الفترة الثانية للحروب الروسية الايرانية
ايران وروسيا تتبادلان التمثيل الدبلوماسي .
لقد كانت نهاية الحروب الايرانية الروسية الاولى والتى امتدت عشر سنوات فى صالح روسيا التى استطاعت بتوقيعها المعاهدة كلستان ان تنتزع من ايران مناطق
مهمة كان لا بد لروسيا ان تقضى مئات السنين وتنفق ملايين المنات لو أرادت تسخيرها بقوة السلاح . فقد أصبحت أهم أجزاء القوقاز والتي يسكنها نحو ثلاثة ملايين مسلم تحت حكم روسيا ، ولم يصدق فتح على شاء القاجاري ان كل هذه الاراضى التى كانت تابعة لايران قد خرجت عن تصرفه تماما لذلك حاول مرارا أن يدخل مع روسيا فى محادثات بشأنها ربما استطاع استرداد ما عجزت عنه القوة المسلحة الايرانية
قام فتح على شاه القاجارى سنة ١٢٣٢ ه بانتداب الحاج ميرزا أبو الحسن خان الشيرازى الى البلاط الروسي ليفتح باب المحادثات مع روسيا حول الاراضى الايرانية التى اصبحت بحكم معاهدة كلستان تابعة لروسيا . وظل الرسول الايرانى ينتظر الأذن له بين يدى الامبراطور الروسى ، وعندما سمح له بتقديم أوراق اعتماده الى الامبراطور حادثه حول الولايات الايرانية فى الشمال والتى أصبحت جزءا من روسيا أجابه الامبراطور الروسى قائلا :
" ان البلاد التى تحت حكمنا اليوم في
القوقاز لم تستول عليها روسيا عنوة من ايران ولكن الحكام المحليين هم الذين طلبوا الانضمام تحت لواء روسيا بمحض ارادتهم ، وخاصة سكان منطقة كرجستان المسيحيين ، فقد راوا ان خضوعهم لروسيا المسيحية خير لهم واضمن لمصالحهم من قبول الحكم الايراني " ورغم ما قاله الامبراطور الروسي للسفير الايرانى فقد تظاهر برغبة روسيا للدخول فى مفاوضات سياسية مع ايران بشأن تلك الاراضى ، وكلف الجنرال اليكس بتروفيتش يرمولوف ، الحاكم العسكرى الروسى لمنطقة القوقاز والسفير فوق العادة لدى البلاط القاجارى ببحث المشاكل السياسية المتعلقة بالبلدين في كل من كنجه وشيروان وطالش ، وفوض الامبراطور الروسي سفيره بالقيام بإجراء استفتاء في تلك المناطق لمعرفة رغبة الاهالي فى الانضمام الى روسيا أو ايران ، ثم عاد السفير الأيرانى الى بلاده يرافقه السفير الروسى الجنرال يرمولوف
استقبل فتح على شاه القاجارى فى أواخر سنة ١٢٣٢ ه - ١٨١٧ م كلا من سفير روسيا والسفير الايرانى فى مدينة سلطانية ، حيث قدم السفير الروسي اوراق اعتماده ، والهدايا التى كان يحملها للعاهل الايرانى من الامبراطور الروسى ، وكان من أهم المسائل التى دار حولها الحديث بين العاهل الايرانى والسفير الروسي المسائل الآتية :
١ - طلب السفير الروسي من فتح على شاه اتحاد ايران مع روسيا فى حربها مع الدولة العثمانية ، فان لم ترغب ايران في ذلك فلا اقل من أن تمتنع عن الاتحاد مع الدولة العثمانية ضد روسيا .
٢ - شكا السفير الروسي الى العاهل
الإيرانى من اعتداءات القبائل الخوارزمية وقبائل مناطق خبوه على القوافل الروسية وطلب من ايران القيام بتاديب تلك القبائل والا فلتسمح لروسيا بتجريد حملة تأديبية ضدها .
٣ - السماح لروسيا بافتتاح قنصلية دائمة لها فى جيلان .
٤ - طلب السفير الروسي من فتح على شاه القاجاري ان تسارع الدولتان في بدء تعيين الحدود بالقرب من طالش وان تقوما بتعيين موظفي الجمارك للطرفين هناك .
وكان من بين الامور التى اقترحها السفير الروسي ان يسمح للضباط الروس بتدريب القوات الايرانية ولكن اقتراحه قويل بالرفض التام من قبل فتح على شاه القاجارى .
