الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "المنهل"

ايران فى عهد الدولة القاجارية

Share

تاريخيات

محمد شاه يستانف محاصرة هرات :

ذكرنا في فصول سابقة ان محمد ميرزا كان قد سار على رأس قوة ايرانية لمحاصرة مدينة هرات في حياة والده الامير عباس ميرزا ، ولكن وفاة عباس ميرزا أثناء الحصار اضطرت محمد ميرزا إلى رفع الحصار عن المدينة والعودة الى مشهد ، ثم صدرت اليه أوامر جده فتح على شاه القاجارى بالتوجه الى العاصمة طهران حيث عين وليا للعهد خلفا لوالده عباس ميرزا ، ورغم اعتراض أبناء العاهل القاجارى على ولاية محمد ميرزا للعهد ، فقد عينه فتح على شاه وليا للعهد ، كما أسند اليه قيادة القوات الايرانية فى الجبهة الشمالية خلفا لوالده

بعد مقتل الميرزا ابو القاسم القائم مقام رئيس وزراء ايران في عهد محمد شاه ، هم بعض الامراء فى شرق ايران باستغلال الاوضاع المضطربة التى تلت قتل القائم مقام ، وأعلنوا الخروج عن سلطة الدولة القاجارية ، فتمكن بعض حكام نواحي خراسان من استمالة القبائل التركمانية وشرعوا يهاجمون نواحي ) جرجان ( .

خرج محمد شاه الغازى من طهران في ربيع الثاني سنة ١٢٥٢ ه على رأس ثمانين ألف جندى فى طريقه الى خراسان لتأديب الخارجين عليه ، وسلك طريق دامغان - سمنان ، وعسكر بالقرب من مدينة بسطام . أراد محمد شاه أن يدرس الاوضاع الداخلية فى كل من افغانستان والمستعمرات البريطانية فى الهند قبل الدخول فى حروب مع الخارجين عليه فى شرق ايران

كان الوضع السياسي الداخلى فى افغانستان في ذلك الوقت ملائما لأهداف محمد شاه الذى كان يفكر في ضم افغانستان التى كان الحكام الايرانيون يعتبرونها دائما جزءا لا يتجزأ من الاراضى الايرانية . فقد كان يحكم هرات فى ذلك الوقت الامير كامران ميرزا بن محمود ميرزا من أسرة الدرانى ، وكان محمود من صنائع الدولة القاجارية والموالين لها . كما كان دوست محمد خان من أسرة الباركزائي يحكم مدينة كابل ، التى استطاع الاستيلاء عليها سنة ١٢٤٥ ه وظل هو وأبناؤه يحكمون افغانستان الشرقية . وكان دوست محمد خان أيضا لا يخفي ميله الى البلاط القاجاري ،

وكان في امكان محمد شاه الغازي في تلك الظروف وبمساعدة الحكام الافغانيين القضاء على النفوذ البريطانى واحتلال افغانستان الشمالية .

علم قلم المخابرات البريطاني بنية محمد شاه الغازي في الاستيلاء على افغانستان الشمالية ، كما علم بالروابط الحسنة القائمة بينه وبين دوست محمد خان الباركزائى حاكم كابل ، لذلك سارعت بريطانيا سنة ١٢٥٢ ه - ١٨٣٦ م الى ارسال بعثة اقتصادية فى ظاهرها ، سياسية فى حقيقتها الى كابل برئاسة الكساندر بيرنيز ممثل الحاكم البريطاني العام في الهند اللورد اوكلند .

طلب دست محمد خان الباركزائى من البعثة البريطانية أن تسعى لأخذ اعتراف الحكومة البريطانية بحكمه فى كابل ومساعدته لاحتلال مدينتى بيشاور وهرات ، إذا أرادت أن لا يمد يد المساعدة لمحمد شاه القاجارى .

وبينما كان دوست محمد خان الباركزائى يجرى محادثاته مع أعضاء البعثة البريطانية فى كابل وصل اليها الكابتن الروسى ويتكاوفيتش بصفته ملحقا تجاريا لروسيا فى كابل . ولما كان دوست محمد خان الباركزائى يطمع فى عون بريطانيا له فى احتلال بيشاور وهرات ، والاعتراف بحكمه فقد رفض مقابلة الملحق التجارى الروسى خاصة بعد أن علم دوست محمد خان أن الملحق الروسى كان يحرض اخاه : كهندل خان اخا دوست محمد خان ، على الخروج عليه والاستقلال بمدينة قندهار .

