الفجر لذيذ النسمات . اللون الأخضر على الأغصان والهضاب . قرص الشمس أحمر نارى ملتهب ، ما آنفك يتملص رويدا رويدا ، يصاعد من من موجات الضباب الطافحة على وهاد مدينة بودابست ورباها ، المتشبثة بصوامع كنائسها ، المتسلقة أبراج قصورها المتكبرة ، وحصونها العنيفة ، الفائضة على بطاحها النظيفة ، وبساتينها التى يينع فيها اللهو والعشق والرياضة
ألوان بودابست أحلام لم تفقد أصباغها ، ولا بريق بلورها تحت وقع شمس سبتمبر . والحر شديد وثقيل حتى الأصيل . وهذا نهر الدانوب الاشخم العريض ، الأصفر ، الأخضر الداكن ، الكستنائى ، ينساب هادئا تحت جسور من الصخر والفولاذ ، أقيمت في عهود الباروك ، والثورة ، والحداثة . وتلك البواخر البيضاء تتمايل على الضفاف . .
المجر لا بحر لها . والدانوب بحر لا ملح له ، وسمكة عذب . والعجيب ان صورته تنقلب الى صوت موسيقى طالما استمعت اليه . فحين يميل نحو سانت اندرى ، ثم يتدافع الى بلدة فيشفراد ، ليلتوى بين رباها المكللة بقصور العهد الوسيط ، وينعرج بين هضابها ومراعيها لا بد أن تتذكر موسيقى شتراوس
التاريخ شاهد عيان فى بودابست : فى الساحات الكبرى والصغرى لذلك ، فى الشوارع الواسعة الرئيسية ، فى بعض من الأنهج الخلفية الرتيبة المتواضعة نحوت ، وتماثيل عظماء المجر من فلاحين ثوار ، وشعراء ، وعمال ثوريين ، وملوك مؤسيسين ، ورؤساء قبائل نازحين ، ومقاومين فدائيين شاهرين أسلحتهم . . وهذا المقهى أو المطعم بلفاكس منطلق ثورة سنة 1848 ما زال محتفلا فى واجهة الزجاج بآثار الاحداث الجسام
تاريخ الظلم مر عديد المرات ببودابست : وهو ما برح يضج فى أعماق الحافظة المجرية : القبائل الوثنية تنتصب فى منطقة من سهول أوروبا
الوسطى على ضفاف الدانوب ) سوف تسمى فيما بعد : المجر ( تم ذلك خلال القرن التاسع الميلادي . ثم تنصرت - عنوة - هذه القبائل النازحة ، فى عهد اشتيفان مؤسس الدولة المجرية . فضاعت ملاحم تلك القبائل ، أو حكم عليها بالاهمال ، بل بالنسيان
الغزو التركى يجتاح البلاد ، ويستولى على بودابست فى القرن السادس عشر لتقرع سيوله فيما بعد أبواب مدينة فيانا . ويتفشى الدمار والخراب ويجثم الغزو على المجر قرنا ونصف قرن . ماذا بقى من البصمات التركية على ارض المجر ؟ سطحيات : حمام ، وتربة فى بودابست ، منارة ومصلى فى بيتش ، وبنايات أخرى محقورة مبعثرة
جبروت سلالة الهبزبورف الاجنبية تلحق المجر بالنمسا الحاق العنف والقتل . فتصير دولة ذات رأسين . لكن الميزان يميل نحو الثقافة الجرمانية ، وينصرف عن حضارة المجر ، ومجتمعها ، وتوقها الى التقدم ويقود الثورة على التأخر ، والاقطاع ، والظلم الملكى سنة 1848 شاعر عبقرى شاب اسمة شندور بيتوفى ، فتوقظ الافكار الخامدة الخاملة ، وتزعزع أركان الاقطاع الثقيل المتأخر ، وتكسر شوكة سلالة الهبزبورف التى تنطفئ بانطفاء نيران الحرب العالمية الاولى . لكن جيوش قيصر تقتل ذاك الشاعر في زهرة شبابه .
الحرب العالمية الثانية كانت فاجعة المجر : انقسام في الصفوف ، وتعصب قومى أعمى ، وقتل الاحرار ، والتقدميين ، ومطاردة أهل الفكر والفن . واذا بالمجر ترزح تحت الظلم النازى الى أن فتحتها جيوش السوفيات .
ومنذ سنوات ، أقرت المجر لنفسها النظام الديمقراطى الشعبي الذي انهي عهود الظلم .
مليونان من السكان فى بودابست : خمس شعب المجر قد تجمع في هذه العاصمة الفائضة ، المتضخمة ، المترامية الاطراف على ضفاف الدانوب . وهى فى الاصل ، مدن ثلاث : أبودا ، وبودا ، وبست ؛ لكنها صارت اليوم مصرا واحدا يستقطب أغلب شؤون السياسة ، والاقتصاد ، والثقافة في البلاد .
البنايات الأثرية القليلة ، والرسمية المتعددة ذات أبهة هندسية ثقيلة ومزخرفة ، خشنة ومزركشة ، المدارج العريضة ، الأعمدة السميكة العالية
الردهات الشاسعة ، الأروقة المتفرعة والمتداخلة ، الغرف الطويلة ، الرخام الأبيض ، والأحمر ، والأخضر ، والمرمر المترف ، والأنصاب ، والنحوت والتماثيل ، والسقوف المنقوشة والمزينة المرتفعة . ذاك خلال عهد الباروك
رغم سواد الجدران ، فالشوارع نيرة . رغم تزاحم المعمار ، فالفضاءات الخضراء متوفرة . وجزيرة مرفيت هى جنة أيام الآحاد ، والعطل ، والسياح لكن آفة من آفات القرن العشرين : الاسمنت المسلح يغزو بودابست ، قلبها النابض ، وأجنحتها القاصية . ولئن كانت " الغرفتان - والمطبخ " أحد عناوين الديمقراطية ، فهى نتيجة حتمية للتضخم السكنى مهما كانت البلاد
كأنك فى بلاد غربية . وتتذكر رحلاتك الى رومة ، وباريس ، ومونيخ ، ولندن . نفس العلامات : شعور طويلة ، لحى غزيرة ، شوارب مفتولة أو متساقطة على جنبى الشفاه ، بلودجين عريض عند الأكعاب . هذا زى كثير من الشبان ، وبدون مركبات . أما الشابات ، فالكثير منهن أيضا يلبسن المبنى جوب ، والماكسى ، والبلودجين ، وفي السير رشاقة . ولا تدرى لم يستبد بلسانك بيت من الشعر القديم رغم انك لم تردده منذ عشرين سنة : حامل الهوى تعب يستخفه الطرب . . . وألوان اللباس أمامك مشعة حية والسلوك غير متشنج . والعين لامعة ، غير خجلة . والابتسامة ظاهرة والعناق شديد . والقبل بين المحبين تغدق بسخاء . والأصباغ الداكنة لا يحملها إلا الشيوخ والعجائز سنا - وأعتقد - فكرا يضا .
