الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

باب العرش

Share

كانت الليلة ليلة القدر فخيل إلى أنى سمعت بابى يطرق طرقا فرفعت راسى واستمعت . لكنى لم أفز بشئ فعدت إلى نومي شاكا في صحة سمعى . فما كدت أضع راسى على الأرض حتى سمعت همسا تبعته ضربات شديدة على الباب قمت من فراشى مضطربا وخلصت ظهرى من صفحة جريدة آصرت على الإلتصاق به . توجهت إلى الباب ففتحته ونظرت خارجه . فظهر إلى الشارع أسود خاليا لادبيب فيه ولا نور . رفعت راسى إلى القصر المشرف على بيتى الخشبى فبدا لى طامسا نائما . دلكت عيني ثم أصغيت فبلغنى ضجيج بعيد فتخيلتها عربة خضار متجول قد بكر ليبلغ سوق الحضر قبل غيره . لعنت الشيطان وهواجسى وعدت إلى فراشى فارتميث على الصحف والتبن متوجعا من آلام جسمى الهزيل المسن . أردت أن أنام لكن النوم هرب على تقلبت فى فراشى وأردت أن أفكر لكنى كرهت ذلك لأن كلما فكرت قادني خيالي إلى عالم لا يسعدني بتاتا . ولقد فعلت ذلك مرات فكانت النتيجة واحدة قارة : أفوز دائما بنصب من الآلام يفوق بكثير ما تبقى لى من آمال . ولذلك أردت أن أكون واقعيا عاقلا فقررت أن أكل احلامي فأريح نفسى من هرج الآمال ومرج الآلام .

قربت ركبتى من ذقنى ولم أتشجع حتى على مجاملة القط الغريب الذي كان يزورنى حينا ويغيب عني أحيانا . تقلبت مرارا وترقبت طويلا فلم أسمع شيئا . فظننت أنى استيقظت مبكرا لأنى لم أسمع دقات طبل السحور آلذي كان يمر بالقرب من بيتي فى كل ليلة من ليالي رمضان فأنتبه إليه دون أن أتحرك من فراشى لان رمضان شهر الأثرياء ليس فيه لا مثالى الا ليلة القدر نحلم فيها ونطمع فى رؤية باب العرش لعلنا نفوز بالمال والبنين وحسن الصحة وطول الحياة . استغربت من نفسى لأنى اكتفيت بتسجيل مرور ليلة القدر اكتفائي بمرور ليلة عادية وكنت منذ سنوات أحييها مع كل مار ومع كل إنسان وحتى مع الأطفال . فكنت أتطفل عليهم فأشاركهم ألعابهم وأفضل أحيانا إهانتهم على ركودي وذلك لكى أتغلب على وحدتى واحيى فى نفسى روح الصبا الكامنة فى أحشاء كل فرد منا . فكان الأطفال يرمون مفرقعاتهم بين رجلى وعلى ثيابى فأعاملهم

بالمثل حتى يتغلبوا على فأهرب منهم إلى بيتي الخشبى لهثا وانام مبتهجا مغتبطا ، آملا مثل جميع المسلمين فى إقبال باب العرش على خطأ لأنى او من ككل انسان ان الخير يأتيا خطأ أو فجأة و لا يكتسب بعرق الجبين ولا بالكفاح والنضال والاتحاد .

طال ترقبى فيئست من مرور طبل السحور لكنى لم أيأس من شىء آخر لقد كنت متيقنا أنى سأسمع بعد حين صوت عبار الخادم الأسود بالقصر المجاور . فكنت أو من إيمانى بوجودى أنى سأسمعه يردد :

- انعم يا سيدي . حاضر يا سيدي . الله يبارك يا للا فى خدمتك يا سيدي . فى أمان الله يا سيدي . "