وافقت البعثة البريطانية على مطالب دوست محمد خان الباركزائى المتعلقة

باعتراف بريطانيا بحكمه على كابل ، ووعدته بتقديم عون مالى . أما فيما يتعلق برغبته فى الاستيلاء على بيشاور فقد اوصوه بالتفاوض مع حاكم لاهور الهندوكى رانجيت سنكه حول الموضوع ، واخبروه بأن احتمال نجاح مفاوضاته مع الحاكم الهندوكى كبير شريطة ان يدفع له فى كل عام مبلغا من المال مقابل احتلاله لمدينة بيشاور .

عندما رفعت البعثة البريطانية تقريرا بنتائج محادثاتها مع دوست محمد خان الباركزائي في كابل الى الحاكم البريطاني فى الهند رفضها رفضا باتا ، وكتب الى دوست محمد خان ان عليه قبل كل شئ ان يطرد ويتكافيتش الملحق التجارى الروسي من كابل ، كما يجب أن يكف عن اطماعه فى الولايات الهندية الخاضعة لحاكم لاهور ، وان لا تحدثه نفسه في الاعتداء عليها .

وعندما رفض دوست محمد خان الباركزائى اوامر الحاكم البريطاني في الهند اصبحت المحادثات التى اجراها الجانب الافغاني والبريطاني في كابل ملغاة .

ايران وروسيا تتفقان على غزو هرات

كانت سياسة روسيا فى الشرق تقوم على اقلاق أمن بريطانيا فى آسيا ، لذلك وافق نيكولاى قيصر روسيا على دخول بلاده وتضامنها مع ايران فى الحرب لاحتلال مدينة هرات . وقام السفير الروسى فى طهران بشرح موقف بلاده لمحمد شاه القاجارى ، كما أبدى القيصر الروسى رغبته في الاجتماع مع محمد شاه القاجارى

فطنت بريطانيا لهذا الاتفاق الروسى الايرانى لغزو هرات فسارعت الى تشديد رقابتها على كلتا الدولتين ولجأت كعادتها الى شراء ضمائر وذمم الحكام الموالين

للقاجاريس كي يحول بين محمد شاه وغزو افغانستان . واشتدت المنافسة بين روسيا وبريطانيا ايهما يستطيع جلب ايران الى صفها .

كان هدف محمد شاه القاجارى من حملته على شرق ايران هو اعادة الامور إلى نصابها وتأديب الولاة الخارجين عليه . ولكن موافقة روسيا على مساعدته فى حرب تحرير افغانستان الشمالية من السيطرة البريطانية جعله يفكر في غزو افغانستان كلها لاعادتها الى الوطن الأم ايران .

جاء نيكولاى الاول قيصر روسيا الى القوقاز للاشراف على الأوضاع فى الأجزاء الروسية الجنوبية وطلب من محمد شاه القاجاري الذي كان معسكرا فى مدينة بسطام ان يأتي الى القوقاز لملاقاته فأرسل محمد شاه ابنه ناصر الدين ميرزا البالغ من العمر ثمانى سنوات وحاشيته المكونة من الميرزا محمد خان زنكنه أمير الجيش والميرزا تقى خان الفراهانى وزير الحربية ، وواعظا من علماء الدين ، وعددا من رجال البلاط والاعيان ، وتوجه الجميع الى مدينة يروان حيث وصلوها فى شهر رجب سنة ١٢٥٣ ه الموافق سنة ١٨٣٧ م فاستقبلهم نيكولاى استقبالا حسنا ، ووعد ببذل أقصى ما يمكنه لمساعدة ايران فى فتح مدينة هرات .

صمم محمد شاه القاجارى على غزو هرات وفي شهر رجب سنة ١٢٥٣ ه وصل إلى مشهد ، وبعد أن قضى فيها شهرا أعد خلاله قواته لاحتلال مدينة هرات اتجه صوب ) غوريان ( . أراد محمد شاه أن يحتل قلعة غوريان قبل بدء حملاته على هرات وكانت القلعة فى حراسة قوات حاكم هرات : كامران ميرزا ، ووزيره يار محمد خان

وعندما علم كامران ميرزا باقتراب القوات

الايرانية من القلعة كلف أحد قواده ويدعي شير محمد خان ، وهو اخو وزيره يار محمد خان ، بحراسة القلعة وصد تسلل القوات الايرانية اليها . وخرج كامران ميرزا ليلا من مدينة هرات للاغارة على الوحدات الايرانية ، وعندما اصطدم بها اندحرت قواته وهزمت ، وفر كامران ميرزا ليتحصن فى القلعة التى سقطت بعد عشرين يوما من الحصار ، فاستسلم كامران ميرزا وانضم الى القوات الايرانية

وقبل أن يغادر محمد شاه القاجارى غوريان كلف فرقتين من قواته بالبقاء فى القلعة والدفاع عنها ثم واصلت القوات الايرانية تقدمها نحو مدينة هرات ، وفي أوائل شعبان سنة ١٢٥٣ ه وصلت الى نهر ) نقره ( بالقرب من هرات .