أوضح لى المترجم الشاب : المجتمع المجرى يحتفظ بأخلاقه العائلية ، ويستحى من الأمور الجنسية . رغم مظاهر العناق والاشتياق فى الشوارع وهى حديثة بعد كل شىء !
وسائل النقل متوفرة جدا . فاختر لك واحدة منها . اركب ، وتفرج الاشهار الكهربائى الملون فى كل مكان ، على كل مغازة ، على كل نزل ، على كل دكان. هل انا فى مجتمع الاستهلاك ؟ البضائع مكدسة . لكن نفس الاسعار موجودة وبارزة فى كل متجر . والانتاج الوطني يحتل الصدارة . أما الاجنبى فهو متنوع ، ومرتفع الثمن نسبيا . على كل ، فالعرض شىء والطلب شىء اخر ؛ رغم الازدحام الشديد ، والوقوف فى الصفوف طويلا بسبب حركة البيع البطيئة التى تسيرها الكنانيش ، والأوراق ، والفواتير والاقلام ٠٠ .
ليل بودابست منحوت بازميل من نور . فاتجه نحو نوادى الشباب فموسيقى البوب تضج ضجيجا . واسلك طريق المطاعم الشعبية ، فانك ستسمع نغمات التزيفان . وهل لك أن تنصت فى النزل الفخمة الى الرقصات المحرية لبرامس ؟ أما إذا دعاك المثقفون بترحيبهم الحار ، وعنايتهم الطيبة وضيافتهم التلقائية الى بيوتهم ، فانك ستسمع موسيقى كودالى وبيلا برتوك ، وعلى المائدة كأس من ماء الحياة
البرنامج حافل بالزيارات والمقابلات . وانت تحب المسرح ، وتحب الكتابة ، وتحب السينما ، وتحب فنون الرسم ، وتحب النقاش الفكرى . لكن هذا الجوع الثقافي الذي تتضور منه ، ماله لا ينصرف عنك ؟ أفلا تشبع وتروى على ذاكرتك تلك القصة الهندية التى تصور الجوع السرمدى : تاهت قافلة فى صحراء الموت أياما حتى أتت على زادها ، ومائها ، وكلابها فتدبرت الأمر ، فلم تجد بدا من استئناف السير . فاضطربت فى المهامه أياما أخرى ؛ وكاد اليأس يقتلها لو لم يبرز لأعينها قصر شامخ فى إحدى العشايا الرطبة . فدخلت القافلة القصر متلمظة ، شارهة ، ملهوفة . واذا بصاحب القصر يقدم اليها سفرة عليها أشهى الطعام واطيبه . فأكلت فاستزادته . فأحضر سفرة أدسم من الاولى . فاستزادته . فأمر لها بسفرة أفخر من الثانية . وكلما أكلت ، تفاقم قرمها حتى هلكت جوعا وعطشا .
من حضارة الجوع الهندية ننتقل الى حضارة الطقوس والحروب والأساطير الأشورية .
فلفامش عنوان مسرحية أخرجها كازيمير المخرج المجرى الشهير الذى سبق له أن قدم الى جماهير بلاده ألف ليلة وليلة وكاراكوز وخرافات صينية قديمة . وفلفامش هى من أعظم الملاحم البشرية التى تطرح قضايا الانسان الجوهرية كالحب ، والحرب ، والسلم ، ومصارعة الآلهة ، والسلطان ، وبناء الحضارة ، ومصير الانسان ، وموته وآخرته ، وتوقه الجامح الى الخلود وفلفامش هو اسم ملك مدينة أوروك القديمة الدهرية . وهو الملك الخامس في السلالة الملكية الاولى التى عقبت الطوفان . يقال انه عاش على عرش أجداده طيلة مائة وسبع وعشرين سنة خلال القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد وقد عثر الأثريون فى مكتبة الملك أشور بانيبعل على اثنتى عشرة لوحة تروى
أغلب ملحمة فلفامش . ويرى النقاد اليوم أنها تجسم احسن تجسيم عبقرية الفكر السامى القديم
تناول المخرج كازيمير هذه الملحمة ، فمسرحها ، ووضع على ركح طارطا سينهاز شخصيات هذه الملحمة مثل فلفامش ، وعشطار ، وإنكيدو وشمش ، وسيدورى ، وغيرها . وألبسها الملابس الأشورية . وبنى لها ديكورا طينى اللون فى ثلاثة مستويات مع مصطبين مدرجيين . واستغل كذلك أجنحة الركح ، وفاض على قاعة الجمهور . وعلى الجانب الأيمن من الركح ، وضع فرقة صغيرة من العازفين . وسلط الاضواء المتنوعة التلوين على الفضاء الركحى لخلق جو من الحلم ، والاستغراب ، والأساطير
والمسرحية ذات فصلين . وكل فصل منها يعالج ستة أناشيد كما جاءت فى الملحمة لان هناك وحدة فى الموضوع ، ووحدة فى تركيب الشخصيات . مما ييسر عمل المونتاج المسرحي الذي حققه المخرج
هذا العمل المسرحى إيجابى لا شك فيه . وهو - كما قال لى كازيمير يهدف الى إعلام الجماهير المجرية الواسعة العريضة بالثقافات والحضارات الاجنبية وكذلك القديمة . فكأن مسرح كازيمير مسرح تكوين وتثقف وتربية . ونحن إذا علمنا أن المواطن المجرى يتلهف على الثقافة والتثقيف فاننا نرى أن عمل كازيمير إيجابى وناجع لأنه استطاع أن يربط عرى الحوار بينه وبين الجماهير ، رغم أن هذا الحوار إعلامى فحسب . والعديد من مثقفى المجر يرون هذا الرأى ، فيساندون مسرح كازيمير ، ويساعدونه على إنجاز عمله الفنى . إلا أن الصحافة لا تقف منه نفس الموقف إلا قليلا . فلذلك هو محل جدال لا ينقطع ، خصوصا اذا غذتها أفكار مقننة تقول : إنه مسرح تلهية لا يحل شيئا من قضايانا !