ومن ينكر على ذلك ؟ لقد عودت على الاستماع إلى عبار الأسود منذ ما يقرب من عشرين سنة قضيتها فى بيتى الخشبى . فكنت أسمعه فى الصباح الباكر عندما احمل حمصى إلى السوق وأسمعه في المساء عندما أعود . فأزعجتنى جمله الرتيبة فى أيامى الأولى لان عبارا كان يطلقها فاترة مكلة . لكني تعودت عليها كما يتعود كل إنسان على فقره وذكائه ومركباته ومنزلته فتطغي عليه العوائد وتصبح حقائق ثابتة يستنتج منها مقوماته وأفعاله . فكان مفرى منها ان استثمر ها فاتخذتها معينا يوقظني كل صباح لا بلغ سوق البلاط مبكرا وادعو الزبائن بصوت فاتر لاشتراء حمصى

آصابتنى حيرة لان نور الشمس فاجانى دون ان اسمع صوت عبار . ففضلت لحظة ان أشك في الشمس وبروزها عوض أن أشك فى احتمال اختفاء صوت عبار لكنى نهضت مرغما لأن النور غمر بيتي . فتحت الباب ونظرت فكان الشارع خاليا قد اكتسحه نور الشمس واستقر فيه . يا غريبة الغرائب ! لان الشمس ، حسب تجربتى ، تشرق بعد أن يتكلم عبار وان صوته يسمع ولو خلت الشوارع وماتت الدنيا . فلعل سنن الكون قد تحولت ؟ صحيح ان الناس لا يبكرون في رمضان لكن شارعنا لا يخلو منهم بتاتا . فما كان منى إلا أن ارتميت على سلة حمصى وتوجهت مسرعا إلى سوق البلاط . مررت بالحجرة الكبيرة الموجودة أمام القصر فلم  ار عبارا قابعا عليها كما كان يفعل أحيانا . فظننته غاب لقضاء بعض شؤونه لكن أسياده لا يتركونه يفعل ذلك وحده . فحسبته مريضا لكن ذلك لايمنع أسياده من ندائه . انتفضت انتفاضا عندما بلغت شارع باب الجديد فلعله مات ؟ ولعله كان ذلك الطارق الذى طرق بابى طرقا ؟ فيا

مصيبتى ! ويا لوعتى ! لم انجد محتضرا يقطع الموت أحشاءه . وتذكرت ان جدتى وصفت لى مرة موت بعض الناس . فكانت تقول آن منهم من يموت ساكنا ومنهم من يموت واقفا ومنهم من يفر من الموت فيركض ويستنجد حتى يدركه الموت فى زاوية من الزوايا فيغطه غطا كما يغط العقاب فريسته . . فتساءلت ان كان ذلك مصير عبار فى هذا الصباح . اجتهدت لا تصور الزاوية التى مات فيها لكن أمثالها مفقودة بشارعنا . لكنه لم يستنجد ولم يخبر أهل القصر عن موته . لكن لم ترانى أتمنى له الموت انه الصيام . فلقد انهك جسمى وخلط على الامور حتى أصبحت أتصور ما لا يدركه العقل . لقد زارنى عبار منذ يومين فجلس القرفصاء فى زاوية بيتى الشمالية وظل يستمع إلى كعادته ويضع أسئلة لاذعة تحيرني . آه ! لم يمت عبار لأنى سأراه فى المساء وسأعاتبه لأن سكوته جعلنى استيقظ متأخرا . بلغت سوق البلاط فوضعت حمصى وترقبت الزبائن لكن هواجسى عادت إلى فتذكرت عبارا .

لقد كانت معرفتى به شاذة غريبة . وأظنه وجدنى شاذا غريبا بدوره دخل على في ليلة شتاء باردة وكنت جالسا قرب نار آتلذذ بحرارتها وأقرأ نسخة قديمة من جريدة " الزهرة " . فدفع الباب دون أن يسلم وجلس القرفصاء أمام النار دون أن يستأذن ثم حدق فى الجريدة فظننته يريد معرفة الحوادث فخاطبته :

- تحب تقراها ؟ لكنها قديمة . فحرك رأسه نافيا ثم أعرض عنى ونصب يديه فوق النار وظل ينظر إلى زاوية البيت الجنوبية كأنى لست موجودا وليس البيت بيتى . فانزعجت من سلوكه وآردت أن أنهره لكنى أمسكت عن ذلك ونظرت له من جنب فبدا لى طويلا نحيفا حافى القدمين يستر جسمه قميص قديم فضفاض وتحمي راسه خرقة زرقاء ، . حاولت أن أستنتج سنه لكن دون جدوى . فكلما نظرت إلى وجهه ظهر الى طريفا لطيفا فيه نور وشباب وكلما نظرت إلى هيكله بدا لى هزيلا مسنا . نظر إلى بغتة وسال .

