الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

باب الخضراء

Share

- 1 -

الندم

قبل اقلاع الطائرة بقليل ، ألقيت نظرة عابرة على مطار أورلى .. لا أدري لماذا انتابنى شعور غريب غامض هو مزيج من الحيرة والقلق .. احسست بندم شديد .. كأننى تسرعت فى اتخاذ القرار .. ماذا سأجد هناك . . تونس ، الجزائر : وجهان لعملة واحدة .. نفس المشاكل . . نفس الأوضاع .. نفس العقليات .. الجمود .. التخلف .. أما هنا .. هنا في باريس فكل شئ يوحي بالحياة .. بالحيوية .. كل شئ مختلف . . الكباريهات .. اللوفر ، مركز بومبيدو .. الحى اللاتيتى .. برج ايفل . . الاليزيه .. الكونكورد .. المسارح ..كلها جزء من الكل حيث الحياة الفكرية والروحية تعكس جمال المدينة وديناميكيتها لولا بعض التصرفات للعنصرين ضد الوافدين العرب .. كلمات البياتى فى آخر لقاء لى به بمدريد عاودتنى : " فى تونس حركة أدبية ماجنة ... لا تعادل الصفر " . صورتان متناقضتان كانتا تكبران فى مخيلتى .. تحركت الطائرة .. همست فى أعماقى .. فات الأوان !! فات ..؟!

- 2 -

الجواز

التفت الشرطى الى قال بلطف وبعربية سليمة : - تقرأ العربية ؟ - بالتأكيد - اذن عبئ البطاقة بالعربية من فضلك .. فنحن فى تونس نستعمل العربية ..!!

أحسست بالخجل .. تراجعت قليلا ..عبأت البطاقة ..ابتسم الشرطى .. ناولنى الجواز بلطف :

نفضل .. أتمنى لك اقامة طيبة فى تونس . صورته ظلت تلاحقى ، لطفه .. ابتسامته حسن معاملته .. ذكرتنى بذلك الشرطى الفرنسي في أورلى وهو يقذف الجواز باحتقار .. وضعت الجواز فى جيبى وانطلقت وانا اشعر بفرحة غامرة لم أحس بها من قبل ..!!! والصورة ما زالت تلاحقنى ؟!!

- 3 -

اللقاء

شمس آذار تعكس شعاعها الذهبى على مقاعد المقهى .. تثير فى النفس دفئا وطمأنينة ، شارع بورقيبة يتوسط الخضراء يمتد باعتزاز كعاشق متيم .. يذكرنى بشارع ديدوش مراد .. العربى بن المهيدى فى الجزائر .. الحركة لا تهدأ ولا تتوقف ..كتل بشرية من مختلف الجنسيات .. اللوحة تتشكل بألوان تعكس جمالا وروعة .. النشوة تملكتنى ..احسست بخطأ الأفكار المسبقة التى حملتها معى .. كل شئ أمامى يناقضها .. الشرطى فى المطار .. سائق التاكسى .. الاستقبال فى " الكلاريدج " فى المقهى .. فى دار الثقافة .. بالوزارة  ..كل شئ يشعرنى بالاطمئنان والسعادة ، سعادة حقيقية لم اشعر بها منذ أن اتخذت باريس مقرا بحكم مهمتى الصحفية ..شعرت بصور الزيف العالقه فى ذاكرتى لباريس تتلاشى وأنا أردد من الأعماق : كم هى عظيمة بلادنا .! كل بلادنا من المحيط الى الخليج .. كم هى أعظم صلاتنا ووحدتنا .! لو . . ؟؟

لم أتم الكلمة ..جاءت بالموعد . - قالت بلطف لم أعهده فى الأجنبيات : أرجو المعذرة لتأخري ؟! - لا . . أبدا .. مرحبا .. تفضلى ؟! - أرجو أن تكون تونس قد أعجبتك . - حدا . . جدا ؟! - مجاملة ؟! - أبدا .. بل حقيقة .. وصدق ..!! - وماذا أعجبك ؟ - سؤالك محرج يا صديقتي .. دعينى أعيش فى نشوة هذا الاعجاب ؟

- ليتك تشركنى نشوتك ؟

- لا بأس .. لن أكون أنانيا .. وأشكرك لانك تتيحين لى فرصة الافصاح عن مشاعرى الصادقة .. فى الواقع يا صديقتي جئت الى تونس وأنا اعتقد أننى لن أنجح في مهمتى بحكم الافكار المسبقة التى انطبعت فى ذاكرتى سواء من الاصدقاء العرب المشارقة أو مما قرأته فى صحف عربية أو أجنبيه . . كنت أحمل صورة بشعة لتونس ..لكنني فوجئت ..فوجئت ..أجل فوجئت ؟؟

- فوجئت بماذا ؟

- فوجئت بزيف تلك الصورة وبظرافة هذا الشعب وحسن استقباله ويكرمه .. انه شعب عربى أصيل مضياف ..فى كل مكان ذهبت اليه وجدت اللطف ..الظرافة ..حسن الاستقبال كم هو عظيم هذا الشعب الآن أدركت السر ؟