على أن مثل هذه المسرحيات تشتمل على مخاطر فنية شتى لا يمكن أن يقع تجاوزها - أو بالاحرى - تلافيها الا ممن كانت له بصرة فنية نافذة
أحرجتنى هذه المسرحية إحراجا شديدا ، أحرجتني في استغلال الفنيات : فلم هذه الفرقة الموسيقية البارزة على الجانب الأيمن من الركح ؟ فهل يخدم حضورها الحركه الدرامية ؟ ولم هذه الألوان الكثيرة التى تتزاحم عل الفضاء الركحى ، حتى صارت - بحكم استعمالها الثقيل - أشبه شىء بأضواء
الكاباريات ؟ ولم هذا الفيضان على قاعة المتفرجين فى الممشى الايمن والممشى الأيسر ؟ هل هو مستعمل ليقول النقاد أن المخرج يتقن الأدوات المسرحية الحديثة ؟ والذي أحرجني أكثر ، هو هذا الديكور الثقيل الذى يشبه الى حد كبير ديكور أفلام سيسيل ب دى ميل الاميريكية وفلم سارق بغداد وفلم على بابا والاربعون حرامى ، أضف الى ذلك هذه الرقصات النسائية التى لا مبرر لها فى مثل هذه المسرحية
هذه المسرحية هى مسرحية طقوس بالدرجة الاولى ، لذلك ينبغى توخي البساطة مع الدقة الصارمة فى تركيب الشخصيات ، وتصميم الديكور ونحت الحركات والاشارات ، وضبط الاضواء ، وانتقاء الموسيقى ، حتى تكون المسرحية حفلا طقوسيا بالمعنى الدينى للكلمة ، لا عملا تقريبيا كما يعرف في مسرح البولفار ، أو المسرحيات التلفزية الرخيصة من النوع اللبناني والمصرى ، مع الأسف !
البساطة مع الدقة الصارمة هما اللتان تكفلان إيصال الشحنة الملحمية الكامنة فى هذه المسرحية الى الجمهور ، وهما اللتان تضمنان إبلاغ القضايا الانسانية الجوهرية الى المتفرجين الراغبين فى التكوين والتثقيف حتى يكون الخطاب المسرحي - فى نهاية الامر - خطابا مباشرا ، حيا ، ناريا متقدا ، ذلك أن الفن لا يحتمل الحلول المنقوصة .
وتمتاز مسرحية فلفامش ثانية بخروج كازيمير عن الطرق المسرحية المعبدة المجترة ، وبالخروج عليها كذلك ؛ كطريقة بريشت التى يلجأ اليها اليوم كل من هب ودب من قريب ومن بعيد ، لطبخ مسرحية أيا كان موضوعها ، ومهما كانت فنياتها ، وذلك باستعمال توابل التغريب ، وأبزار التلقين الضحل فى السياسة والاقتصاد ، فيصير ذاك الطبخ شكشوكة مسرحية ! واللوم ليس على بريشت بالطبع ، وانما على أولئك الذين ليس لهم خيال ، ولا عزيمة على الابتكار ، ولا نظرة شخصية الى الفن ، والى الحياة ، والى الكون ؛ وباختصار ليس لديهم ما يقولون . . .
وإنى أحيى كازيمير فى سعيه المسرحى من أجل فتح أبواب الخيال .
الوجه الآخر لهذه المشكلة قد تمثل فى مسرحية البخيل لموليار التى شاهدتها فى المسرح الخامس والعشرين ببودابست
عالج المخرج هذه المسرحية الكلاسيكية معالجة بريشتية . فتصور - طبقا لما جاء فى النص الذي بين يديه - أن سكان احدى القرى المجرية اعتزموا في منتصف السنوات الاربعين ) التى تصادف قيام النظام الديمقراطى الشعبى فى المجر ( تقديم البخيل لموليار الى الجمهور . لكن صعوبات خارجة عن نطاقهم حالت دون عرضها . وهي تتمثل فى موقف إيديولوجى يرى استحالة وجود بخيل بورجوازى فى مجتمع يطمح بكل قواه الى العدالة الاجتماعية ، والى الازدهار الاقتصادى ، والى إصدار عملية قوية تستطيع أن تواجه التضخم المالى الذى خلفه النظام السابق . فيتوقف سكان القرية ، وتكاد تنتهى المسرحية قبل ختامها . إلا أن أحد ممثلى الشعب المجرى يتدخل فى العرض ، ويعلن للسكان أن الحكومة ستصدر قريبا عملة جديدة إسمها " فورين " للقضاء على الاوضاع المالية الفاسدة ، فيفرح السكان بهذا النبأ ، وينشدون نشيد الثورة المجرية .
هذه المسرحية خليط توفيقى بين ثلاثة أساليب متباينة فى مستوى المعالجة الفنية وكذلك الايديولوجية . فأصل البخيل كلاسيكى ) صفة تركيب شخصية البخيل وعلاقتها بالشخصيات الاخرى فى سائر المواقف ( واقتباسها بريشتى ) صفة تقديم العرض من قبل سكان القرية حتى يحصل عنصر التغريب المطلوب ) ونظرتها الايديولوجية التى تشبه الى حد كبير النظرية الجدانوفية فى الادب والفن بل تتطابق معها ( نفي شخصية البخيل السلبية وتعويضها بالعناصر الايجابية ، ولا سيما بالدعاية الاقتصادية - ولو كانت هذه الدعاية حقيقة الواقع فى مرحلتها التاريخية المعينة ( .