- تعرف تقرأ ؟ - ايه . عندك حاجة تحبني نقراها ليك ؟ فلم يجب بسرعة بل سكت دقائق ثم قال : - قلى ، ثمة ناس سود مثلى آنا فى الدنيا ؟

فاستغربت من سؤاله فتلعثمت . ايه ، ايه السود كثيرين فى الدنيا . وبن ؟ وبن ؟ قلى ! قلى ! فى افريقيا كثيرين ، وفى أمريكا والدنيا كلها . - وين هى افريقيا ؟ وبن الدنيا كلها ؟ - يلزم خريطة كبيرة . فسكت وشعرت أنه لم يفهم مقصودي فأردت أن أفسر له الأمر فإذا به يقاطعنى أنت تعرف تقرأ وعايش في ها الخربه ؟ اه ياأخى

ولم أتمكن من الإنتهاء من جملتى لأنه فارقني . فاحترت من تصرفاته وشعرت بفراغ البيت حولي وبوقع سؤاله على . فوددت لو بقى لأحكى له قصتى وابرر وجودي بهذا البيت . فاشتهيت أن أقول له أني حفظت القرآن فى التاسعة بزاوية نفطة وحفظت المتون من بعد ثم قصدت جامع الزيتونة فكرعت منه العلم حتى تحصلت على الشهادة الأهلية . فشجعني ذلك على البحث عن شغل يليق بمنزلتى لانى كنت متيقنا اذاك ان العلم كله دخل احشائى وان العالم صار بين يدى وإنى سأنال الخير بنفسي . فقصدت الادارات لكنها رفضتنى لأنى أجهل الفرنسية واستنجدت بالشيوخ وأهل الجاه من المسلمين فأنكرونى لأنى أفاقى ليس لى مال ارشو به فاشتري وظيفتى مثل جميع الناس . فدرت البلد وما فيه وطرقت كل باب فلما خبث قررت ان ارفق بحالي واجنب نفسي عفوية السؤال فاكتفيت بالعيش مثل غيري . فلم اجدإ لا الحمص ابيعه وأعيش منه . تلك نهاية محزنة لكنها حتمية . آردت أن أحكيها له لأسلى نفسى وأبرر منزلتى لكنه رفض وراح دون رجعة فلم أسمع إلا صوته فى الليل والصباح الباكر . عاد إلى بعد أشهر فناولته كأس شاي فرشف رشفتين وأمر الكاس على جبينه ثم حدق فى فاستحييت من نظره ورشفت شايى فسمعته يتمتم . خاطبته

- اتحب حاجة ؟ تشتهى انفسر لك وين هى افريقيا السودا ؟ هي في القبلة على طريق صفاقس ومدنين .

- لا ، لا ، اسكت بالله . ثم أضاف : الاسود مثلى عنده الحق فى الحرية ؟ - طبعا ، طبعا يا أخي فقاطعنى - حر مثلك أنت ؟ فظننته يتهكم على فتجاهلت ذلك وبادرته قال رسول الله لافرق - نعرفها نعرفها لكن عندي الحق فى كل شئ ؟

- عندك الحق في الحياة وفي الخير والحرية والسفر والزواج والخدمة والعدل والكفاح وسكت لأني شعرت انى أزوده بما جحدت على نفسي نظرت إليه فرأيته متعلقا بى . خاطبني - سويدي كلامك حلو لذيذ قلى عندي الحق حتى فى الموت ؟ فضحكت منه ثم عاد إلى جدي - لكن اش تعنى ؟ معناها عندي الحق فى شنق نفسى ؟ لكن الشنق يا سيدي شجاعة ضد الاخلاق والدين والبطولة . أنت عمرك ما فكرت فى شنق نفسك لخلاصها ؟ فكذبت عليه ، لا ، عمرى ما فكرت . ولكن وين تحب توصل ؟ - حببت نخلص نفسى لكن ما نفعنى حتى الشنق ، أسيادي ما تركوني . الإنسان ممنوع حتى من شنق نفسه ؟ النفس نفسه ولا دخل للناس فيها .

