الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

اين تسير الثقافة العربية ؟

Share

لعله يحسن ان يطلع قراء الفكر بتونس عما يخالج اخواننا الادباء العرب حول وضع الثقافة العربية واتجاهاتها لذا ننشر فى ما يلى نص افتتاحيا زميلتنا " آفاق " ( خريف 1959 ) فى هذا الموضوع

" اول ما يلفت النظر فى حياتنا الفكرية الحاضرة فى العالم العربى ، هو ما يمكن ان ندعوه ثقافة الدائرة . ونعنى بثقافة الدائرة ان الثقافة السائدة فى العالم العربي ، تكرار لما الفناه في الماضى ، وانغلاق على قضاياه ومعطياته

الوجود في نظر هذه الثقافة اطار مقفل . غاية الفكر فيه ان يدور حول نفسه فى حركة لا تنتهى تبعث ما يموت ، ويتلاقى آخرها بأولها

والوجود فى نظر هذه الثقافة ، متحجر فى ابدية من الثبات . لا زمان فيه ولذلك لا معنى للمستقبل فيه . شرط التقدم الذى يتيحه ، هو العودة الى الماضى وان يكون هذا التقدم صورة ثانية لما تحقق فى الماضى ، فيعيد السيرة الاولى من هنا كانت العقلية السائدة فى العالم العربى ، عقلية سلفية . مثلها الاعلى في النهوض والتطور ، ينبع مما كان ، لا مما يجب ، او يمكن ، ان يكون هكذا تسيطر النموذجية ، ويصبح الكمال ، بالتالي تسيطر الافكار والمو اقف المحددة قبليا ، وتصبح الحقائق في مثل هذه العقلية وهذه الثقافة ، حقائق نهائية ، تتشح بهالة من القداسة ، لا يجوز العبث بها ، او تخطيها

مثل هذه العقلية تبعدنا على العقل 0 فمن خصائص العقل انه منفتح ، وان موضع انفتاحه هو المستقبل ، وليس الماضى 0 ومن خصائصه انه لا يقف عند حد فهو يضئ كل شىء . ومن خصائصه انه فى حركة دائمة ، وان هذه الحركة فعل تجاوز وتخط .

من ينكر العقل ، اذن ، لا يرى بدا من الرجوع الى ماضيه وتقاليده ومعطياته والتقلص عندها ، والتوقع فيها دون اعادة نظر ، او نقد ، او تقييم على ضوء الحاضر والمستقبل ومعطياتهما . هكذا يصبح الماضى ثقلا وقيدا ، بدل ان يكون حافزا ، ونقطة انطلاق . ويصبح عبودية ، بدل ان يكون شعورا عظيما بالحرية والبناء من جديد

الماضى - القيد ، الثقل ، العبودية هو ما يسود الحياة الثقافية فى العالم العربى

لكي نبدع ، لكى تكون انفسنا ، لكي نشارك فى مصير العالم ، لابد لنا من ان نتخلص من ثقافة الدائرة - من النموذجية والسلفية والتكرار والدوران الذي لا ينتهى - وننطلق بثقافتنا سهميا فى الوجود والزمان ، وبدءا من العقل

اشترك في نشرتنا البريدية