الخلاصة أنك لا تشاهد مسرحية البخيل فى المسرح الخامس والعشرين ببودابست ، كما سبق لك أن شاهدتها لدى المحافظين أو رواد الطليعة فى المسرح العالمى ، بل انك تشاهد قراءتين إيديولوجيتين أعتقد أنهما لا تنسجمان للاسباب التالية :
نحن نعلم أن بريشت قد اثرى مسرح شكسبير ، وأغدق على المسرح لكلاسيكى والرومنسي صبغة الحداثة . كما أن المخرجين التقدميين المتشبعين ببريشت قد أثروا - هم بدورهم - راسين وكورناى وموليار وشكسبير وشلر وكلايست وقولدوني ولوفى دى فيفا واليخندو كاسونا والفريد دى وسى وغيرهم ، لأنهم قرأوا مؤلفيهم قراءة خلاقة مكنتهم من إحياء النص القديم بالاستدلال السياسى والاقتصادى والثقافى والحضارى القديم
وبتشريك الجمهور فى معالجة القضايا المطروحة على الركح فكان الاثراء المسرحى المأمول . أما جدانوف ، فهو نفى مطلق لاعمال المسرح الكلاسيكى والمسرح الرومنسى والمسرح البريشتى كذلك . لأنه يدعو الى تركيب البطل الايجابى ، والى هندسية الارواح والنفوس ، والى الدعاية السياسية والاقتصادية المباشرة . ولان أنواع تلك المسارح تعالج الاشكال الانسانية برمتها من نفس واجتماع وسياسة واقتصاد وحضارة . فأين مكان البطل الايجابى فى هذا الاشكال ؟ فشتان ما بين الدعوة الدعائية وأشكال الواقع الانسانى . فلهذا لا ينسجم جدانوف مع بريشت ، ولا مع موليار ، ولا مع شكسبير ، ولا مع أى كاتب أو مخرج يحترم فنه ، ويقدر الجمهور حق قدره رحم الله جدانوف ، وغفر له .
قالت لى صاحبة البيت بصوت رقيق مرتعش :
- : من تونس ؟ ! . وهل بلادك جميلة ؟ اجابها عوضا عنى فورا الكاتب هوباى الذى زار تونس والحمامات ومسرحها الدائرى فى الهواء الطلق ، خلال السنة الماضية . - : جميلة ، وفوق الجمال !
كنا صامتين صمت الخشوع ، فلا نتكلم إلا قليلا وهمسا . وأنا لا أدرى الآن لم كنا نصمت حينا ونهمس أحيانا . أكنا كالمريدين المقبلين على هياكل العبادة ؟ أم كنا معجبين أو لعلنا كنا مندهشين أمام اللوحات الزيتية التى يحفظها هذا البيت المضياف ؟
نظم هذه الزيارة الفنية الكاتب المسرحى المجرى هوباى فى إحدى عشايا بودابست الساخنة . وكان جمعنا الصغير يتألف من السيدة جوديت هورفات نائبة مدير معهد العلاقات الثقافية المجرية مع الخارج ، وأحد زملائها فى المعهد ، والمترجم الشاب ، وكذلك من صديقين للكاتب ؛ الاول : رحل قد تجاوز الخمسين فيما يبدو ، أشيب الشعر ، يتكلم الانكليزية ، والثاني امرأة شابة على ملامحها ، ونحافتها ، ورشاقتها سمات نساء الفياتنام ، أو هكذا خيل لى . كانت تحمل معها باقة أزهار أهدتها الى هذه المرأة العجوز - صاحبة البيت - التى تصون - بعد وفاة زوجها - لوحات لأكبر رسام مجرى : تشونفارى
ولد طيفادار تشونفارى كوستكا سنة1853 . وكان أول أمره يشتغل صيدلانيا ببلدة فاتش . ولما قارب الخمسين من العمر ، أتاه " الوحى " . فأمره بأن يرسم وتنبأ له بأن الرسم سيكون هدف حياته . فنفض الصيدلة من بين يديه ، وقصد ألمانيا ، وهناك درس فنى التصوير والرسم . فبعد أن تمكن منهما ، وتمكنا منه جاب البلاد . فرحل الى الشرق العربى . وزار لبنان ، ولا سيما القدس ، وأقام بهما ردحا من الزمن . ثم عاد الى بلاده فنبذته أسرته شر النبذ . فتقلب فى الشقاء ، وتضور من البؤس ، الى أن مات سنة 1919
أنتج تشونفارى عشرات اللوحات الزيتية ، لكن أسرته لم تتفطن الى قيمتها الفنية . فأعلنت أنها ستبيع بالمزاد العلنى قماش اللوحات ظنا منها أنه يمكن أن يكون شكائر وأغلفة أو نحو ذلك . وحضر أحد المهندسين المعماريين هذا المزاد العلنى . فما كان منه إلا أن اندهش أمام اللوحات فاشتراها جميعا ، وهو يسخر فى قرارة نفسه من هذه الأسرة التى تريد أن تتخلص من أعمال فنية نابغة . وهذا المهندس المعمارى هو زوج المرأة العجوز صاحبة البيت المضياف . وهذا المهندس هو الذى كرس جهود حياته فى سبيل التعريف بهذا الرسام النابغة
لا بد أن صواعق التصوف قد أصابت هذا الرسام . فهذه اللوحة العظيمة أمامى تحتل مساحة الجدار بأكملها . وهي تمثل شجرة وحيدة عظيمة من شجر الارز . ولعلها تمثل شجرة وحشية ، فظيعة المنظر ، رهيبة الوحدة ، مربعة العزلة بين هذه الطبيعة المحيطة بها . فالجذع منفلق ، والجذل كصدر إنسان صابر ومتوجع ، والأغصان عارية مشوكة حادة كذراع إنسان يسأل النجدة والرياح الهوجاء تمور فى فضاء الكون . ورأس الشجرة صامد . وعند أسفل الشجرة فرسان وخيول وحشية من بينها فرسان . الاولى بيضاء والثانية سوداء . وهما متواكبتان