- هذا حق لكن نفسك أنت خارجه من يديك ؟ اه يا سويدي فنظرت إليه فلمحت على وجهه غشوة من الحزن أسرع فى القضاء عليها . فتالمت من قضائه على خوالج نفسه . لم يتمم حديثه وهرب منى

هروبا . فعلمت أنه خلق فى خدمة أهل القصر . فلم يعرف أبا و لا أما وهو يجهل حتى أصله وحسبه . فلقد عاش فى ذلك القصر مع الكبير والصغير فكان يشتغل من الصباح إلى المساء ولا يفوز الا بقليل من الراحة كان يقضيها قابعا فوق الصخرة الموجودة أمام القصر . آراد أن يتخلص من عنائه فهرب هربتين لكن أسياده أد ركوه وأراد أن يشنق نفسه فلم يفلح كان يتردد على من حين لا خر ويسألنى أسئلة غريبة تزعجني وتغضبني أحيانا لأنه يتجنب التفاصيل ويهجرنى كلما سعيت لإدراك مقصوده .

ازداد حنقى عليه لأنه ظل يتردد على ثلاث مرات فى الشهر وذلك مدة عشرين سنة شبت فيها وأمسك هو عن الكلام . فكان يجلس القرفصاء ولا ينبس ببنت شفة و لا يتحرك إلا قليلا . فكنت آمده بمأكول أو مشروب فيقبله أو يرفضه . ومما زاد فى حيرتى انه كان يحرك رأسه لينفى أو يؤيد أقوالي وأسئلتى . ولقد أصاب ملامح وجهه جمود كدت أجن منه . فكان ينظر دون أن يحرك جفونه فظننته التعب قد أنهك قواه وحسبتها السن التى تكسب الجسم جمودا وسكونا مزعجين . لكنى تذكرت فى احدى سهراتنا سؤاله فى شنق نفسه فشعرت أنى قتلت كل انتفاضة فى نفسه اذ أنى منعته مثل آسياده من التصرف فى أمره . ولم أتجاسر على مصارحته فى شأنه لانى كنت أخشى أن يؤول أقوالى ونصائحى تأويلا يجعله يشعر أنى أبيض سيد . فقبلت سكوته وتعودت بزياراته وكنت انتظرها واسعد بها . فمرت علينا حوادث وتقدمت بنا السن ونالت تونس استقلالها ونحن على حالتنا فكنا نراقب بعضنا ونسجل صمتنا . فظننت حينا اننا سنفني فناء المتواكلين فكنا نعيش وننتظر شيئا نجهله حتى أقبل على منذ يومين . جلس قريبا مني ونظر إلى مليا ثم قال :

تحصلتم على الاستقلال ؟ مبروك . ففهمت مقصوده فأجبته بخبث : - تعنى تحصلنا كلنا على الاستقلال ، ائت وانا وكل الشعب العربى التونسى وكل الاخوان والاخوات وإن شاء الله تستقل الشعوب المستعمرة كلها وتعود إليها كرامتها وعزتها ويحصل كل واحد من أبنائها على شغله وحريته وخبزه وراحته ويتحرر من حالته الفاسدة . فقاطعنى

- كانك المرحوم فرحات حشاد يخطب . لكن أتظن يستقل الانسان من الانسان والقريب من قريبه ؟ هذا هو الاستقلال الكبير . الحر يا أخي هو اللى يحب الحرية لغيره كما يحبها لنفسه . أتظن الانسان يقدر يتحصل على كرامته ويصبح مثلك ؟ - طبعا ولا بد . يقدر يصبح أحسن منى الف مرة . فتحذر قليلا ثم أضاف يقدر الانسان يتحرر حتى بكذبة ؟ إذا كان الكذب الوسيلة الوحيدة لا بد يستعمله حتى يتخلص ويتركه من بعد . ليلة القدر جاية يعد يومين . هي ليلة سعيدة والله ؟ قلي أنت تأمن بباب العرش ؟ - سمعت عنه . لكن باب العرش كان لاهل عصر الرسول ونحن اليوم في القرن العشرين .

