الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

ايران فى عهد الدولة القاجارية

Share

ظهور الحركة البهائية وموقف بريطانيا منها :

لم تكد السلطات الايرانية تفرغ من القضاء على تمرد آقاخان المحلاتى وأخيه السردار ، حتى بدأت تواجه حركات دينية أخرى ذات صبغة سياسية ، ففى الشمال الشرقى لخراسان ظهرت طائفة القادرية ( النقشبندية ) وهى من الفرق الصوفية الشهيرة وأعلنت التمرد على حاكم خراسان ، كما ظهر فى جنوب ايران داعية دينى هو السيد على محمد البابى الذى عرفت فرقته فيما بعد بالفرقة البهائية نسبة الى بهاءالله ، وهى من اخطر الفرق الدينية التى أثرت فى سياسة العصر القاجارى ، خلال حكم محمد شاه وابنه ناصر الدين شاه .

قضى السيد على محمد بن السيد رضا الشيرازى مدة من الزمن يتلقى العلم فى النجف الاشرف وكرباء على يد كبار علماء الشيعة وخاصة السيد كاظم ، وبعد فترة ذهب الى ميناء بوشهر على الخليج الفارسى وانخرط فى سلك الصوفية ، واخذ يمارس مختلف أنواع الرياضات الروحية التى هى

من أهم طقوس الصوفية وقد مكث ذات مرة أربعين يوما فى الشمس المحرقة يتمتم بأدعية وألغاز ، وادعى أن فى استطاعته تحضير أرواح الموتى بطريق الكشف الالهى ، ثم غادر ميناء بوشهر الى الكوفة واعتكف فى مسجدها أربعين يوما ، ثم ذهب الى مكة المكرمة وعاد منها الى ميناء بوشهر ، وأخذ يجمع حوله السوقة والعوام ويوههم انه هو الامام المهدى المنتظر ، وانه باب العلم الالهى ، ومن هنا سمى البابى .

وجدت المخابرات البريطانية التى كانت تبحث عن عميل جديد تثير به الفتن بعد القضاء على صنيعتها آقاخان المحلاتى : وجدت فى هذا المدعى الجديد بغيتها ، فسارعت الى تأييده واتخذت حركته وسيلة لتنفيذ نياتها واغراضها السياسية فى ايران ، فجمعت له الانصار والاتباع .

بدأ السيد على محمد البابى نشاطه فى مدينة شيراز حيث أرسل دعاته لبث مبادئه والتبشير به منقذا للناس من الظلمات ، وانه المهدى المنتظر الذى سوف يملأ الدنيا

عدلا كما ملئت جورا . ولكن حسين خان آجودان باش حاكم شيراز قاوم الدعوة البابية مقاومة عنيفة ، وألقى القبض على دعاتها وانصارها ومؤيديها وأمر بجلدهم واذاقتهم ألوانا من العذاب شتى ، ثم طلب حاكم شيراز من السيد على محمد التوجه بنفسه الى شيراز لشرح مبادئ دعوته للعلماء ومناظرتهم فى شيراز ، وعندما جاء الى شيراز وناظره علماؤها ظهر لهم زيف دعوة السيد وضلالها ، ووجدوها خليطا من الاحاديث الموضوعة وبعضا من آيات القرآن حرفها السيد حسب هواه . ومجموعة من القصص والحكايات التى يتناقلها العامة لفق كل أولئك وألف منه كتابا جعله دستورا لاتباعه ، واتهمه علماء شيراز بالخبال واختلال العقل ، فأمر حاكم شيراز بسجنه ولكن أنصاره استطاعوا دفع رشاوى طائلة من خزائن شركة الهند الشرقية الى حاكم اصفهان منوجهر خان الملقب بمعتمد الدولة فوعد باستخلاص زعيمهم من يد حاكم شيراز ، وقام بارسال نفر من حاشيته الى شيراز لتسلم السيد على محمد من السجن بحجة أن السلطات العليا فى طهران تريد النظر فى أمره ، وبعد خروج السيد من السجن أخفاه حاكم أصفهان عنده وأشاع أن الامام قد اختفى .

كان يمكن أن لا تثير قضية السيد على محمد أى اهتمام لدى عامة الناس فى ايران ، ولكن مغالاة أنصاره فى رفعه الى مصاف القديسين ، ومحاولة الحكومة القضاء عليه وعلى حركته ، ودور المخابرات البريطانية فى تبنى دعوته ، ثم اختفاؤه أخيرا ، كل هذا جعله يستقطب اهتمام الناس ، وخاصة موضوع الاختفاء الذى

يلعب دورا مهما فى عقائد الشيعة .