وحين يتأمل الزائر للمرة الثانية فى هذه اللوحة يلاحظ أن سيوفا حادة قد طعنت صدر الشجرة وأيديها . فهل هذه الشجرة هي المسيح ؟ أم هل هي الرسام كما يتصور نفسه ؟ على أن عصفورا أو عصفورين يعتليان أحد الأغصان العالية . فكأنه أمل وكأنه ثمن أيضا . لكن ما هو تفسير تلك الفرس البيضاء وتلك الفرس السوداء ؟ ولم جعل الرسام هؤلاء الفرسان بخيلهم الوحشية فى صغر الأقزام عند جذع الشجرة ، بينما جعل الشجرة
رهيبة العظمة ؟ وهذه الألوان غير المشرقة : الأخضر الداكن ، الكستنائى الملطخ ، الأبيض الضارب الى الأشخم إلخ . . . ألوان توحى بالأسى . لكن - رغم ذلك - لا ينصرف الزائر عن اللوحة ، ولا يشبع من إدمان النظر فيها - كلا وأجزاء - بل كلما زاد يتأمل ويعيد مثنى وثلاث ورباع ، زاد تعلقا بها . فكأن فيها أعماقا بشرية لا تسير
اعترفت الحكومة بهذا الرسام النابغة بفضل جهود المهندس المعمارى . فأقامت له معارض . وأكرمته بعرض عدد من لوحاته فى الرواق الوطني وخصصت له متحفا بمدينة بيتش الواقعة بجنوب المجر . أما دار كوفينا للنشر فقد أصدرت كتابا ضخما جمعت فيه نسخا للوحاته مع تحليل مستفيض لفنه
قصدت متحف تشونفارى حالما وصلت الى مدينة بيتش التى تبعد عن بودابست بنحو مائتى كيلومتر
على الجدار اليمينى من قاعة المتحف لوحة ضخمة احتلت كافة المساحة . وهى تمثل بعلبك . نفس الاحساس بالنسبة لهذه اللوحة أيضا : الاندهاش
لوحات تشونفارى لا يمكن أن توصف بالجمال ، بل بالهول . اللوحة متركبة من ثلاثة مستويات المستوى الاول : الآثار الرومانية الباقبة فى بعلبك ، ظاهرة ، بارزة ، مصطفة ، منحوتة . المستوى الثاني : دور عربية بطوابقها الاولى ، أو بأسقفها الواطئة ، متناسقة بعض التناسق . المستوى الثالث : أكواخ ، وأكوام من الحجارة ، وانقاض آثار ، وبدو رحل ، ونخيل باسق ، والكل متداخل
التأمل الثاني فى اللوحة يبرز لك أمرا خفيا : صراعا حضاريا ضاربا . فالآثار القديمة بجلالها ، وهيبتها ، وثقلها تسحق ما جاء تحتها من المعمار المعاصر ) لنا ( نسبيا . وهذا المعمار المتناسق يسحق الاكواخ ، والاكوام ، والانقاض ، والبدو الرحل
التأمل الثالث فى اللوحة يوحى لك بأن مدينة بعلبك رغم فقرها أو بفقرها وحداثتها تحمل على رأسها هذه الاعمدة الرومانية الفاخرة ، كما يحمل فقير تاجا ملكيا مرصعا بالحجارة الكريمة
هذه اللوحة ثرية المعاني كسائر لوحات هذا الرسام الذى اتهم بالسذاجة حينا ، وبالتصوف المشعوذ حينا آخر ، وبشىء من الجنون أحيانا
أعتقد أن هذا الرسام لا يشبه الرسام " الساذج " دووانيى روسو ، ولا حتى الرسام العبقرى المجنون فان فوف . إذ نلاحظ فى أغلب لوحاته كالقدس ، والمبكى ، والسيدة العذراء ، وشجرة الارز ، وتريمونيا ، والرجل المغربي ، وغيرها نظرة فنية منسجمة موحدة فردية تستخدم الرمز فى أكثر من موطن ، وبالخصوص الرمز المغلق الذي يحتمل عديد التأويلات ، والكثير من المعانى ، والغزارة فى المقاصد ، مع الدقة فى رسم الجزئيات ، ومقابلة التناقضات كتلك اللوحة الرائعة التى قابل فيها الطبيعة الجيولوجية الهائجة الحائرة بالطبيعة الربيعية الهادئة المطمئنة
فى المجر حركة رسم جد نشيطة وثرية . ففضلا عن المتاحف الوطنية التى تحتضن أعمال كبار الرسامين القدامى من ايطاليين ، وإسبان ، وفرنسيين : وهولنديين ، والمان ، فقد برز رسامون نوابغ شاركوا مشاركة فعالة فى حركة الرسم العالمى ، ومن بينهم فاشاريلي رائد اتجاه السيناتيسم فى العالم اليوم . وقد عرض رواق يحيى البلدى بتونس العاصمة منذ سنتين عددا من أعمال هذا الرسام
كما توجد فى المجر حركة نحت . إذ انتظمت ببودابست فى أواخر شهر سبتمبر الماضى البيانال الخاصة بالنحت الصغير ، التى لاقت نجاحا جماهيريا كبيرا . وقد شارك عدد من الدول فى هذه التظاهرة الفنية الكبرى كالولايات المتحدة الامريكية ، وفرنسا ، والاتحاد السوفياتى ، ويوغسلافيا واستراليا ، وبلغاريا ، وبولونيا ، وبلجيكا ، وهولندا ، والمانيا ، واليابان . . وبقيت مكانة تونس فى هذه البيانال شاغرة
هناك مدن تذكرك بمدن أخرى دائما فسانت أندرى هى سيدى بو سعيد المجر وأصيلة هى سيدى بو سعيد المغرب الأقصى أجيال وعهود تتظافر فى سبيل خلق مدنية فنية فسانت أندرى التى تبعد عن بودابست بعشرين كيلومترا تتسلق ربوة ، وتشرف على نهر الدانوب ، كما تشرف سيدى بو سعيد على البحر الابيض
المتوسط ، وأصيلة على المحيط الاطلسي . فالأنهج ضيقة ، والزقاق ملتو والارض مبلطة ، والبيوت تقليدية البناء . والقصور ذات طابع معماري محبب الى النفس . والبساتين ملأى بالاشجار العظيمة . وعلى شرفات النوافذ أزهار العطرشية .
تتوسط سانت أندرى ساحة كبرى ، يستغلها رجال المسرح فى الصيف لتقديم عروضهم
بها أيضا محلات لبيع منتوجات الصناعات التقليدية الثمينة ، والتحف ، والأثاث ، وأخرى لبيع الخمر المعتقة ، وبها كذلك متاحف تحتفظ بالفنون التشكيلية .