فكف عن السؤال وقام فدار فى البيت فرأيته مطمئنا هادئا يكاد يبتسم . ولما فارقني شعرت أنه مسرور . سررت بدوري شعورا منى انى طمانت نفسه . لكنى تراجعت عندما أدركت اني بعته كلاما ونظريات كنت أشك فى امكانية تطبيقها على أغلبيتنا لان منزلتى أقوى برهانا على ذلك . فحالتي أشبه بالبارحة من اليوم . تراجعت ثانية لانى شعرت انى انانى اتخذ نفسى مقياسا لغيرى . فعاتبت نفسي وضحكت منها لأنى أريد آن أصبح كريما دون أن اكد ودون أن أكافح ولو كذبا . فكأنى من أهل باب العرش . ففضلت النوم وبيع الحمص حتى كانت الليلة الماضية التى طرق فيها بابى طرقا وخمد صوت عبار فجأة . نسيت عبار وذكرياتى عندما رن فى أذني صوت عجوز - اعطنى يا ولدي قرطاسين حمص ؟

الله يبارك يا للا تفضلي عشرين مليم فلما فارقتنى قمت ورفعت متاعى وتوجهت إلى منزلى لأطهي عشائي لان ساعة الإفطار كادت تدق نظرت حولي فرأيت العجوز التى اشترت منى الحمص . فلاحظت أنى أكاد أكون من سنها . فتعجبت من تصغيرها إياي لكنى استحسنت عبارتها وفرحت بها . فشعرت بنفحة من الشباب تعود إلي رغم انى فقدت طعم الشباب منذ سنوات . فكانت الديار تبدو لي متشابهة والوجوه متقاربة والضحك تكلفا أو تهورا والسماء شهباء والنور سابقا للظلام . فلقد نسيت انى كنت أضع في كل شي رمزا موجودا أو مفقودا لأن الحياة عندي لا تستحق الاعتبار دون رموز تضمحل مع الشيخوخة النبي تدرك الأشياء غالبا من وراء فتور يخيم على النفس ويغشى النظر .

اندمجت فى شارعي فظهر لي القصر وبيتى الخشب . فكان لوناهما متناقضين ومظهرهما فاترين . نظرت حولى لعلى أفوز بعبار جالسا علي الحجرة فلم أر أثرا له لكن لفت نظري نور في بيتي وما عودت على ترك النور في النهار . فهرولت وكدت أقع على وجهى خوفا على متاعي من الغرباء . عدت فركضت ولهثت ثم دفعت الباب مرتعشا فرأيت رجلا طويل القامة آنيق اللباس أسود الوجه باسم الثغر . خفت منه وأردت ان أسأله . فبادرني : - اسكت ، اسكت ، ياسي مسعود . بالله اسكت والا تولى أخرس . بالله ! بالله يا سى مسعود ! أنا عبار صاحبك .

فسكت خوفا على نفسى وإرضاء له ثم نظرت إليه مليا فإذا هو عبار . ابتسم ثم قال متوسلا متوجعا -بالله ما تنطق بكلمة واحدة والا تولى أخرس اومن بكلامى وأنا نفسر لك كل شئ . فرضيت بالسكوت والجمود مثلما ارتضاهما لنفسه مرارا . لكنى ثرت على نفسى ونظرت إليه محتجا . فاقترب منبى يجر رجله اليسرى التى أضرها حذاء أحمر جديد حسبته أول حذاء رأيته في رجليه منذ عرفته . تعرف ياسي مسعود ، أنا ريت باب العرش البارحة ! ايوه ريته آنا عبار الأسود ! نعرفك ما تؤمن بالمعجزات لكن أنا ريت باب العرش .

