رسم الخرائط وتعيين الحدود عليها :
بدأت بريطانيا وروسيا وقد يئستا من وصول ايران والعثمانيين الى حل بشأن الحدود ، بدأتا باتخاذ الاجراءات اللازمة للشروع فى رسم الخرائط ، فقام المهندسون البريطانيون والروس برسم خريطة بمقياس ٧٣٠٥٠/١ ابتداء من منطقة آغرى كوجك الى مصب شط العرب ، ثم طبعت الخريطة فى أربع عشرة نسخة ، وارسلت نسخة الى السلطات العثمانية ونسخة اخرى في شوال ١٢٦٨ ه على السلطات الايرانية حيث سلمت لوزارة الخارجية الايرانية ، وطلبت بريطانيا وروسيا من كل من ايران والعثمانيين أن تقوما بتعيين حدودهما على الخريطة .
في سنة ١٢٧٠ ه - ١٨٥٣ م اخذت روسيا تستعد لدخول الحرب ضد الامبراطورية العثمانية ، فحاول الامبراطور الروسى أن يجر ايران للدخول في الحرب إلى جانبها ضد العثمانيين ، مستغلا العلاقات بين ايران وبين الامبراطورية العثمانية ، بسبب مشاكل الحدود ، لذلك كلف الجنرال بيشوف القائد العام للقوات الروسية في قارص بأن يتصل بالسفير الروسي في طهران الامير والكوركى ليقوم بالاتصال السرى مع ناصر الدين شاه ويطلب منه الدخول مع روسيا في حرب ضد العثمانيين .
ونظرا لأن ناصر الدين شاه القاجارى كان حاقدا على بريطانيا لسعيها الدائم لاثارة القلاقل فى ايران ، فقد قبل الاتحاد مع روسيا ضد العثمانيين وحليفتيهم بريطانيا وفرنسا . واقترحت روسيا على ايران أن تحارب العثمانيين فى جبهتين جبهة بايزيد وأرض الروم ، وجبهة بغداد ، وأن تعمل القوات الايرانية كل ما فى وسعها للاستيلاء على بغداد والنجف وكربلاء ، كما طلبت روسيا من ايران فتح جبهة ثالثة في وجه العثمانيين فى منطقة آذربيجان
وأخبرت روسيا الدولة الايرانية بأنه إذا ما استقر الصلح بين ايران والدولة العثمانية فيما بعد ، فسيكون من حق ايران أن تدعي ان الأراضى العثمانية التي استولت عليها ايران بقوة السلاح هي اراض ايرانية ، وفي حالة اصرار العثمانيين على استردادها تطالبهم ايران بدفع مبالغ كبيرة من المال مقابل تنازلها عن احتلال تلك الاراضى .
وكان من بين الامور التى ناقشها السفير الروسى والكوركى وناصر الدين شاه القاجارى انه اذا قبلت ايران أن تشترك مع روسيا ضد العثمانيين ، فان روسيا سوف تتنازل عن بافى التعويضات المالية التي كانت إيران ولا زالت تدفعها لروسيا منذ أيام لنج لى شاه القاجارى بموجب معاهدة التركمان جاى . واذا ما تهيأت ايران و استعدت للدخول مع روسيا في حربها ضد
العثمانيين واشترت اسلحة و عادا روسيين ثم لم تقم حرب بين روسيا والعثمانين ، ومن ثم لم تشترك ايران ، فان روسيا سوف تقوم بحسم ثمن الاسلحة من الغرامة والتعويضات التى لها على ايران.
وإذا طالت الحرب بين روسيا وحليفتها ايران ، وبين العثمانيين وحلفائهم فسوف تتعهد روسيا بالقيام بتأمين كل متطلبات الحرب لايران .
استطاع السفير العثمانى فى طهران رغم مما احيطت به محادثات ناصر الدين شاه والسفير الروسى من كتمان ان يعرف ما جرى من اتفاقيات بين الدولتين فى الخفاء ، وعندما تأكد السفير العثمانى ان المحادثات قد جرت بين نصر الدين شاه والسفير الروسى على انفراد ، ولم يحضر تلك المحادثات حتى ولا رئيس وزراء ايران . أدرك ان الامر على غاية من الخطورة والأهمية ، ولكيلا تكتشف السلطات الايرانية علمه بذلك الامر الخطير ، تظاهر بالغضب وكتب الى وزارة الخارجية الايرانية محتجا بأنه اذا لم يطلع على فحوى تلك المحادثات السرية فسوف يغادر الاراضى الايرانية فورا .
عندها بلغ ناصر الدين شاه اصرار السفير العثمانى على الاطلاع على ما جرى بينه وبين السفير الروسي ، استدعي رئيس وزرائه الميرزا اقا خان نورى اعتماد الدولة وأطلعه على خلاصة الاتفاقية بينه وبين السفير الروسي ، وكان مما قاله ناصر الدين شاه لرئيس وزرائه : ان اقتراحات روسيا تتضمن فوائد جمة لإيران على المستويين السياسي والإقتصادى ، فان استيلاء القوات
الايرانية على غرب أسية - الحدود الايرانية العثمانية - اذا تحقق فسوف يرفع اسم ايران وعقامها السياسى ، كما ان استيلاء قواتنا على المناطق المشرفة في العراق سيتيح للشعب الايراني أن يذهب للزيارة والحج دونما اية مضايقات . ومن ناحية اخرى فان اتحادنا مع روسيا سوف يعفينا من دفع تلك التعويضات الكبيرة المهينة لشرف ايران .