وسانت أندرى هى موطن فنانى المجر ، وملاذهم المختار
بهذه المناسبة زرت متحف مرفيت كوفاتش . ومرفيت كوفاتش أسم الخزافة المجرية الشهيرة . فى هذا المتحف عالم عجيب . بفضل الطين والنار استطاعت مرفيت كوفاتش أن ترتقى بحرفة الخزف البسيطة إلى مصاف الفنون الكبرى . فجعلته نحتا قائما بذاته ، ينافس نحوت الحجر ، والرخام والمرمر ، بالإضافة الى قيمة الزينة التى يتضمنها ، مع الدقة والاحساس الحاد ، وبصفة عامة ، مع جودة التعبير
عالجت مرفيت كوفاتش الكثير من المواضيع والمنازل الانسانية القارة ، كالشباب والطفولة والشيخوخة ، الولادة والموت ، النشيد والنواح لأعراس ومواكب الجنائز ، الفلاح المثابر والحرفى المجتهد ، الفارس النبيل والجندى الأجوف ، الملك الطيب والساحر المشعوذ الخ . .
أعجبتنى قطعتان من الخزف فى هذا المتحف :
خمس نساء ، فتيات وعجائز ينتظرن عودة رجالهن من الصيد . وعلى وجوههن ، وأيديهن ، ووقفتهن علامات الصبر ، والحيرة ، والقلق ، والخوف والحنان .
مجموعة من الرعاة يتوكأون على العصى ، وهم يشرئبون بأعناقهم وينظرون الى أين بعيونهم الزرقاء اللازوردية ؟ الى أغنامهم ؟ الى كل ما يحيط بهم ؟ الى الأفق ؟ الى الله ؟ الى الفراغ ؟ أو الى نفوسهم متأملين ؟
كانت الجلسة مع السيد تيمار كاتب عام بان كلوب المجر ممتعة جدا . فهذا الرجل المثقف الكاتب هو دينامو الادب المجرى الحديث ، وهو المعرف به وبرجاله على الصعيد العالمى
وحق للمجر أن تؤسس بان كلوب لتربط عرى الحوار مع العالم . وحق لها ايضا ان تضع على رأس هذه المؤسسة الادبية القوية رجلا نشيطا كالسيد تيمار .
لغة المجر لغة يتيمة فى العالم . فليس هى من شعبة اللغات اللاتينية ولا شعبة اللغات السامية ، ولا شعبة اللغات السلافية . بل ، قد تكون لها شبه علاقة بعيدة بلغة فنلندا . فهى إذن لغة ذات انتشار دولي محدود ومحدود جدا إذ لا يتكلمها إلا قرابة عشرين مليونا .
أما أدب هذه اللغة اليتيمة فهو زاخر ، وقوى ، وذو نبوغ لا شك فيه . فله من الكتاب ، والشعراء ، والمسرحيين ما ينافس أدب أية بلاد راقية أخرى وما يجعله يتبوأ مكانا مفضلا فى الصدارة العالمية اليوم
فمن منا لا يعرف الناقد جورج لوكاتش ، والكاتب الروائى تيبور ديرى ، والشاعر جوليا إياش ؟
ولعل الشعر هو الذي يحتل المكان الاول فى الادب المجرى قديما وحديثا بفضل هذه اللغة المطواعة ، بسبب مرونة صرفها ، واختصار نحوها وببساطة تركيبها . فالكلمة الواحدة اذا ألحقت بها لاحقا أولا ثم ثانيا ربما تجعل منها جملة مفيدة . لذلك كانت لغة المجر شعرية بالدرجة الاولى فالشعر هو تشويش فنى للمفردات
للمجر شعراء نوابغ كبار . أذكر من بينهم شندور بيتوفى الذى قال من يسيطر على السياسة فقد سيطر على الشعر "
قد يكون شندور بيتوفى أكبر شاعر مجرى الى اليوم . فلقد عاش فى بداية القرن التاسع عشر . وخلف أعمالا شعرية بالغة الاهمية . ولقد بدأ حياته الشعرية رومنسيا متشبعا بأجور آثار الرومنسيين الفرنسيين والالمان والانجليز ونقل بعضها الى لغته القومية . ثم انقلب ثوريا بايقاد ثورة 1848
لقد أحببت هذا الشاعر لأنى وجدت فيه بعض ملامح أبى القاسم الشابى . فكلا الشاعرين ، عاش شابا طوال حياته ، ومات شابا . وكلاهما بدأ
رومنسيا وانتهى مناضلا ، وكلاهما ذو حساسية مرهفة ، وفكر متوقد ، وعزيمة قوية .
والغريب أن هذا الشاعر النابغة لم يحظ الى اليوم بترجمة عربية جيدة إذ الموجود بين ايدينا الآن ترجمة عربية ساقطة خربشها أحد الشعارير المصريين
كما أنه من الغريب أن يبقى أبو القاسم الشابى غير مترجم الى لغة المجر إطلاقا ، بينما دار " أوروبا " الكبرى للنشر تعرفه ، وقد ترجمت أعمال نوابغ العالم واصدرتها فى مئات الآلاف من النسخ
وللمجر أيضا كتاب كبار فى القصة والرواية . لكن عددهم فيما يبدو اقل من عدد الشعراء ، وانتاجهم أقل كذلك
على أن هناك تيبور ديري ) الذي ترجمت له مجلة الفكر منذ سنوات احدى قصصه القصيرة بقلم محمد العربى عبد الرزاق ( وهو من أكابر الروائيين بالاضافة الى سيسمون موريز صاحب رواية " الأسرة " وهو أهم ممثل للاتجاه الواقعى النقدى فى الادب المجرى الحديث ، كذلك ناجاى لايوش وسيبيرنيي ليهيل
والصنف الثالث هو كتاب المسرح . لكن عددهم قليل جدا اليوم ، قرأت لأثنين منهم أخيرا . الاول اسمه هوباى وهو الرجل الفنان الذي نظم تلك الزيارة التى تحدثت عنها فى الصفحات السابقة
قرأت له مسرحية جيدة عنوانها " أبو الهول " وهي تشهد لهذا الفنان بالمقدرة فى الكتابة المسرحية . وهى وإن كانت تعالج إحدى مشكلات الميثولوجيا اليونانية ) وهى مشكلة أوديب الملك ( فهي تتسم بهذا الاتجاه المصطلح عليه فى المجر بالفظاعة الساخرة ) Le grotesquee
سي ٤.١ كما قرأت مسرحية " الحمام " للكاتب جورجاى فابور . وهى ذات فصل واحد . وترى قصة عرف ، وقلفة ، وصانع يشتغلون باعداد حمام واصلاحه وتجهيزه بالصنابير ، والحلاقم ، والاجعاب ، والانابيب . وكل شخص فى هذه المسرحية كأنه يشتغل بمفرده . فالعرف يتلقى الاوامر وينفذها ويدير الاشغال ، والقلفة ينافق ويسب ويشتم ، والصانع يحلم ويتمنى . وبعد حين تنتهى الاشغال . ونسمع صوتا فى آخر المسرحية يقول أن الحمام جاهز الآن لاستقبال المحكوم عليه بالاعدام بالغاز !