فازدادت حيرتى ولذعنى الصيام فغشي عيني . فنظرت إلى ملايسه . ففهم مقصودي هذي الملابس الجديدة طلبتها من باب العرش وإذا بها فوق جسمى . جميلة هه ! اش قولك فيها ؟ فامتعضت واردت أن أصرخ فقاطعني كأنك تكذب في . اتحب حجة ؟طلبت من باب العرش يحرم شارعنا على الناس فى ها الصباح حتى للساعة التاسعة . ريت ناس فى الصباح وقت اللى رحت انت للسوق ؟ فأدركت بغتة أنه على حق . إنى أتذكر أن الشارع كان فارغا عندما قصدت السوق متأخرا هذا الصباح . فنظرت إليه وحركت راسي مؤيدا كلامه . قهقه منتصرا

- الحمد لله . حتى آت اقتنعت . أهل الدار اقتنعوا من السحور . وهذا هو السبب اللى خلال تقوم متأخر لانك ما سمعت صوتى ، صوت الخادم القديم . فازداد اقتناعى به وخطر ببالي سؤال . كيف اقتنع أهل القصر بمعجزته ؟ وكيف تركوه حرا لأنى كنت أتوقع أنهم لن يتركوه إلا بعد امتصاصه مصا ولن يفرطوا فيه إلا إذا قبر . وماكدت انتهى من تفكيري حتى أجابني كأن أوحى اليه بما جرى فى خاطري .

- أتحب تعرف كيف سكان الدار اقتنعوا بالمعجزة ؟ دخلت عليهم وقلت ريت باب العرش كل واحد يكلمنى وإلا ينادينى يصبح اخرس سكتوا كلهم الا العجوز أم صاحب الدار تجاسرت وتكلمت لكنى زمجرت فى وجهها حتى خرست طول الحياة .

فازدادت حيرتى وصداع رأسى وخيل الي أنبى أسمع أسطورة من أساطير الأولين فيها عفاريت وجن وأشباح . لكن عبارا موجود أمامى يحدثني وما قدم من حجج يبدو منطقيا معقولا . فاومات إليه بيدي وراسي طالبا منه أن يفسر لى سبب تعلقه بخرس غيره .

- ها . فهمتك ، فهمتك . الكلام هو الداء فى ها الدنيا . بالكلام الانسان يستعبد الإنسان ويكذب عليه ويخبى عليه الحقائق . الكلام جعل الناس يتاجروا بالدين والحق والوطنية والعدالة الاجتماعية و..و . . وتركوا الأعمال .

ففهمت أنه يريد أن يبين لى أن الآراء والأعمال الإيجابية لا تحتاج إلى الكلام للتعبير عنها وتطبيقها تطبيقا مفيدا . تقدم نحوي وسحب من جيبه أوراقا مالية كثيرة .

- أنا غدوة ماشى لافريقيا ، تحب تمشى معاي ؟ الفلوس كثيرة نعطيك نصفها ونخلص عليك السفر ونزيد نعطيك وظيفة . ما تخاف ، السود عمرهم ما يستعبدوك .  فى افريقيا الناس كل اخوان . اش قولك ، تمشى معاى ؟ آنا غدوة نركب من الخربة فى تاكسي إلى صفاقس . إذا تحب تمشى كون فى الساعة السابعة فى الخربة .

فكدت أختننق لأنه عرض على أشياء هامة خطيرة ومنعني من الكلام للتعبير عن رأيى . فأردت أن أتكلم ولو خرست إلى يوم البعث . لكنى هد أت روعى وقربت  اصعبى من جبينى ثم دورته مشيرا إلى أنبى سأفكر فى الأمر . فهمهم وخرج وما كاد يغلق الباب حتى فتحت فمي على وسعه وصرخت صرخة خيل الى انها خارجة من أعماق إنسان لم يتكلم منذ الآ ف السنين . عدت فصرخت صرخات أقل من الأولى ثم أصابني خوف مربع لأنبي أدركت لأول مرة مأساة عبار الذى كان ساكتا غالب حياته وآدركت ايضا مآساة المخنوقين فى الارض الذين فرض عليهم الصمت فعاشوا صامتين . وماتوا صامتين فما عسى أن يكون مصير الدنيا لو صاح مثلبى المخنوقون والخائفون من الجوع والمرض والفقر والقنابل الفتاكة وما عسى أن يكون مصير الحق لو فنى كلام بنى الإنسان ؟