- أى سر تعنى ؟؟

- سر الأكاذيب والدعايات الهدامة التى ترمي الى تعميق شعورنا بالنقص والتفريق بيننا وتعميق الحدود الوهمية وابتعادنا عن بعضنا البعض كى نظل تابعين ومستغلين تبهرنا حضارات الغرب المزيفة نحن نذهب الى هناك .. وندفع الثمن غاليا وهم يأتون الى هنا ويتمتعون بخيراتنا .. يأكلون الغلة ويسبون الملة .. باختصار يا صديقتي ان بلادنا كلها من المغرب الى الجزائر الى نونس الى الخليج تكمل بعضها وتشكل جنة لو أننا ؟

- لو أننا ماذا ؟

- لو أننا حطمنا حواجز الاتصال وعملنا على بناء جسور التلاحم .. صدقينى أننى الآن أدركت سر ذلك الاحساس الغامض الذى يطاردنى كلما تجولت فى شوارع باريس أو لندن وهذا الاحساس الهادىء والشعور بالطمأنينة كلما زرت قطرا عربيا . هنا الأهل والأحباب وهناك الغربة .. الغربة القاتلة والضياع .. الضياع اللانهائى ..؟!

- طلب .. ماذا عن الأدب ورأى البياتى ؟ !

- اسمحي لي أن أقول : إن المفكرين العرب آفة هذا العصر ، فبدل ان يعملوا معاول البناء والاتصال يعمقون الجسور المقطوعة فى أبشع عملية هدم فقول البياتي يعكس غرورا وجهلا ويعكس تقصيرا وترفعا وعدم مسؤولية واجحاف

ادباء المشرق بحق اشقائهم بالمغرب العربى . وهم الذين يرفعون شعارات بحجم الكرة الأرضية ويعلنون الثورات التى لن تكون أبدا .. ؟؟

- وما رأيك أنت بالحركة الأدبية التونسية ؟ - هه ..هه .. هل تحولت الى صحفية ؟ - لا .. ولكن أحب معرفة رأيك بصراحة ؟

- أقول بكل صدق وبدون مجاملة - رغم قصر المدة - ان الحركة الأدبية فى تونس تحتل الريادة فى المغرب العربى فلديكم مراكز ابداع وتنافس أدبى لا توجد مثيلاتها فى الجزائر والمغرب وفى عدد من بلدان المشرق العربى وان ما بجرى من صراع فكرى بين ما يسمى بجماعة " الطليعة " و التحريب " وفى " عير العمودى والحر " و " انصار الحداثة " و " انصار الكلاسيكية " وغيرها من التيارات يعكس تجربة رائدة واعدة تعيش مرحلة المخاض الاكبر الذي يبشر بعطاء فكرى أصيل . . يجعل تونس بوابة الحضارة والفكر العربى الاصيل فى المغرب العربى ونجمة فى خد الحضارة العربية المعاصرة .

- ألم توح لك تونس وطبيعتها كتابة أى شئ ؟ - بالعكس كتبت الكثير وسأنشره عند عودتي - هل أطمع فى الاستماع الى بعض ما كتبت ؟؟

- من وحى زيارتنا معا لقرطاج أمس خربشت هذه الكلمات .. تحية لتونس الخضراء فى حلمها الأخضر:

اليوم عيد خالد يا تونس                           السكر أضحى فى حماه مباحا

فيه الرياض اليانعات تبرجت                      والبان دق ، يثيرها الأفراحا

عرس تباركه الطبيعة ان أتى                        فى ثوبه الزاهى وان هو راحا

تخشى عليه من النسيم اذا انثنى                   وتذود عنه عواصفا ورياحا

وتضمه كالأم ضمت طفلها                       ورعته ليلا داجيا وصباحا

خلع الربيع عليه ثوبا مغريا                       فزها واهداه الجمال وشاحا

عرس بتونس خير عرس باهر                    يمحو الهموم عن الورى ان لاحا

فاسكب مدامك تونس ، بل صبها              للزهر لا ..لا تسكبى الأقداحا

قد كنت منتشيا اذا استقبلتها                   والآن اسكر دون صبك راحا

اذ تونس هى الحياة ، وانما                       نمسى بغير وجودها أشباحا "

كانت الشمس اذذاك قد انحسرت .. تراجعت فى الأفق الغربي .. اصطبغت اللوحة بأشكال زاهية تثير في النفس متعة نادرة .. التفتت الى ساعتها .. نهضنا .. ودعتها على أمل ان نلتقى فى باب الخضراء .. ودعتها وانا اشعر بأنني ازددت تعلقا بها وانها اصبحت جزءا مني ولا أدرى ان كان ذلك لعبتى .!!

- 4 -

ألقيت نظرة أخيرة على باب الخضراء بعد جولة ممتعة فى القصبة . قلت لها : سأعود قريبا . قالت : ستجدنى فى انتظارك .

كان الرذاذ قد بدأ يتساقط  .. مسحت دموعها وهى تكرر ستجدنى فى انتظارك . . عندما اقلعت الطائرة كانت صورتها وصورة باب الخضراء وابتسامة الشرطي قد انطبعت في ذاكرتى وصدى كلماتها العذبة يتردد فى ذاكرتى :

ستجدنى فى انتظارك .. ستجدنى فى انتظارك ..

اشترك في نشرتنا البريدية