والمسرحبة مركبة كقصص تشيخوف القصيرة . إذ لا يشعر القارىء ) أو المتفرج ( أن الموضوع الذى يتحدث عنه الكاتب فى معظم المسرحية ليس هو بالموضوع الاساسي ، بل هو تعلة بسيطة لبلوغ ما يريد أن يقوله الكاتب إذ " القفلة " هي التى تعنى كل شىء .
وأغلب الظن عندى أن هذه المسرحية الجيدة تنتمى هى أيضا لاتجاه الفظاعة الساخرة ، لانه من الفظاعة ألا ينتبه الاشخاص الثلاثة الى أن الحمام ليس مكانا لاعدام الناس بالفاز . ومن السخرية بالمنزلة الانسانية الشقية أن يعتق الاشخاص فى جدوى عملهم وان يقنعنا اعتقادهم بفعالية جهودهم . لكن الخاتمة المسرحية توقظنا ، وتفزعنا ، وتجعلنا نرتاب فى كل شىء !
هذا الأدب المجرى الثرى الذى لم أعرف منه إلا عددا قليلا من المؤلفات لا يد له من رئة ثانية يتنفس بها . ذلك هو تفكير المجر ، ولا سيما مؤسسة البان كلوب التى ينشطها السيد تيمار . والرئة التى أعنيها هنا هى الترجمة رحمة الاعمال الفكرية والفنية المجرية الى اللغات العالمية كالانكليزية والالمانية ، والفرنسية ، والاسبانية ، والروسية ، وغيرها . وقد شجعت الحكومة المحرية هذه المؤسسة ، ورصدت لها أموالا طائلة
النشاط الادبي المجرى قوى جدا . ففي بودابست تصدر مجلات عديدة أولها محلة البان كلوب وهي تعنى بترجمة الاعمال الادبية المجرية الى اللغات العالمية . الثانية هي أكثر من مجلة ، بل هى رزناامة شعرية واسمها آرييو حيث يتلاقي الشعراء من جميع آفاق الدنيا . ومن المؤسف انه لا وجود لاى شاعر عربي ! وثمة مجلة ثالثة مختصة بترجمة الاعمال الفكرية والفنية العالمية الى اللغة المحرية . بالإضافة إلى جريدة ثقافية اسبوعية تصدر يوم الجمعة وهي تغطى جميع الانشطة الثقافية فى بودابسست ، مع نشر قصة وقصائه وعروض نقدية عن الكتب ومعارض الرسم والسينما والمسرح
شعب المجر شعب قارئ ؛ يحب المطالعة ، ويقتني أثمن الكتب . فدار " أوروبا " للنشر - وهى دار كبرى - متخصصة فى ترجمة أعمال أعلام الادب فى العالم قديما وحديثا . وإنك تجد فى دليلها قات ، وشكسبير وهوقو ، وشيللر ، وبيرانديلو ، وبودليير ، وسيرانتاس ، وغيرهم . لك حين تبحث عن تأليف عربي فلا تظفر الا " بأيام " طه حسين ، ومجموعة قصص مغربية .
إن كل تأليف يطبع فى هذه الدار بعشرات الآلاف من النسخ حتى يبلغ أحيانا مائة وثمانين ألف نسخة ! زيادة على ان كل تأليف يطبع على ورق " بيبل " ! ولا يباع أكثر من دينار واحد !
هذه الارقام خيالية فى مجال النشر فى العالم العربى . وكذلك فى العالم الغربى الاوروبى
ويعتزم البان كلوب المجرى إقامة معرض فى باريس ليطلع المواطنين الفرنسيين على أن كتابهم يحظون بالمطالعة والقراءة من طرف قراء المجر ، أكثر مما يحظون به فى بلادهم
أما دار " كورفينا " - وهى دار كبرى أيضا - فهى تعنى بتصدير الادب المجرى القديم والحديث الى العالم عن طريق ترجمتها الى اللغات العالمية . كما تعنى أيضا بنشر الكتب الفنية المتعلقة بالفنون التشكيلية المحرية والدولية ولهذه الدار نشر متقن وفنى جيد . وتطبع كل تأليف فيما لا يقل عن عشرة آلاف نسخة
بالاضافة الى هذين الدارين الكبيرتين ، ثمة دور أخرى ، وكل منها فى ميدان ، كهذه الدار التى لا تنشر إلا الروايات البوليسية !
