغط عن وسط المدينتين ومسألة توفير الفنادق والمنازل الكافية ضرورة لازمة ، ومن اللازم تثقيف كل من له صلة بخدمة الحجاج تثقيفا عاليا ، وقد امتاز أهل سويسرا ، البلد السياحية الأولى ، بدمائة الاخلاق وحسن معاملة الغريب . وفي البلاد المتقدمة يعنون بتعليم عمال الفنادق فن معاملة النزلاء . فما أحرانا بذلك وعلاقاتنا بالحجاج دينية ثقافية قبل أن تكون مادية . وقد احسنت وزارة المالية صنعا بانشاء ادارة الحج التى تنتظر منها الشئ الكثير

وقد ثبتت السنون صلاحية بلادنا للزراعة وشغف أهل القرى بها . والمشكلة فى سبيل تقدمها هى عدم كفاية المياه لزراعة كل الاراضى الجيدة او التى يمكن اصلاحها . كما أن ضعف الوسائل الفنية وصعوبة نقل المحصولات إلى مراكز الاستهلاك قد اديا إلى تضاعف المشكلة . والوسيلة إلى حلها هي حفر الآبار واصلاح العيون واقامة السدود لحفظ مياه الأمطار ، وتوفير الآلات الزراعية ومساعدة الزراع وارشادهم لخير الطرق الزراعية ، ثم توفير وسائل وسائل العقل ويجدر بها ان نشير الى جهود الحكومة فى هذا السبيل وآخرها استقدام البعثات الفنية الاجنبية التى ستعمل على تنفيذ معظم ما اشرنا إليه

ومن الأقوال التى تواضع الناس عليها هي أن بلادنا لا تصلح الصناعة : والواقع ان هذا القول لا محل له خاصة بعد اكتشاف موارد الزيت العظيمة بالاحساه وغيرها ونحن نعلم أن الزيت أصبح ينافس الفحم في في ادارة الالات بجميع صنوفها ، ومن الضرورى نقل الزيت إلى الجهات الصالحة لقيام الصناعة وحيث يحتاج اليه للاستهلاك العام داخل البلاد . وتستطيع استيراد المواد الخام اللازمة للصناعة اذا المعروف انها تسعى إلى الوقود ولا يسعى إليها . ومن المصنوعات الممكن قيلمها : المنسوجات القطنية والحريرية والصوفية ، وصناعة الجلود باصنافها ، وحفظ اللحوم ؛ ومستخرجات الالبان ، والصابون ، والتمور ، والمياه المعدنية وفي مقدمتها ماء زمزم وهدايا وتذكارات الحجاج التى طالما استوردناها من الخارج ، ويجب على على العموم ان تكون الصناعة هدفنا الرئيسى ، لان لو زمنا من المواد المصنوعة تستغرق معظم مواردنا ، فمن الواجب ان نوفر منها فى داخل البلاد لنحفظ ثروتنا الأهلية وننميها .

ويستتبع زيادة الوافدين وتوفر المنتجات الزراعية وقيام الصناعة وتيسير المواصلات اتساع نطاق التجارة فى الداخل والخارج . ومن المؤسف ان التجارة عندنا في حال من الفوضى لا تحمد مغبته ولا يتفق مع اتساع نطاقها فى الازمنة الأخيرة . ومن اللازم سن القوانين التى نتناول جميع فروع التجارة والشركات ، وانشاء الغرف التجارية على احدث الظلم وانشاء سجل عام لجميع الحرف والمهن . وقد وضع مجلس الشورى قوانين للشركات وغيرها على اكمل ما يمكن ، ومن الخير مواصلة الجهد لاستكمال النقص . ولابد للتجار من انتهاج مبدأ التخصص والتعاون وأخذ حذرهم من السماسرة والوكلاء من الاجانب الذين طالما تورطوا معهم . وقد اخذ بعض الشباب النشيط يوالي اهتمامه نحو انشاء الشركات التجارية والصناعية فنرجو أن يكون قدوة لسواه .

اما عن المشروعات العامة كالماء والنور والمجاري وما يلحقها فانها تجمع بين الأهمية الاقتصادية والصحية والاجتماعية . فايصال الماء والكهرباء إلى المنازل يوفر على المستهلك الشئ الكثير الذي يحتاج اليه فى نواح اخرى

ضرورية . كما أن الفضلات مادة سمادية هامة . وعلى فضلات القاهرة تقوم مزرعة الجبل الأصفر العظيمة . وهناك مشروعات عدة لدى أمانة العاصمة والبلديات والشركات في هذا الخصوص ستدخل فى حيز التنفيذ في القريب العاجل

والآن ما هو المستقبل الذي نتطلع اليه ؟ اننا نتطلع إلى رفع مستوى المعيشة لجميع السكان وتوفير العمل لكل قادر عليه وكمالة حياة رغيدة تتفق مع مكانة هذه البلاد في العالم وتمكنها من اداء مهمتها الخالدة . ان التبعة كبيرة والحمل ثقيل ، وان حاجتنا إلى المال ماسة . ولكن حاجتنا إلى العزم والتنظيم والثقافة أعظم . ان المستقبل المرموق بناء هائل يجب ان تتكاتف فيه الجهود وتتعاون فى تشييده الأجيال المتعاقبة وان هذا المستقبل لقريب ، قريب جدا ان شاء الله حتى لكاد نلمسه ونحسه

اشترك في نشرتنا البريدية