الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

ايران في عهد الدولة القاجارية, (الفصل السابع)

Share

العلاقات الايرانية البريطانية :

كانت السياسة البريطانية في الشرق تملى على بريطانيا القيام بعقد معاهدات صداقة وحسن جوار مع الدول المجاورة لمستعمراتها وخاصة ايران التى كان لموقعها الجغرافى وتسلطها على الطرق المؤدية إلى الهند اثر حيوى . فقد كانت افغانستان القريبة من الحدود الهندية جزءا من الاراضى الايرانية . لذلك حرصت بريطانيا على كسب صداقتها حتى تتمكن من تنفيذ مشروعاتها التوسعية فى هدوء وأمن من جارتها الكبرى ايران . وعندما بدأت فرنسا في عهد نابليون تتوسع فى اوربا ، ورأت بريطانيا ان مصالحها الاستعمارية فى الشرق مهددة وخشيت ان تصاب الهند جوهرة التاج البريطاني بسوء نتيجة اطماع نابليون اخذت تقوى روابطها بايران وشرعت تتبادل معها التمثيل الدبلوماسى وهنا كانت بداية الصراع السياسي ومحاولة كل من بريطانيا وفرنسا كسب ايران الى جانبها .

ففي ربيع الاول سنة ١٢١٤ ه وصل الى طهران سفير بريطانيا مهدى على خان الملقب : بهادر جنك . ارسله الحاكم العام في الهند ليسفر لبريطانيا لدى البلاط القاجاري

وعندما قدم السفير اوراق اعتماده الى فتح على شاه القاجارى فى طهران قدم للشاه القاجارى هدية قيمة من الحاكم البريطانى فى الهند والبلاط البريطانى ، وقد طلب السفير البريطانى من فتح على شاه القاجارى العمل على ايقاف حملات امراء افغانستان المحليين التابعين للبلاط القاجارى على الاراضى الهندية ، فاستجاب فتح على شاه القاجارى لهذا الطلب وقام بمحاصرة مدينة هرات حتى يصرف اهتمام حكام افغانستان عن مهاجمة الحدود الهندية .

ولم تطل مدة سفارة مهدى على خان فى ايران فقد عاد بعد اشهر قليلة الى الهند ، فخلفه السير جان ماكلوم سفيرا رسميا لبريطانيا ، وقد رافق السير جان ماكلوم في سفارته خمسمائة هندى وبريطاني . وقد وصلت البعثة الديبلوماسية البريطانية برئاسة ماكلوم الى بوشهر فى أوائل ربيع الثاني ١٢١٥ ه وتوجه فتح على خان نورى منتدبا من البلاط القاجارى لاستقبال السفير البريطانى فى فارس

وافتتح السير جان عهده كسفير لبريطانيا فى ايران بالقيام بتقديم هدايا قيمة للمحتفين به فى فارس من رجال البلاط القاجارى ، توجه آلاف وقد انزل في ثم توجه الي طهران ، وقد انزل فى طهران فى قصر الحاج ابراهيم خان كلانتر اعتماد الدولة رئيس وزراء ايران الاسبق

قام السير جان فى شهر جمادى الاولى سنة ١٢١٥ ه بتقديم اوراق اعتماده للشاه الايرانى كما قام بتقديم الهدايا الى شاه ايران ، وكان من بين الهدايا قطعة كبيرة من الماس ، مجموعة من المرايا ذات الاحجام المختلفة ، وبعض المنسوجات الثمينة كما قام فتح على بناء القاجارى باهداء خنجر وسيف

مرصعين بالجواهر والاحجار الكريمة الى السفير البريطانى .

وقد استطاع السفير البريطانى فى هذه السفارة ان يعقد مع ايران معاهدة تقوم فيها ايران بالمحافظة على المصالح الاستعمارية البريطانية ، وخلاصة تلك المعاهدة هي أن يتعهد فتح على شاه القاجارى بمنع زهمان شاه الدرانى حاكم كابل وحلفائه من التعرض لتلك الحدود وفى حالة اصرار زمان شاه على التعرض لتلك الحدود فعلى ايران ان توقف عنه العون والامداد العسكريين وان لا تتدخل ايران فى حلف مع افغانستان ضدبريطانيا .

