لمن أذرف الدمع حزنا في مغانيها أو أرفع الصوت شكوى من تجنيها
ولن تراني نجوم الليل ألعنـــــــٌها إن اللعين فؤاد لا يناغيها
بل سوف أهتف باسم طالما طربت له الجوائح فانسابت أغانيها
وكيف أشكو جموحا في خلائقها ؟ يطوى بها كل أفق من أمانيها
فغاية السابق المقدام أمْنِيـــــــّةٌ يَنَالُها ثم يأتي ما ينسيها
وكم تمنت وكم طارت وکم جمحت ! وكم تولت بلا إلف يحاذيها !
تجر أذيالها حًَسًــــــــرَى مًسًــــــــولهِة والليل يرقبهانا والبدر يرثيهما
وحيـــــــّدة في دروب الحب حائرة كأنما فقدت أغلى غواليها
فراشة الحقل كم طافـــــت بناظرة ! من الزهور وظل الشوق يضنيها
وذيبة الغاب كم أودت بشـــــاردة ! والجوع ينتشرها حينا ويطويها
ولبوة تتــــــــحرق الأدغال شــــهوتها فعلا الضراغم والاشبال تطفيها
وطفــــــلة تملأ الآفــــــاق غبطتها. لا تضمر الشر لكن الأذى فيها
تلهو وتلهو ولا تنفــــــك عابّـــــــثة بكل ما يحفظ الدنيا ويبقيها
كأنها ربة في المِــــــــرج راقصـــة قد كللت بزهور من روابيهما
سكرى با مالها نشوى بفرحتيــــّها. يعابث الربح باديها وخافيها
تسربلَت بشفــــــيف غـــــــلائلها ففاق كاسيتها فى السحر عربها
براءة الطفل في العينين بادية. وفتحة الثوب عند النهد تنفيها
ولست أدري هل الفردوس موطنها قبل المتجيء إلى دنيا محبتها
أم كان في سقر مرعى نوازعُها وَرَبَةُ الجن كانت مين حواريتها
قد أَفْلَتَتْ ذَاتَ يوم من جهنمها وجاءت الأرض كي تشقى وتشقيها
لا تقربوها ولا تأسوا العاصفة. ألوت بيها فَتَرَامَتْ في مهاويها
فتلك جنية تجري برغبّـــــــتها هوج الرياح فتعلو في مراميها
مزالق الخطر الملعون نـــــــٌزوتها ولافحُ اللهب المسعور يحييها
كمهرة في فجاج الأرض سابحة. تسابق الريح لا تعنو لراعيها
تبدو تراكيها سمِــــــــحاء وادعة. رهيفة قد تواتي من يواتبها
حتى إذا ما تراءت تم مِــــــــهلكة ألقتْ بِهِ وَتَعَالَتْ فَوْقَهُ تيها
وقهقهت كإله الجن شامِــــــــية بما يلاقي وغصات يعانيها
وحمحمت يقدح النيران حافرها نحو الجديد الذي بالوهم يثريها
فلا الضراعة تثني من شكيمتها ولا الشراسة بالإذعان تغريها
عنيفة هي حقاً في صبّـــــــابتها تَوَد لَوْ مُهج العشاق تحويها
لو استطاعت لما أبقت الغانيــــّة إلفا يغني ولا صبا يناجيها
تمضي مع العشق لا تحنو لباكية من العيون ولا الآلام تشجيها
هي الطبيـــــّعة تجري في أعنتها لا العقل يعقلها لا الفكر يثنيها
هي الزوابّـــــــع إما نـــــــٌارَ تَائِرُها وهي النسيم إِذا رَقَتْ حَوَاشِيها
بركانها يتلقى تحت خامِـــــــدة وثورة الجن أصل في مباديها
هوج الرياح تلقت عنها غَضَبَتَها وَأَسْلَمَتها إلى الأمواج تلقيها
والموج يعشقها روحا تجسده وفي التموج أسرار الهوى فيها
كذاك أخلاقها سلم ومعركة وجنة وجحيم في تدانيها
والمشاعر في أكوَآنهَا نَغـــــــمْ يَدْنُو بِأَنْفُسِنَا حِينا وَيُقصيها
بعلو كطاغية الأمواج صاخبه. يطفو المدى ثم يغفو عند شاطيها
إلاهة الفن أوصتها بشـــــــاعرها. أن لا تزال به النيران تذكيها
فإن خبت أوقدت بالهجر جذوتها وأن تعالت فبالإقبال تطفيها
وعند غضبتها شعر يـــــــّصالحها وعند رجعتها شعر يناغيها
ومغنم الفن من أوجاع فرقتها. كمغنم الفن من نعمي تلاقيها
وهكذا لا يزال الدهر ينــــشدها حلو القصائد تنديدا وتنويها
حتى يخلد بالأشعار صـــورتها وشعلة الفن لا تخبوُ بناديها
باقات شعري من أزهار روضتها كل القصائد فيض من معانيها
لوُلا هواها لما أبتدعـــــت قافية ولا نظمت من الأشعار ساميها
ولا ركبت بحور الشعر عاصيـــــة كمثل عصيانها شتى دواهيها
فكيف العنها ؟ أم كيف أجحدها ما كان من وحيها أو من أغانيها ؟
إني أحدد شيئا من ملامحها ولست أرسم إلا بعض ما فيها
وكيف أرسمها رسما يحققها ؛ وهى الطبيعة فى أحلى مجاليها .