كان الاستيلاء على قلعة غوريان ضروريا بالنسبة للقوات الايرانية التى لم يكن زحفها في المنطقة الجبلية في افغانستان ميسورا لولا ضمان الامدادات التى كانت تصلها من القلعة ، ومع ذلك فان الاستيلاء على مدينة هرات لم يكن ممهدا أمام الايرانيين لمجرد استيلائهم على القلعة ، فان طبيعة المنطقة الجبلية وعدم توافر الآلات اللازمة التى تمكن الايرانيين من محاصرة المدينة جعلهم يواجهون صعوبات كبيرة

ومن ناحية اخرى فقد شرعت بريطانيا تعمل بكل قوتها للحيلولة بين محمد شاه والاستيلاء على المدينة ، لأن سقوطها يعني تهديدا مباشرا للمصالح البريطانية في المنطقة ، لذلك فقد جاء السفير البريطاني السير جون ماكنيل إلى هرات بعد سقوط قلعة الغوريان وأخذ يغرى كامران ميرزا بالفرار واستئناف القتال ضد محمد شاه ، وتعهد له بأن الحكومة الهندية وشركة الهند

الشرقية سيقدمان لهم العون المعنوى والمادى اللازم ، كما طلب السفير البريطانى لدى ايران من الضباط البريطانيين الذين احضرهم معه من طهران والذين كانوا يدربون القوات الايرانية ثم سرحوا من الخدمة مطلب منهم مساعدة كامران ميرزا والقتال الى جانبه ، وكان من بين الضباط الايرانيين الذين انخرطوا في خدمة الجيش الافغاني بوتنجر اختصاصي مدفعية الميدان الذي كان لخبرته الفائقة فى المدفعية أثر فعال فى تقوية الروح المعنوية للجنود الأفاغنة مما أدى إلى تفانيهم في مقاومة القوات الايرانية .

ظلت الحروب دائرة بين القوات الايرانية والافغانية سنة كاملة ، لم يستطع خلالها أى طرف أن يحقق على الآخر نصرا يذكر ، وكانت قلاع المدينة لا تكاد تسقط في يد القوات الايرانية حتى تستعيدها قوات كامران ميرزا بعد أيام

وفي أواخر سنة ١٢٥٣ ه - ١٨٣٨ م جاء السفير البريطاني السير جون ماكنيل الى المعسكر الايرانى خارج مدينة هرات ،

ودخل مع محمد شاه القاجاري في نقاش حاد حول ضرورة ايقاف الحرب بين الطرفين الايرانى والافغاني ، وبعد مناقشات طويلة تعهد السفير البريطانى بالقيام بدور الوسيط بين الشاه وكامران ميرزا ووزيره يار محمد خان لاقرار السلام ، وقال السفير البريطاني لمحمد شاه : ان بامكانه  السفير اغراء كامران ميرزا بقبول توقيع معاهدة للصلح مع ايران ، وعندما عاد السفير البريطانى من المعسكر الافغاني الى المعسكر الايرانى حاملا بنود الاتفاقية التى وافق عليها الجانب الافغاني وجد الجنرال الروسي الكونت سيمونيتش فى مجلس محمد شاه

القاجارى وكان الجنرال يحدث الشاه بأن روسيا ما زالت عند وعدها لايران بالمساعدة ، وقدم سيمونيتش أحد الضباط الروس الذين قدموا للعمل مع القوات الايرانية في الجبهة للشاه محمد شاه . عندئذ رأى محمد شاه أن لا ضرورة لتوقيع الاتفاقية التى جاء بها السفير البريطانى من المعسكر الافغاني ، وصمم محمد شاه على مواصلة الحرب ضد الافغانيين

اجتمع السفير البريطاني السير ماكنيل مرة أخرى مع محمد شاه القاجارى وأخبره بأن استمرار محاصرته لهرات سوف يؤدى الى توتر العلاقات بين ايران وبريطانيا ،

عند ذاك طلب محمد شاه اجتماع أركان حربه للتداول فى أقوال السفير البريطانى ثم قرر الشاه امضاء معاهدة مع كامران ميرزا شريطة أن يقوم السفير البريطاني بتسجيل اعتراف خطى يذكر فيه أن سبب ايقاف العمليات العسكرية من الجانب الايرانى ضد هرات كان حسب طلبه ، وقد وافقت ايران حفظا للروابط الطيبة بينها وبين بريطانيا على رفع الحصار عن المدينة .