فندما فرغ ناصر الدين شاه من حديثه مع اعتماد الدولة الذى كان يصغى اليه فى اهتمام بالغ ، وعرف رئيس الوزراء ان دافع سيده و مليكه لمحالفة روسيا هو حرصه على جلب السمعة الطيبة لنفسه اولا ولبلاده اخيرا ، قال رئيس الوزراء لناصر الدين شاه : مولاى اذا كان لايران أن تتحد مع احد عدويها - يقصد روسيا وبريطانيا - فالاجدر أن تتحد مع الجبهة الاقوى يعنى جبهة العثمانيين وحليفتيهما بريطانيا وفرنسا ، فان ايران تستطيع في حالة تغلب الجبهة العثمانية استرداد الاراضى الايرانية المغتصبة فى الشمال . واستردادها اهم جدا من الاستيلاء على النجف وكربلاء في العراق . وسوف تظل الاجيال القادمة تلهج بذكر ناصر الدين شاه وتثنى على عمله البطولي في استرداد الاجزاء السليبة من الوطن .
ويبدو ان ناصر الدين شاه قد اقتنع بوجهة نظر رئيس وزرائه التي بدت له في غاية المنطق ، ولكنه رغم ذلك لم يطلب سحب قواته المرابطة على الحدود العثمانية في آذربييجان وكرمانشاهان .
وعندما علم الامير والكوركي السفير الروسى بما جرى بين ناصر الدين شاه وبين رئيس وزرائه اعتماد الدولة وان رئيس
الوزراء قد استطاع اقناع ناصر الدين شاه بوجهة نظره القاضية بالاتحاد مع بريطانيا وفرنسا حليفتى الدولة العثمانية ضد روسيا ، وكان السفير الروسى قد ابلغ حكومته بما جرى بينه وبين ناصر الدين شاء ، وان العاهل الايرانى ابدى استعداد بلاده للتحالف والاتحاد مع روسيا ضد الامبراطورية العثمانية سارع السفير الروسي لملاقاة اعتماد الدولة رئيس الوزراء وعنفه على تصرفه ذلك .
قامت الحكومة الروسية باستدعاء سفيرها في طهران الامير والكوركي لفشله في اكتشاف تلك المراودة التي تمت بين ناصر الدين شاه ورئيس وزرائه اعتماد الدولة وتوقفت عمليات تحديد الحدود الايرانية العثمانية التى كانت روسيا وبريطانيا تقومان بها وذلك نتيجة للوضع الجديد المتأزم .
عاد ناصر الدين شاه القاجارى فقرر الاتحاد مع روسيا ضد العثمانيين ، وافهم السلطات الروسية ان ما نقله السفير الروسى السابق اليها فيه سوء تفاهم ، والا فايران مستعدة للتحالف مع روسيا ، وشرع ناصر الدين شاه فى الاستعداد لمحاربة العثمانيين وحلفائهم مع روسيا ، وأبلغ قراره ذلك الى رئيس وزرائه اعتماد الدولة .
عندما علمت بريطانيا بقرار ناصر الدين شاء وعودته للتحالف مع روسيا ضد العثمانيين وحلفائهم بريطانيا وفرسا استولى عليها الغضب ، فاستدعت سفيرها فى طهران وارسلت سفيرا آخر ليحل محله وليعمل على منع ايران من الاتحاد مع روسيا ، و قد علقت صحيفة التايمز
اللندنية على مجئ السفير الجديد الى طهران بقولها : " ان ذلك السفير الجديد ذاهب الى ايران ليرغم الشاه الايرانى على الرضوخ لارادة بريطانيا العظمى "
وقد نجحت ضغوط السفير البريطاني الجديد على ناصر الدين شاه وحملته على أن يصرف النظر ويتراجع عن امضاء التحالف مع روسيا . وقبل ناصر الدين شاه اقتراح رئيس وزرائه اعتماد الدولة الرامي الى التحالف مع العثمانيين وبريطانيا وفرنسا ضد روسيا ، ولكن الدول المتحالفة رأت في آخر لحظة انه ليس من مصلحتها قبول ايران في الحلف الثلاثي لانها - الدول المتحالفة - لا تستطيع ان تمد يد العون لايران إذا ما تورطات في المستقبل مع جارتها القوية روسيا ، وأخيرا قررت ايران عدم التحالف مع أى من الجبهتين .
بعد انتهاء الحروب الروسية العثمانية في كريمة حاول الجانبان الايراني والعثماني العودة لمناقشة مشاكل الحدود مرة اخرى ، وكان يرأس الجانب الايراني الحاج ميرزا محسن خان مشير الدولة ، وعضوية الميرزا محب على خان ناظم الملك ، وأراد الجانب العثماني عقد معاهدات جديدة بين الدولتين واستبعاد معاهدة ارض الروم الثانية واعتبارها كأن لم تكن . وعندما رفض الجانب الايرانى ذلك الاساس انفض المؤتمرون دون الوصول الى اية نتيجة .
وظلت مشاكل الحدود بين البلدين قائمة إلى سنة ١٣٢٣ ه في أواخر حكم مظفر الدين شاه عندما بدأت كل من ايران وتركيا تتخلصان من حكم القاجاريين والخلافة العثمانية عندئذ استطاع البلدان ان يصلا سنة ١٣٢٤ ه الى حل بشأن مشكلة الحدود المزمنة .