عرضت المقترحات الروسية على الجانب الايرانى لدراستها وابداء الرأى ازاءها . وبعد الدراسة والمناقشة عارض الجانب الايرانى فكرة افتتاح قنصلية روسية دائمة فى منطقة جيلان ، وطلب تأجيل تعيين حدود الدولتين الى أن يأتي سفير روسى آخر غير يرمولوف العسكرى . أما موضوع الاتحاد مع روسيا ضد الدولة العثمانية فلم تتلق روسيا من الجانب الايرانى ردا واضحا اما فيما يتعلق بتاديب القبائل فى منطقة خوارزم حسب طلب الجانب الروسي فقد اجاب العاهل الايرانى قائلا : ) أن عبور القوات الروسية من منطقة ) استراباد ( لم يتفق عليه في معاهدة كلستان لذلك لا يمكن السماح للقوات الروسية بدخول تلك المنطقة لتاديب القبائل المخربة ، أما قيام الجيش الايرانى بعملية تأديب تلك القبائل فغير ممكن الا في حالة ما انها كانت هرات
وبخارى جزءا من الاراضى الايرانية . وكان فتح على شاه يرمى من وراء عبارته الاخيرة الى استجلاب عطف روسيا لتساعده فى استرداد كل من هرات وافغانستان الشمالية .
بعد ان انتهى الجنرال يرمولوف من تقديم مقترحات الجانب الروسي الى ايران عاد إلى تقليس حيث مقر قيادته العسكرية فى القوقاز ٤ وفي سنة ١٢٣٣ ه أرسلت روسيا سفيرا جديدا الى ايران لاستئناف محادثات تعيين الحدود في منطقة طالش والسفير الجديد هو زارويتش الايطالي الاصل يرافقه مترجمه الخاص شاه ميرخان الارمنى وعندما وصل السفير الروسي الى طهران طلب منه فتح على شاه القاجاري التوجه إلى تبريز التى كانت مركزا للعمليات الحربية الايرانية بقيادة عباس ميرزا لافتتاح المحادثات بين ايران وروسيا بشأن الحدود مع السفير الروسي . وقد اسند عباس ميرزا امر مباحثته الحدود مع السفير الروسي الى أحد رجال حاشيته ويدعي ) ميرزا محمد على آشتياني ( ولما لم يصل الجانبان الايرانى والروسي الى حل مرض فى موضوع الحدود غادر السفير الروسي الى تفليس للتشاور مع الحاكم العسكرى الروسى هناك ثم عاد الى طهران سنة ١٢٣٩ ه .
في سنة ١٢٤٠ ه طلب عباس ميرزا من حاكم تبريز ) فتح على خان ( التوجه الى تفليس لاستئناف المحادثات بشأن الحدود بين ايران وروسيا مع الحاكم العسكرى الروسي في منطقة القوقاز يريولوف واخيرا توصل الجانبان في الثامن من شعبان سنة ١٢٤٠ ه = ٢٨ مارس سنة ١٨٢٥ الى ابرام اتفاقية بحضور كل من الجنرال ويلهمينوف ومدداوف الروسيين ارسلت
مسودات الاتفاقية إلى طهران لعرضها اعلم المسؤولين الايرانيين ودراستها .
حاول الجانب الروسي في هذه الاتفاقية ان يساوم الجانب الايرانى على ناحيتي كوك جاي وقبان اللتين تعدان جزءا من الاراضى الإيرانية بموجب معاهدة ) كلستان ( فزعم الجانب الروسي ان حل اختلافات الحدودين البلدين يتوقف على السماح لروسيا بالإستيلاء على تينك الناجيتين
عندما وصلت مسودات الاتفاقية إلى طهران استقبلها الرسميون الايرانيون بحيرة شديدة وتعجبت الاساط الايرانية من وقاحة الجانب الروسى فيما يتعلق بناحيتي كوك جاي وقبان . وخلال الجلسات المتعددة التى عقدها الجانبان والتي حضر جانبا منها عباس ميرزا قائد عام القوات الايرانية في الجبهة الشمالية والسفير الروسي : ) مازار ووتيش كما حضرها الخبير الايرانى ) حسن خان اصلان ( الذي كان على اطلاع واسع بالاحوال الطبعية والجغرافية لمنطقة القوقاز بشكل خاص . تقرر فى هذه الجلسات تكوين هيئتين من كل من ايران وروسيا لدراسة الحدود ، وقد ادرك حسن خان اصلان الخبير الايرانى اللعبة الروسية حين طلبت روسيا ضم ناحيتي كوك جاى وقبان لها . فقد كانت منطقة كوك جاى من الناحية الاستراتيجية نقطة هامة وحيوية للجيش الايرانى فهى تتيح لمن يسيطر عليها التسلط على مدينة يروان فى القوقاز ويروان هى مفتاح الحدود الشمالية الايرانية لذلك رفض لجانب الايرانى طلب الجانب الروسى فيما يتعلق بناحية كوك جاي
وبينما كان النقاش في طهران يدور بين الجانبين الروسى والايرانى حول مواد اتفاقية تفليس قام الحاكم العسكرى الروسي -
لمنطقه القوقاز بتوجيه قوة عسكرية روسية الى منطقة كوك جاي حيث احتلتها .