كما طلب الشاه من السفير البريطاني أن يتعهد بأن بلاده ستقوم بدفع مبلغ من المال لايران مقابل وقف عملياتها الحربية ضد افغانستان . ولكن السفير رفض الاقتراح الأخير ، عندئذ قال له الشاه محمد شاه

اذن فبلادك تدس أنفها في الشؤون الداخلية لايران ، وذلك يتنافى مع كرامة وحرية الامة الايرانية ، وهو مما لا يليق في الأعراف الديبلوماسية . وتظاهر السفير البريطانى بأن أنف بلاده أقصر من أن يصل إلى ذلك الحد ، لذلك ترك الامر لتعالجه بلاده بطريقة اخرى

في أواخر سنة ١٢٥٣ ه قام دوست محمد خان الباركزائى حاكم كابل بتأييد محمد شاه القاجارى فى حملته على هرات . وأرسل اخاه كهندل خان الباركزائى الى هرات ليقاتل في صف القوات الايرانية واستطاع كهندل خان الباركزائى بمعاونة القائد الايراني حبيب الله خان شاهسون احتلال مدينة فراه ، وقامت فرق ايرانية اخرى باحتلال مدينتى مرغاب وميمند . .

وهكذا عزلت مدينة هرات عن الاتصال بأى جهة يمكن أن تمد لها يد العون . وأخيرا شددت القوات الايرانية حملتها على المدينة وأحدثت المدفعية الايرانية الثقيلة ثغرات فى حصن المدينة القوى حيث استطاعت بعض الفرق مهاجمتها فلم ير كامران ميرزا حاكم هرات بدا من الاستسلام لايران للمرة الثانية ، وهكذا سقطت هرات في يد محمد شاه الغازى القاجاري .

بعد أن يئس السفير البريطاني السير جون ماكنيل من اقناع محمد شاه بايقاف العمليات العسكرية ترك هرات مع عدد من الضباط البريطانيين من بينهم راولينسون وستيوارت ودارس تود وشيل وذهب الى مشهد ومن ثم الى طهران .

وما كاد السفير البريطاني السير جون ماكنيل يصل طهران قادما من مشهد حتى طارت الانباء إلى محمد شاه تحمل اليه نبا احتلال البوارج البريطانية لجزيرة خارك في الخليج الفارسي ، فرأى محمد شاه ان من الحكمة وقد يئس من مماطلة وتسويف روسيا بتقديم العون له لغزو بقية انحاء

افغانستان ، وعجز عن مقاومة بريطانيا التى فتحت له جبهة اخرى من المشاكل باحتلال جزيرة خارك في الجنوب ، رأى محمد شاه ان يترك امور افغانستان لوقت آخر ، وقام محمد شاه باطلاق سراح الأسرى الافغانيين ليتالف قلوبهم ، وكان بين الاسرى جلال الدين ميرزا بن كامران ميرزا ، واوكل امر المحافظة على ما تحت سلطته من الاراضى الافغانسيتانية الى قائده جعفر قلى خان نبرنجردى على رأس ثلاثة آلاف جندى ، وقفل عائدا الى عاصمته طهران في شهر ربيع الثاني سنة ١٢٥٤ ه .

قامت بريطانيا بعد توتر العلاقات بينها وبين ايران ببث عيونها فى كل انحاء ايران وأخذت تثير المشاكل والصعاب فى وجه الحكومة المركزية ، فنرى السير أوستين ايارد يتقرب الى القبائل النجتيارية ويتزيا بزيها ويعيش فى مضاربها كأحد أفرادها حتى استطاع اغراء زعيمها محمد تقى خان النجتيارى بالثورة على محمد شاه القاجاري ، ووعد ليارد محمد تقى خان بأن بريطانيا سوف تقوم بمساندته فى تلك الثورة ضد محمد شاه القاجاري . وتعهد ليارد لمحمد تقي خان النجتيارى أن القطعات الحربية البريطانية فى الخليج ستكون ظهيرة له . كما قام جواسيس بريطانيون آخرون بمهمات مماثلة فى مدينة كرمان وغيرها من مدن الجنوب لاشاعة الفوضى والاضطراب كما سيأتي عنه الحديث عن التدخل البريطاني في شؤون ايران الداخلية .

اشترك في نشرتنا البريدية