واستطاع السفير البريطانى لذلك الحصول على امتيازات تجارية لرعايا دولته فى الخليج ، ومن جملة تلك الامتيازات ان التجار البريطانيين والهنود اصبح لهم الحق فى ان ينقلوا تجارتهم فى الموانىء الايرانية دون ان يطالبوا بدفع اية ضرائب للحكومة الايرانية . وصارت البضائع البريطانية كالقماش والحديد والرصاص تباع فى الاسواق الايرانية دون دفع رسوم جمركية . وفى مقابل ذلك تعهد السفير البريطانى بان حكومته على استعداد للوقوف في صف ايران اذا تعرضت لاى هجوم من الخارج

ولقد حققت بريطانيا من سفارة السير جان مكلوم التى كلفت الخزينة البريطانية مليونى روبية مكاسب على جانب كبير من الاهمية اهمها رفع الخطر الذى كان يتهدد المستعمرات البريطانية فى الهند من جانب حكام افغانستان . وبعد ثلاثة اشهر غادر السفير البريطانى طهران عائدا الى الهند يرافقه الحاج خليل خان القزويني سفيرا لايران فى الهند .

قتل السفير الايرانى في الهند

كان السفير الايرانى خليل خان القزويني الملقب ( بملك التجار ) قد كلف بالسفر الى لندن بعد مقابلة الحاكم البريطانى العام فى الهند . وعندما وصل خليل خان الى بمباى استقبله الموظفون البريطانيون استقبالا حارا . وحفاظا على حياة السفير الايرانى فقد أسند الى مائتين من الجنود الهنود امر حراسته . وفى مغرب احد الايام خرج مرافق السفير الأيرانى لصيد الحمام ولما كانت بعض الفئات فى الهند تحرم قتل الطيور فقد احتجت على مرافقى السفير وصيدهم للطيور اضف الى ذلك ان الرأى العام الهندى كان ثائرا ضد الاستعمار البريطانى فى بلاده وكان يرى ان السفير الايرانى صنيعة بريطانية فقد توجهت الجموع الهندية الغاضبة الى منزل السنفير الايرانى محتجة ونشبت بين حراس السفير الايرانى وبين تلك الجموع معركة انطلقت خلالها رصاصة طائشة حيث اصابت من السفير الايرانى مقتلا فقضى على الفور سنة ١٢١٩ ه .

الحاكم العسكرى لمدينة بمباى بالقبض على مثيرى الشغب كما امر بالتحقيق مع الجنود الهنود الذين القى عليهم تبعة التقصير فى الدفاع عن السفير الايرانى وسجن الجميع . ثم كتب الحاكم العسكرى فى بمباى الى الحاكم البريطانى العام اللورد ولزليWelzly يخبره بواقع الامر وما ان بلغ الامر للحاكم البريطاني العام حتى سارع بتوجيه رسالة إلى العاهل الايرانى عن طريق القنصل البريطانى فى البصرة آمرا اياه بالتوجه الى طهران مع عدد من اعيان مدينة بمباى ليرفع للعاهل الايرانى عزاء بريطانيا واسفها لما حدث للسفير الايرانى فعيد ما وصلت هيئة التعزية البريطانية إلى

سلطانية وقابلت فتح على شاه القاجارى ، تلقى الامر على انه حادثة عادية وطلب من القنصل البريطانى فى البصرة ان يطلب الى الحاكم البريطانى العام فى الهند الافراج عن السجناء الهنود . ثم ارسل فتح على شاه القاجارى محمد نبى خان ابن اخت السفير المقتول خلفا له الى الهند فوصل محمد نبى خان مع الهيئة البريطانية إلى الهند سنة ١٢١٩ ه الموافق سنة ١٨٠٣ م .

قطع العلاقات البريطانية الايرانية سنة ١٢١٩ ه - ١٢٢٢٢ ه

لم يمكث السفير الايرانى الجديد محمد نبى خان فى بمباى اكثر من خمسة اشهر ولم يستطع بالتالي الذهاب الى لندن لأن عقد معاهدة فينكنشتاين بين ايران وفرنسا اقتضت قطع العلاقات الايرانية البريطانية ، فعاد السفير من الهند الى ايران وعين حاكما للموانئ الايرانية فى جنوب ايران

كانت بريطانيا بعد انقطاع التمثيل الديبلوماسى بينها وبين ايران تعمل بكل قوتها لحماية مستعمراتها في الهند فأخذت فى تقوية قواعدها الحربية فى المحيط الهندى ورأت ان ضرورة الدفاع عن مداخل الهند ضد التهديدات الفرنسية تقتضى الاستيلاء على جزيرة خارك في الخليج الفارسي واحتلتها فعلا لقربها من شط العرب .