جلست على صند وقي وانهمكت افكر فى مبادرة عبار ومشروع سفره . فرفضت دون تر دد قبول عرضه وتأبطني الشك . فمن يضمن لى آن أقوال عبار حقيقية ؟ فالبون شاسع بين المنطق والحقيقة . فلعل عبارا قد أجاد الكذب واتقن التزوير ؟ ولعل الخرس أصاب العجوز خوفا من زمجرته لا من معجزته ؟ الا تراه اشترى لباسه الانيق بعدما اكتسح المال اكتساحا من سيده ؟ لكن ما حيلتي أمام حجته المتعلقة بالشارع الذي خلا من الناس فى هذا الصباح ؟ وكيف أفسر هد وءه وخضوع أهل القصر لحججه ؟ فلو قبلت عرضه ألا أخشى على نفسى من ماله ؟ ولو سافرت معه وخبنا اتظنني أرفع الراس بعدها ؟ ليت معجزته كانت بشرية اذن لصدقته وامنت بكلامه من أول لحظة !

تكاثرت على الأسئلة والحلول فقمت وجبت بيتي طولا وعرضا وأخذت أفكر فى إمكانية السفر مع عبار . فزينت لي نفسي الحياة فرأيتني ثريا كريما قد عاد إلي شبابي بفضل المال ووسائل العلم الحديثة . فنسيت همومي وأصبحت لا أفكر إلا في الخلود . فشعرت عندئذ أن الكرامة مثلها مثل أغاني الصبا تعود لنا يوما على غير موعد . فهي تسهد في الإنسان مرارا وتنام فى أعماقه أحيانا ولكنها لا تموت أبدا . تحمست لعرضه فارتميت على صند وفى وفتحته ثم أخرجت منه كيسا لأضع فيه متاعى تهيؤا لرحيل الصباح . فبدا لى أن أثاثه كثيرة لا أتمكن من حملها كلها . فقررت رمى بعضها . فتناولت خرقا مختلفة وحققا فرميتها بسرعة ثم ادمجت يدى ثانية وكدت أرمي حرزا " فيه أسماء الله الحسنى وبعض التوابل والأعواد المباركة فلقد أهدته لى أمي المرحومة ليحفظني من الشر والعين الحسود ويأتيني بالخير قلبته مرارا ثم قبلته ورميته بشدة . نظرت داخل الصندوق فرأيت كتابين أحدهما مصحف قرآن والثاني " المنقذ من الضلال ، من تصنيف الإمام الغزالي . نفضت عنهما الغبار ثم وضعتهما فى الكيس . فلعل وعسى....؟ ملأت كيسي بثيابي أيضا وبقيت في الصندوق ابر ومساسيك وخيوط إلا أحتاج إليها . فلما انتهيت شعرت بتعب وجوع فأكلت قليلا ثم فكرت فى عبار فاستغرب من ادراكه للأمور رغم جهله وصمته وشكرته من صميم فؤادي على أخوته وعطفه على . وقلت أن الخير يأتيك ممن لا تنتظر مودتهم فمن يعش ير .

نمت مبتهجا مسرورا بمصيري الجديد وتمنيت لو طوي الليل ساعاته طيا وأقبل النهار . استيقظت فى الفجر لأني سمعت نقرات خفيفة على بابى . فظننتها الريح التى كانت تهب قوية فى تلك الليلة . عدت إلى نومى لكن النقرات عادت . فأردت آن أقطع الشك ففتحت الباب . فلم ارشيئا . فتحت عينى ونظرت إلى اليمين فرأيت عبارا مرتديا قميصه القديم ويرتجف من البرد . فأردت ان أصبح فى وجهه لكنى خفت من الخرس . العجوز نطقت يا سى مسعود ! سامحني أخي نعاودها مره أخرى .

اشترك في نشرتنا البريدية