وللكتاب المجريين مؤسسات تدافع عن حقوقهم المادية والمعنوية . مثل مده المؤسسة التى تشبه جمعية حقوق المؤلفين فى تونس . لكن دور المؤسسة المجرية أشمل إذ هى تجمع كافة المنتجين فى ميادين الآداب والفنون على اختلاف أصنافهم ، وهي التى تدفع لهم حقوقهم المادية بعد ترويج أعمالهم فى النشر ، والتوزيع ، والاذاعة ، والتلفزة ، والاسطوانة ، والمجلات والمسارح ، داخل المجر وخارجها
ولا يفوتني أن أذكر هذه المؤسسة اقترحت فى المؤتمر العالمي لحقوق التأليف أن تقدم يد المساعدة الى البلدان السائرة فى طريق النمو في مجال استغلال الآداب العالمية بالترجمة ، والترويج الاذاعي والتلفزي والركحى . ومن المعلوم ان المؤتمر صادق على هذا الاقتراح المجرى الايجابي
به مؤسسة ثانية لها دور كبير وحاسم فى إخصاب الادب المجرى الحديث . وهى اتحاد الكتاب المجريين الذي يستقطب أكثر من مائة عضو في بودابست وحدها . وقوانينه الاساسية والداخلية تشبه قوانين اتحاد الكتاب التونسيين الاساسية منها والداخلية . لكن يضاف اليها . ان اتحاد الكتاب المجريين يساعد أعضاءه - فى حدوده إمكانياته المتواضعة - بمنح عدد قليل
منهم منحا مالية يتمكنون بها من انجاز عمل ادبى أو بالسعى الحثيث الى مؤازرة حياتهم المادية
ان أغلب كتاب المجر هم من الموظفين ومن سلك التعليم ، وإن أقلهم هم من المحترفين للكتابة والادب . وهم الذين استطاعوا أن يكونوا لأنفسهم شهرة قوية لدى القراء ، فيعيشون من واردات أعمالهم
لقد صرح لى جميع من استطعت الاتصال به فى هذه المؤسسات انهم يرغبون كل الرغبة فى التعاون مع المؤسسات المماثلة فى تونس ، وكذلك مع الكتاب والفنانين
وبمناسبة نشر هذه " الأيام " ألفت نظر المسؤولين عن دور النشر التونسية ان لهم فائدة كبرى فى التعاون الجدى مع زملائهم المجريين ، لان الكتاب التونسي ، والكاتب التونسى هما فى حاجة ماسة الى التعريف والترويج . كما ان الكتاب المجرى والكاتب المجرى هما فى مرتبة يسمح لهما بفضلها بالتعريف بهما فى تونس ، ومن تونس فى اقطار العروبة
السيارة تعدو على مقربة من ضفة نهر الدانوب ، بين الحقول الخضراء ، المناظر الطبيعية الهادئة ، والفلاحين العاملين تحت وهج الشمس . لقد دعاني كوفاتش المخرج السينمائى الى حضور تصوير مشهد من شريطه الأخير ٠٠
فى الأيام الأولى من إقامتى ببودابست تمكنت من مشاهدة عدد من أفلامه التى عرضت ضمن " أسبوع " خاص به ، فى قاعة بانياش . أعجبتني جميع افلامه . على أني إذا أردت أن أختار منها واحدا ، فهو بدون شك " ايام الصقيع " الذي لم يعرض - مع الأسف - خلال الاسبوع السينمائى المجرى الاخير الذى أقيم بتونس
كوفاتش صاحب باع فنى قوى ، وذو تفكير ايديولوجى معارض ، لكن معارضته هى داخل الصفوف كما يقول ذلك كوفاتش بنفسه
و " أيام الصقيع " يروى قصة الشرذمة من الفاشيست المجريين الذين اعدموا اخوانهم في الوطن ايام الحرب العالمية الثانية .
وكانت معالجة هذا الفلم فنية ودقيقة الشكل ، واقعية الاتجاه ، مباشرة الخطاب لا التواء فيه ، ولا مراضاة للمتفرج ، ولا تملق لمشاعره ولافكاره مهما كانت . واعتقد ان كوفاتش الذى يلاقي معارضة فكرية فى بلاده ، إذ ينعته النقاد والصحفيون بالفنان المثقف الذي لا يعرف كيف يخاطب الجماهير
الكبيرة الواسعة بسبب افلامه الذهنية ، قد رسم طريقا فنية للسينمائيين واتجاها أيديولوجيا أمينا مخلصا لفائدة بلاده
شاهدت ايضا " من أجل إلكتر " للمخرج ميكلوش يانشو . هذا الفلم بديع ، من جميع نواحى الاخراج والتمثيل والديكور
و " من أجل إلكتر " قراءة جديدة وثورية لقصة إلكتر اليونانية القديمة . فلقد جعل يانشو إلكتر هى الثورة الخالدة . لا تموت إلا لتحيا . ولا تتعذب إلا لتنتصر . ولا تسجن إلا لتحرر من جميع قيود الزمن وهذا اللون من الافلام أحبه وأعجب به ، لأنه استطاع ان يجعل الفن السابع فنا كاملا يستقطب جميع امكانيات الآداب والفنون ويصهرها فى بوتقة واحدة ، وهى الصورة
ويانشو ليس غريبا عن تونس . فلقد أتى الى بلادنا منذ سنتين ، وأعجب بالمناظر الطبيعية فصور شريطا لحساب احدى الشركات الدولية
ولعل يانشو أكبر مخرج سينمائى مجرى . فمن ينسى منا فلمه لبديع : * المقطوعو الآمال وفلمه الآخر : " الترانيل الحمراء "
هذان الشريطان اللذان عرضا فى نوادى السينما بتونس منذ سنوات . فاهتزت قلوب المتفرجين معهما أيما اهتزاز
إن المجر يحتل المكانة الاولى فى مجال السينما الاشتراكية اليوم . ثم تأتي بولونيا . وثالثا الاتحاد السوفياتى . وإن المكانة الاولى التى تحتلها لا من حيث عدد أفلامها ، بل من حيث قيمة الاخراج والتمثيل . وهذا راجع ، بالطبع ، الى تشجيع الحكومة للقطاع السينمائى ، وتمويله ، وتحريره من عقبات المنع والرقابة والتوجيه والوصاية ، ودفع الفنانين الى العمل المتواصل المثابر الرفيع
هذه ملامح وعلامات من ثقافة المجر اليوم ، سجلتها فى هذه الصفحات القليلة ، أعتقد ، أنها أمينة .
إذا قصرت فى الوصف والضبط ، فذلك مرده - بدون شك - الى الايام القليلة التى قضيتها بالمجر ، ولا سيما ببودابست
فمن هو الذي يستطيع ان يتعمق ثقافة بلاد تختلف كل الاختلاف عن بلاده ، وان يعرف قضاياها ، وأن يلم بجميع جوانبها خلال شهر ؟ إذا قصرت فى هذه الصفحات ، فان الذين استضافوني لم يقصروا في أى شئ . فاليهم شكرى .

