ليس مقالي هذا ردا على افتتاحية الاستاذ محمد مزالي لعدد افريق 1975 من مجلة الفكر وانما هو عبارة عن خواطر اثارتها فى قراءة هذه الافتتاحية .
لقد اثلج صدري ما أكده الاستاذ مزالى من ضرورة الفلسفة بمعناها السليم وبعيد أثرها فى تكوين الشباب ورياضتهم على التفكير النير المستقيم والنقد الرصين البصير واستعدادهم للتمييز بين الخير والشر وسعيهم الى الظفر بسلم قيم وجملة مبادئ يهتدون بهديها فى الحياة الدنيا ويحلو لهم العيش بعضهم مع بعض على أساسها " .
وان هذا التحديد لمقاصد الفلسفة التربوية لهو نفس ما ورد صريحا فى التوجيهات الرسمية المتعلقة ببرامج الفلسفة التى تبين بلا اشكال أن " تدريس الفلسفة يهدف أساسا الى حفز العقول على التفكير وتنمية ملكة النقد عند التلاميذ حتى يكونوا قادرين على التحليل البصير المنظم للمشاكل الاساسية التى تشاغلهم " .
ومما لا مراء فيه أن الاهتمام الكبير الذى يوليه التلامذة للفلسفة لا يعزي لكبير الحظوة التى تتمتع بها بالنسبة لكافة المواد التعليمية الاخرى " فى السنة السابعة ولا للضارب الرفيع المسند اليها بل يتعدى تلك النظرة الانتفاعية الضيقة ذلك لان دراسة الفلسفة تتيح للتلميذ فرصة ثمينة للتفكير فيما تجمع لديه من معلومات وتجارب وللتببصر فيما يحياه من مشاكل وتناقضات فالشباب فى بلادنا يعيش فى محيط قد تتنافر وقد تتألف فيه المعتقدات
والعادات والقيم والتعاليم والمعلومات فمنها ما يأتيه عن طريق التلقين والتأديب فينشأ عليه ويتغذى منه وهو لا يزال بعد حدثا ومنها ما يستقيه من الكتب والمجلات والافلام ووسائل الاعلام فينساق ويتأثر به ولربما اعتنقه وتحمس له ونسى الآخر أو تناساه وليس الامر غريبا لان تونس بلد فى طريق النمو مرتبط بماض عريق يتفاعل مع حاضر يتبدل ومستقبل تتوق اليه الاجيال علي ضوء ما يهز العالم الخارجي من تيارات وأحداث
ثم ان الفلسفة ليست مادة كسائر المواد يجنى التلميذ من دراستها معلومات مضبوطة أو تعاليم قطعية بل هى كما يقول الاستاذ مزالى " موقف فى الحياة وحرية وجرأة على التفكير فى كل المواضيع واعادة النظر فى كل الحقائق ونقد جميع النظريات والمذاهب وهي استعداد متواصل للحوار وميل الى الانضباط والدقة وتعلق باستقلال الرأى وقدرة على الازدراء بكل من يقدر نفسه فوق قدرها ويدعى انه يملك الحقيقة التى لا حقيقة بعدها " .
فان كان هذا حد الفلسفة فلا غرابة ان تكون محل سخط أولئك الذين يعتقدون أنهم يملكون العلم اليقين والقيم المثلى وسر الوجود وكذلك الذين بلغ فيهم الجمود الفكرى مبلغا جعلهم لا يفكرون ويؤذيهم ان يفكر الناس
وما الامر بحديث اذ اصطدمت الفلسفة منذ سقراط الذي حكم عليه بالموت بدعوى انه يفسد الشباب - باصحاب السلطة الفكرية أو الدينية أو السياسية الذين لم تنبن سلطتهم على حق فاصبحوا يتهيبون من كل دعوة الى التفكير والنقد السليم ويصيحون " بتهافت الفلاسفة " وخطرهم على الدين والاخلاق والسياسة غير شاعرين بأن عويلهم انما هو فى الحقيقة رفع من شأن الفلسفة القادرة فى رأيهم على تقويض أرسخ المعتقدات وأرفع القيم وأعرق أركان الحكم
ونحن نجد اليوم قلة من المربين فى الدين ممن اصبحت الفلسفة عندهم العدو الالد والمنافس الخطر والمبارز الوحيد فهل أعيتهم الحجة وعاقهم البرهان حتى يلجؤوا الى التهجم المبتذل والشتم السخيف ؟
فاذا كان هذا الصراع القديم والحديث هو المقصود بأزمة الفلسفة فاللازمة حينئذ ليست بجديدة وقد نشأت الفلسفة فى الصراع وترعرعت فيه وهى باقية ثابتة حية " رغم الداء والاعداء " .