عندما وصلت انباء الحملة العسكرية الروسية على ناحية كوك جاي بعث فتح على شاه القاجاري رئيس تحرير وقائع البلاط القاجاري ) حامل الاختام ( فى معية السفير الروسى لدى ايران لتقديم احتجاج ايران لدى الحاكم العسكرى الروسي على هذا الاعتداء الاثيم على ارض ايرانية ، ولكن السفير الروسي تخلى عن رسول العاهل الايرانى فى بعض الطريق ليواصل السفر الى تفليس وحده .
وعندما وصل الرسول الرسول القاجارى الى تقليس في ربيع الثاني سنة ١٢٤١ ه - ١٨٢٥ م كان الحاكم العسكرى الروسى قد غادر المدينة ، فاتصل الرسول الايرانى بالجنرال الروسي وبلهمينوف المكلف بمناقشة قضايا الحدود مع ايران ، وعندما عرض عليه الرسول الايرانى وجهة نظر بلاده حول الاعتداء الروسي اجاب الجنرال : انه نظرا لوفاة الامبراطور الروسي الاسكندري الاول وحيث انه لم تاته بعد ، تعليمات مريحة من روسيا فانه لا يستطيع التصرف وابداء النظر في الاراضى التى استولت عليها القوات الروسية فعاد الرسول الإيرانى الى طهران سنة ١٢٤١ هي - ١٨٢٦ م .
لقد تورطت ايران حينما قبلت في معاهدة كلستان ان تحل اختلافاتها مع روسيا بالطرق الدبلوماسية . . فايران لا تستطيع مجاراة روسيا في براعتها السياسية وحنكتها الديبلوماسية كما انها لا تستطيع اللجوء الى القوة العسكرية التزاما بنصوص المعاهدة المعقودة بين الطرفين . لذلك استطاعت روسيا عن طريق سفرائها الاكفد في البلاط
القاجاري ان توهم المسؤولين الايرانيين ان روسيا تكن لايران كل حب واخلاص وسوف تتفانى فى الدفاع عنها إذا هددها احد بسوء . وخلال سنة ١٢٢٨ ه الى سنة ١٢٤١ ه وهي الفترة التى توقفت فيها الحرب بين الدولتين أو بعبارة ادق هي الفترة التى عجزت فيها ايران عن مواصلة الحرب ضد روسيا نشات ظروف سياسية محلية وعالمية صرفت كلا من الدولتين عن لاهتمام بمشاكل القوقاز وان لم يغفلا عنها .
فقد اخذت روسيا تستعد للدخول فى حرب مع العثمانيين لبسط نفوذها على دول البلقان . كما بدأ فتح على شاه القاجارى يرقب الحوادث الجارية فى مصر فى عهد محمد على باشا ويحاول استغلالها للضغط على الدولة العثمانية وايقاف تحرشاتها بحدود ايران الغربية .
عندما رأت روسيا انصراف ايران إلى الحدود الغربية وانها بدأت تسحب قواتها الضاربة من الجبهة الشمالية وتركزها على الجبهة الغربية وجدتها فرصة مواتية لارساء قواعد حكمها فى منطقة القوقاز فلجأت روسيا الى سياسة ذهب المعز سيفه مع زعماء العشائر المختلفة فى المنطقة بذلك استطاعت ان تضم اغلب تلك المناطق الى حكمها فلم يمض زمن طويل حتى كانت حدود روسيا الجنوبية قد تعدت الحدود المتفق عليها بين ايران وروسيا ، فقد كان الحكام العسكريون الروس يلحون على ولاة الامر في روسيا لادامة التوسع العسكرى الروسي في الاراضى الايرانية ويعتبرون نهر ارس فى شمال ايران حد روسيا الطبعي مع ايران