كان القنصل البريطانى فى بغداد والذي كان قائما باعمال القنصلية البريطانية في البصرة بنفس الوقت السير جونز يراقب جريان الحوادث السياسية فى ايران بدقة وانتباه . وكان يساعد السفير البريطاني في طهران السير جان ماكلوم على بث الدعاية فى المنطقة لصالح السياسة البريطانية . وما كادت ايران تستدعي سفيرها محمد نبى

خان من الهند سنة ١٢١٩ ه حتى قطع التمتيل الديبلوماسى بين البلدين . ورغم انقطاع العلاقات بينهما الا انا نرى فتح على العلاقات بينهما الا انا نرى فتح على شاه القاجارى يواصل الضغط على الحكام المحليين فى افغانستان وكان يقدم بذلك خدمة جلى للاستعمار البريطانى من حيث لا يشعر . فقد كان فتح على شاه القاجارى يعتبر هرات وقندهار جزءا من الاراضى الايرانية لذلك لم يكن يترك الحكام الافاغنة فى راحة ابدا .

كانت بريطانيا اثناء التقارب الفرنسي الايرانى تراقب الاوضاع في داخل ايران عن كثب ، ولم تتوان لحظة فى محاولة اعادة علاقاتها مع ايران ففي سنة ١٢٢١ ه فكرت بريطانيا فى اعادة العلاقات وارسال سفير لها ولكن محاولة فتح على شاه القاجارى توطيد علاقاته مع الحليفة الجديدة فرنسا ومجيء الرسل الفرنسيين من امثال جوبير جوانن لا بلاننش الى ايران كان سدا قويا أمام المحاولات البريطانية ، وقد ادى هذا الصدود من الجانب الايرانى الى ازدياد مخاوف بريطانيا التى كانت ترى مصالحها فى خطر . ومن ناحية اخرى فان تورط ايران في الحرب مع جارتها الشمالية جعلها تركز قواتها الضاربة فى الحدود الشمالية والشمالية الغربية مما جعل الحدود الايرانية البريطانية فى الشرق تحت رحمة هجمات الافاغنة الذين استغلوا فرصة اشتغال الجيش الايرانى في الحروب الروسية ، وقد عملت الصداقة الفرنسية الايرانية والتعهدات الايرانية لفرنسا على قطع علاقاتها مع بريطانيا ورفض فتح على شاه القاجارى اعتماد السير جان ماكلوم سفيرا لبريطانيا مرة اخرى .

لم تقف بريطانيا أمام التقارب الفرنسي

الايرانى الذى كان يهدد مصالحها فى الشرق مكتوفة اليدين بل عملت بكل ما اوتيت من قوة لجعل قيام البعثة العسكرية الفرنسية بتنفيذ المخطط الفرنسى فى ايران امرا بالغ الصعوبة ان لم يكن مستحيلا . وقد ساعدت الحوادث السياسية فى اوربا تلك التى قامت ضد سياسة فرنسا ساعدت بريطانيا على النجاح فى عرقلة المساعى الفرنسية ، وقد كان لتخلى نابليون عن التزامات معاهدة فينكنشتاين اكبر الاثر فى نجاح الضغط البريطانى على الفرنسيين والبلاط القاجارى على السواء . فبينما كان غاردان رئيس البعثة العسكرية الفرنسية حائرا بين اوامر وزارة الخارجية الفرنسية القاضية بالتساهل مع روسيا وبين التعهدات التى التزمت بها بلاده لايران ، اخذ البريطانيون يتقربون الى البلاط القاجارى ويعرضون على ايران رغبتهم فى القيام بتنفيذ ما عجزت عنه فرنسا .

كان من حسن طالع بريطانيا فى هذا الوقت ان الرأى العام الايرانى كان يعطف على سياستها . فبعد الوعود الكثيرة والانتظار الطويل رأى الناس ان مندوب الحكومة الفرنسية فى ايران لم يقدم لهم اكثر من التسويف والارجاء فى كل وقت . بل اكثر من ذلك رأى الرأى العام الايرانى ان فرنسا قد نقضت معاهدة فينكنشتاين بينها وبين ايران بعد توقيع معاهدة تيلسيت بين فرنسا وروسيا ، وكان الايرانيون يستاءون من مجرد رؤية الرعايا الفرنسيين فى بلادهم وبلغ التضييق على اعضاء البعثة الفرنسية العسكرية ان اجدهم لم يكن يجرأ على مغادرة منزله الا في حراسة مسلحة .