والحقيقة ان المقصود ليس هذا وانما هو ان بعضهم أخذ يتكلم عن ازمة الفلسفة عندما هب السيد " هابى وزير التربية الفرنسي وقدم للملا برنامجا جديدا يحوى فى بعض مقاصده حطا من مكانة الفلسفة وتصغيرا من شأنها مما يجعلها مادة اختيارية كالتاريخ والجغرافيا وعلم الاقتصاد واللغات فهب المناصرون
عندنا لما يجرى فى الخارج وكذلك المترصدون لكل الفرص " لقتل الفلسفة " - على حد تعبير أحد المفكرين الفرنسيين - وطربوا لبرنامج السيد " هابى" وأطنبوا فى الحديث على ضرورة تحوير الفلسفة والحد من شأنها ولكن الخيبة كانت مرة عندما أجمع المجلس الاقتصادى والاجتماعى الفرنسى على وجوب ابقاء التدريس الفلسفي واعطائه المكانة اللائقة به ( * ) .
وعلى كل فمهما كان مآل مشروع السيد " هابى بفرنسا فنحن كما قال الاستاذ مزالى لا نزال فى تونس " نؤمن برسالة الفلسفة وبعيد أثرها فى خلق أجيال حرة فى تفكيرها مستقلة بآرائها متهيئة الى الاضطلاع بمسؤولياتها في المجتمع " .
بقيت مشكلة واحدة تعرض لها الاستاذ مزالى فى افتتاحيته المذكورة وهي مشكلة من سهم " بالمعتدين بالفاحشة الايدولوجية على أبنائنا " أولئك " الذين آمنوا بمذهب وتعصبوا له فأخذوا يبشرون به " محاولين فرضه على الطلاب والتلاميذ .
وهنا يحق لنا ان نتساءل : هل أن فساد عدد من المسلمين حجة على فساد الاسلام ؟ وهل أن الاعتداء بالفاحشة الفكرية ينحصر فى أساتذة الفلسفة ؟
الحقيقة ان الفلسفة مادة " انسانية " كالتاريخ والاقتصاد والتربية فمن الشاق أن يتجرد مدرسوها من ذاتيتهم خلافا لما هو موجود فى العلوم الصحيحة التى يمكن تدريسها بتجرد كامل واستقلال مطلق.
فعندما تطالب التوحيدات الرسمية أساتذة الفلسفة بتوخي الموضوعية فان ذلك ليس بالامر اليسير على حديثي العهد بالتدريس المتخرجين من الجامعة التونسية أو غيرها بل يستدعي ذلك تجربة ورصانة ودربة يكتسبها الشاب المدرس بفضل العناية والاحاطة البيداغوجية ببلادنا .
وفي أغلب الاحيان يعيب التلامذة على أساتذتهم في الفلسفة أنهم لا يتخذون موقفا ولا يبدون رأيا فيما يقدمون اليهم من مذاهب متناقضة وتيارات متضاربة فتحصل اذ ذاك الحيرة عند الابناء تدفعهم الى التفكير والتأمل لا الى " الانتساب الآلى والتصديق الساذج " .
وليحذر الناس كل الحذر من الابواق المهولة للامور والمضللة للعقول التى نستثمر كل زلة آتية من حديث السن وقليل التجربة للتشهير بالجميع والصيد فى الماء العكر .