ظل السيد فى حماية حاكم أصفهان يعيش فى رغد من العيش بعيدا عن أعين الفضوليين روحا من الزمن ، الى أن توفى حاميه حاكم أصفهان سنة ١٢٦٣ ، عند ذاك أمر محمد شاه القاجارى بترحيله من أصفهان الى أروبيل وسجنه فى قلعة ( جهريق ) .

وقد قام أتباع السيد باثارة القلاقل والفتن طوال عهد ناصرالدين شاه القاجارى ، وكاد ناصر الدين ورئيس وزرائه الميرزا تقى خان الفراهانى يذهبان ضحية تعصب مريدى السيد ، وظلت بريطانيا تعتبر هذه القضية ورقة رابحة تلوح بها فى وجه القاجاريين كلما رأت ريح السياسية فى ايران تسير فى اتجاه معاكس ومضاد لمصالحها .

وأكثر من ذلك فقد أخذ بعض الساسة من الايرانيين أنفسهم يشترى ولاء اتباع السيد على محمد الفدائيين لارهاب منافسيهم ، وصار البهائيون يقومون بنفس الدور الذى لعبه الفدائيون الاسماعيليون فى الشرق الاسلامى فى القرن الخامس والسادس الهجريين ، ويضعون أسلحتهم تحت تصرف من يدفع لهم المال . حتى ناصر الدين شاه القاجارى لم يتورع عن استغلال هذه الفرقة للقضاء على غير المرغوب فيهم فى ايران . وأصبحت تلك القضية فيما بعد من المسائل السياسية والاجتماعية الشائكة فى المجتمع الايرانى .

ثورة السالار فى خراسان :

كان (( الله يارخان )) الملقب بآصف الدولة حاكما لخراسان من قبل محمد شاه

القاجارى ، ولكنه فى سنة ١٢٦٢ اعتزل الحكم بسبب الشيخوخة ، واكتفى بالاشراف على أمور الروضة المقدسة فى مشهد . وصارت الولاية فى يد ابنه الشاب حسن خان المعروف بالسالار ، كما كان ابنه الآخر محمد على خان يعمل فى بلاط محمد شاه فى طهران ، وكان محمد قلى خان ، من المقربين لدى الحاج ميرزا آقاسى رئيس الوزراء وصاحب جاه ونفوذ فى الدولة القاجارية . وكان يطلع والده آصف الدولة على مدى الانحطاط الذى تردت اليه الاحوال فى البلاط القاجارى خاصة وفى الادارة عامة بسبب عدم كفاءة رئيس الوزراء الحاج ميرزا آقاسى ، وان الوضع مهدد بالانفجار ، وأن حكم محمد شاه القاجارى يوشك أن يزول .

بينما كانت الرسائل تتبادل بين الابن العامل فى البلاط وأبيه الشيخ فى خراسان ، قامت قبائل التركمان القاطنة فى شمال غرب خراسان بالاعتداء على خراسان ، فطلب محمد شاه القاجاري من أحد الأمراء فى خراسان ، ويدعى محمد حسين خان نردينى ، القضاء على تلك القبائل المتمردة ، وعينه حاكما للولايات الشمالية من خراسان ، فتوجه محمد حسين خان نردينى الى مقر عمله وقضى على تمرد القبائل التركمانية ، فزاد الشام محمد شاه القاجارى فى اكرامه ، مما زاد فى حقد حاكم خراسان الشاب حسن خان السالار ، وقام آصف الدولة الشيخ الذى لم يكن على علاقة حسنة برئيس الوزراء الحاج ميرزا آقاسى الذى كان يؤيد محمد حسين خان نردينى ، قام أصف الدولة بتحريض نجف قلي خان البزنجردى وجعفر قلي خان شادلو بالثورة ضد حاكم الولايات

الشمالية محمد حسين خان نردينى ، وتم اغتيال الحاكم الجديد .

عندما علم محمد شاه القاجارى باغتيال محمد حسين خان نردينى وسمع بالاضطرابات فى خراسان طلب من حاكم خراسان القبض على مثيرى الشغب وارسالهم الى طهران . ولكن آصف الدولة أمر ابنه السالار بعدم الرضوخ لأوامر الشاه ، وظلت الخلافات قائمة بين الشاه وآصف الدولة زمنا طويلا ، وأخيرا سيق آصف الدولة الى طهران حيث نفي الى العراق .

بعد نفي آصف الدولة الى العراق قام ابنه حسن خان السالار يؤيده نجف قلي خان البزنجردى وجعفر قلي خان شادلو قاتلي محمد حسين خان نردينى ، بتحريض القبائل التركمانية والكردية فى خراسان على التمرد على الحكومة المركزية ، فأشار الحاج ميرزا محمد خان الشهير ببيكلر بيكى والذى كان من انسباء الشاه ، وهو الأخ الأكبر لحسن السالار بالتوسط لدى أخيه السالار عله يعيده الى رشده . فقام محمد شاه باصدار امره بتعيين الميرزا محمد خان حاكما عاما لخراسان ، ووجه الى اخيه السالار ، ولكن ما كاد محمد خان يصل الى خراسان حتى انضم الى اخيه السالار وأخذ يشجعه على الاستمرار فى معاداة محمد شاه القاجاري .

كان من نتائج انضمام الميرزا محمد خان بيكلر بيكى الى اخيه حسن خان السالار أن قام الاخير بالاستيلاء على الاجزاء الشمالية من خراسان واجبار امرائها على الوقوف الى جانبه ، كما حرص قبائل التركمان والكوكلان على الحملة على مدينتى بسطام

وشاه رود . كما ضم عددا من العشائر الافغانستانية القاطنة فى أطراف مدينة هرات الى جانبه .

ارسل محمد شاه القاجاري اثنين من اشهر قواده هما محمد على خان الماكوئى ، وابراهيم خليل خان الماكوئى لمقابلة السالار . ولكنهما لم يتمكنا من الوصول الى مشهد ولم يجاوزا مدينة نيسابور ، فاضطر محمد شاه القاجاري أن يرسل اخاه حمزة ميرزا الملقب بحشمة الدولة ، وكان موصوفا بالشجاعة والاقدام ليتولى امور خراسان بعد أن يقضي على تمرد السالار .

استطاع السالار اعداد قوة عسكرية قوامها عشرون ألف مقاتل من الخراسانيين والأكراد والافغانيين والعشائر التركمانية ، وعندما بلغته أنباء تحركات حمزة ميرزا حشمة الدولة نحو خراسان ، بعث قائده جعفر قلى خان شادلو على رأس قوة عسكرية قوامها اثنا عشر ألف مقاتل ، وأمره بعرقلة تقدم القوات المركزية ، وفى مكان يدعى ميامي بين مدينة سبزواروبسطام واصطدمت القوات المركزية والقوات الخراسانية وحلت الهزيمة بالقوات الخراسانية ، وعندما علم السالار بانكسار قواته فر إلى مدينة ( جوين ) وتفرق عنه جيشه ، وفى جوين استطاع السالار أن يجمع قوات جديدة وأن يستولي على مدينة كلات الحصينة حيث ظل يقاوم القوات المركزية بقيادة حمزة ميرزا حشمة الدولة ثمانية أشهر .

استطاع السالار فى أوائل سنة ١٢٦٤ ه أن يعيد بناء قوانين المسلحة بفضل القبائل التركمانية التى اخذت تنضم الى معسكره فى مدينة كلات ، وأراد حمزة ميرزا أن يؤدب القبائل التركمانية المؤيدة لخصمه قبل الدخول فى معركة حاسمة معه . فشن حملة على قبائل يموت وكوكلان التركمانية ، وقام بتهجير ثلاثمائة عائلة منها الى العاصمة طهران ، كما اغرى عددا منها بالانضمام الى قواته .

استغل السالار انشغال حمزة ميرزا بتأديب القبائل التركمانية فقام بمحاصرة مدينة مشهد ولكن حمزة ميرزا تمكن من انزال هزيمة منكرة بقوات السالار على بعد ثمانية وأربعين كيلا شمال شرقى مشهد ، فانسحب السالار الى مدينة سرخس ، حيث قام حمزة ميرزا بتعقبه ، ولكن أهالي مشهد ثاروا فى وجه حمزة ميرزا حشمة الدولة بسبب المجازر التى أقامها فى خراسان فى سبيل القضاء على خصمه السالار .

أصيب حمزة ميرزا حشمة الدولة اثناء تلك المعارك بمرض جعله يوقف حملاته العسكرية ضد السالار الذى استغل مرض القائد القاجاري فتقدم الى مدينة مشهد لاحتلالها ، وما كاد حمزة ميرزا يبلى من مرضه ويستعد لمنازلة السالار حتى جاءه نعى اخيه محمد شاه القاجاري ، فعاد الى طهران وترك خراسان لتواجه المصير الذى اعتادت أن تواجهه الولايات الايرانية بعد موت كل ملك .

اشترك في نشرتنا البريدية