كانت بريطانيا الى جانب الدعاية المضادة لفرنسا والتي كانت تشيعها بين الايرانيين

نقوم بتقوية قواتها البحرية فى الخليج لارعاب الشعب الايرانى من جهة والضغط على الحكومة الايرانية من جهة ثانية كما كان السفير البريطانى السير هارفورد جونز Sir Haurford Jonas القنصل البريطانى السابق فى بغداد ينتظر فى عرض الخليج على ظهر بارجة حربية بريطانية ان تأذن له السلطات الايرانية بالنزول الى ايران وتقديم اوراق اعتماده سفيرا لبريطانيا لدى ايران

وقد ارسل السير هارفورد مقترحات بلاده لاجل عقد معاهدة صداقة مع ايران وان بلاده مستعدة للقيام لتنفيذ كل الالتزامات التى عجزت فرنسا عن الوفاء بها . وقد قام حاكم ميناء بوشهر بحمل تلك المقترحات البريطانية إلى البلاط القاجارى

لما يئس فتح على شاه من العون الفرنسى ورأى بريطانيا تعرض عليه انجاز ما عجزت عنه فرنسا اصدر اوامره بابعاد البعثة العسكرية الفرنسية والسماح للسفير البريطانى بالنزول الى الاراضى الايرانية لتقديم اوراق اعتماده

يقول مؤلف كتاب : ( مهمة الجنرال غاردان في ايران) :

لقد كانت بريطانيا اسعد حظا منا نحن الفرنسيين والسبب فى ذلك يعود الى الموقف الذي وقفه كل فريق حيال القضايا الايرانية ففي الوقت الذى تركت الحكومة الفرنسية بعثتها العسكرية متخبطة فى ايران لا تدرى ماذا تفعل فى ذلك الظرف العصب . نرى بريطانيا لم تتوقف لحظة واحدة عن العمل الجاد واتخاذ المواقف المناسبة . فقد القت بريطانيا بكل ثقلها فى الميدان لكسب الموقف . ففي داخل ايران كانت مخابراتها السرية تعمل فى نشاط دائب وحركة لا

تعرف الكلل ولا التوقف وفي الخارج كانت اجهزتها السياسية تراقب الموقف عن طريق قناصلها النشطين المدربين

ومع كل ذلك فيجب الاعتراف بان صداقة فرنسا لروسيا كانت السبب المباشر لاخفاق فرنسا فى ايران . فصداقة روسيا هى التى النقدتنا الموقف لا العداوة البريطانية وليست هذه المرة الاولى التى تسبب لنا فيها روسيا الكوارث فقد كانت الاضرار التى ألحقتها روسيا لفرنسا فيما بعد اشد وخامة من فقدنا لايران . فاذا تساءلنا لمصلحة من كان انسحاب فرنسا من ايران ؟ فالجواب المصلحة روسيا بالطبع . لقد ادت العداوة بين بريطانيا وفرنسا اكبر خدمة للمطامع الروسية فى ايران . فاستغلها الروس الى أبعد حدود الاستغلال .

ويتضح لنا مما سبق الى اى حد كان وجود غاردان وبعثته فى ايران مصدر خوف وقلق لبريطانيا وكيف كانت بريطانيا تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتحطم التقارب الفرنسى - الايرانى وجذب ايران الى حظيرة السياسة البريطانية ، ويبدو من تقارير غاردان التى كان يرسلها الى وزارة الخارجية الفرنسية ومن الحوادث التى وقعت فيما بعد إلى اى حد كان التقارب الروسى الفرنسى مضرا بمصالح كل من ايران وفرنسا . فقد ساعدت معاهدة تيلسيت على ان تتوسع روسيا فى فتوحاتها فى الاراضى الايرانية كما عملت تلك المعاهدة على تقريب وجهات النظر بين روسيا وبريطانيا ازاء موقفها من فرنسا وايران واخيرا ساعدت تلك المعاهدة البريطانيين على تحقيق مخططهم الاستعمارى وفرض السياسة والامتيازات البريطانية على ايران فرضا .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية