الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

باعة النوم

Share

ان تعليما يخشى ويتهرب من أحكام الاباء والامهات وحكماء المدينة ، تعليم حقير فى رأيى ، على اذن أيها الاصدقاء أن القى عليكم درسا اضافيا قد يثير فيكم أصداء حية للدروس التى سبقته . اننى محدثكم عن النوم.

تعتقدون جميعا انكم تعلمون حق العلم ما هو النوم ، وانكم تعلمون حق العلم ما هى اليقظة . ولكن هيهات . كلا انكم لا تعلمون ! ليس معنى النوم ان تكون عيناك مغلقتين ، وأن تبقى بلا حركة ، لانكم تعرفون ان الانسان ينام احيانا وعيناه مفتوحتان ، أو يكون نائما وهو يتجول فى الطريق وتعلمون كذلك ان انسانا جد متيقظ ، جد منتبه ، يمكن أن تكون عيناه مغلقتين ، وان يكون دون حركة . ولقد كان ارخيماس أقل نوما من الجندى (الذى قتله)

وليس معنى النوم كذلك ان لا تعرف (غيرك) وان لاتعرف نفسك . لانكم تعرفون ان الانسان اذا نام كثيرا ما يحلم وهو حين يحلم يعرف نفسه ويعرف غيره من الناس والاشياء والسماء والاشجار والبحار.

فما معنى النوم ياترى ؟ انه نوع من التفكير . النوم هو ان تفكر قليلا ، ان تفكر أقل ما امكنك ذلك . والتفكير هو أن تزن الاشياء . بينما النوم هو ان تنصرف عن الشهادات وان تعتبر بدون امتحان كل همسات الحواس وكل همسات الكون أمرا واقعا . النوم هو القبول ، هو الرغبة المريدة فى ان تكون الاشياء مغلقة عن الفهم عصية عليه ، وفى ان تولد الاشياء وان تفنى فى كل آن وحين . هو ان تستغرب أن تزال المسافات وان تصبح الاجسام الثقيلة دون وزن وان تصير الاجساد الخفيفة ثقيلة ، وان تتغير الدنيا بأسرها فى الحال ، كأنك أمام مشاهد المسرح ترى فى لحظة الغابات والقصور والمنارات والجبال كلها تميل ميلا كأن الريح تحركها تحريكا ، قبل أن يبتلعها الفضاء تحت اخشاب المسرح

نعم ! عندما ننام نكون نوعا ما كأننا فى المسرح . فنحن لانبحث عن حقيقة الاشياء ، فى هذه اللحظة على الاقل ، ولهذا ترانا نقبل دون دهشة واستغراب الخيالات المضحكة والاشباح المفزعة . ففى أعماقنا تبقى ثقة ما فى الاشياء وثقة فى العقل ، وثقة فى المدينة وفى نظم المدينة السياسية - وثقة

فى الابواب الوفية ، مما يجعلنا نقول لانفسنا : لو اردت ان اختبر هذه الاشباح ، ولو اردت سؤالها رايت شيئا غيرها ، وبأى شىء اذن يمكننى أن أفسر هذه الاشياء ؟ اني واجد الدنيا فى هذا الخواء والفوضى . وعوض أن أعجب بزوال القلعة والجسر والبحر زوالا مباغتا أعجب بفن المهندس وبخبرة العامل المسير للالات . اعلم اذن ان اليقظة هى حقيقة ان تعزم على هذا العمل ، اليقظة ، هى أن تأبى اعتقاد شىء دون فهمه ، هى الفحص ، هى البحث عن شئ غير الشئ الذى يظهر لعينيك . هى أن تشك فى الاشياء التى تلاقيك ، وان تمديدك محاولا جس ما تراه بالعين ، وان تفتح عينيك لتحاول رؤية ما جست يداك . هى أن تقارن بين الشهادات ، والا تقبل الا الصور التى تقوم بنفسها ، هى أن تقابل الواقع بالممكن حتى تصل الى الحق : وذلك آن تقول لاول مشهد ظهر لك : لست موجودا .

اليقظة ، هى أن تسرع فى اكتشاف الدنيا .

ياله من درس فى النقد هذا الذى يلقننا اياه الطفل وقد بدأ يدرك الدنيا ، وهو فى مهده!

وهكذا تلاحظون الان يا أصدقائى ان للنوم طرائق مختلفة متنوعة ، وان كثيرا من الناس يبدون لكم ، ظاهرا ، فى يقظة تامة مفتوحى الاعين ، يتحركون ويتكلمون ، هم فى الحقيقة نيام.

ان المدينة مملؤة رجالا يمشون وهم نائمون . وهذا النوع من النوم ليست لكم فيه ، يا اصدقائى ، تجربة بعد ، فانكم حين تنامون ، تنامون فى كل بساطة ، ويكاد يخلو نومكم من الاحلام . وحالما يسترجع الجسم قواه تشرعون فى البحث والخلق

كل شئ عندكم فى هذه الحياة جهاد ، ونقاش حاد ، وغزو . ففى هذه السنة مثلا ، لم تريدوا قبول أية فكرة بدون برهان . ولقد القيتم بانفسكم فى معمعة الاراء والافكار ، فى فرح روحى ، وفهمتم النظم الفلسفية ، فاعدتم تشييدها ، ثم هدمتموها فيالها من رياضة تبعث الاعجاب فى النفس هذه التى قمتم بها

وها أنتم ، وكلكم مقاصد وأهداف ، أراكم بعد ، وقد أخذتم بافكاركم وها هى الافكار والاراء تنمو فيكم كما تنمو الاوراق فى الشجرة وستدخلون بعد حين " مدينة الناس " كما دخلتم فيما مضى هذه الدنيا - مواطنين سذجا . وهنا أيضا ستتصدون للبناء من جديد . وفيها ايضا ستحكمون على الاشياء الواقعية قبل أن تقبلوا وجودها . وانكم لن ترضوا أن تفكروا ، حالمين ، في النواميس ، والعدالة ، ومحالفة الانسان للانسان , بل أراكم محاولين أن تدركوا حقيقتها وجوهرها

ولكنكم واجدون فى طريقكم ، كما هو الحال فى القصة ، انواعها مختلفة من باعة النوم . وانه ليخيل الى انى اراهم واسمعهم ، وهم يبنكم, جميع باعة النوم هؤلاء ، وانتم على عتبة الحياة . فهم يعرضون اساليب وطرقا للنوم . فبعضهم يبيع النوم على الطريقة القديمة ، قائلين انهم ناموا حسب هذه الطريقة منذ قرون عديدة وبعضهم يبيع نوما قليل الوجود, يحسن بالانسان أكثر من غيره حسب قولهم . وبعضهم يبيع النوم - نوم الجالس وهو يكتب وبعضهم يبيع النوم ، نوم الواقف ، وهو يعمل ، وبعضهم يبيع نوم النائم فى الهواء ، نوم العقاب فوق السحاب . وبعضهم يبيع نوما بدون احلام . وبعضهم يبيع نوما ثرثارا ، وبعضهم نوما تملؤه الاحلام العجيبة الممتعة : احلام مبتكرة ، احلام منظمة تنظيما : ماض يخلو من الحسرة وآت يخلو من الخشية . احلام ، ينتظم كل شئ فيها ، كما تنتظم الاشياء فى رواية مسرحية محكمة البناء . وللبيع كذلك احلام بديعة: احلام العدالة والسعادة الانسانية الشاملة . وأمهر هؤلاء الباعة يبيعون نوما احلامه هى الدنيا تماما . فهل هنالك من جدوى ياترى فى أن يستيقظ الانسان ؟ ان الدنيا لا تجدى الاحلام شيئا . نعم ، يا اصدقائى ، لاتخلو الارض من البشر ستلتقون بهم ، يعتقدون ان الحقيقة أمر واقع ، وان الانسان يقطف الحقيقة ان هو فتح فقط بصره وسمعه ، ويتعهدون بأن يعينوكم على أن تروا الحقيقة فى أحلامكم فى مشقة لاتفوق المشقة التى تستلزمها الاحلام الاخرى . وهم يقولون انه من الصبيانيات ان نبحث عن الحقيقة ما دامت هذه موجودة . وانه لمشهد غريب عجيب يا اصدقائى ان نرى رجالا يصرخون بالحقيقة ولا يفهمون معناها ويعلمونكم ، غالبا أشياء هم يجهلونها . لانهم هؤلاء الذين لا يزالون نياما كثيرا ما يوقظون غيرهم . انهم عمى يحملون المشاعل

ان مثل الذى يريد ان يفكر تفكيرا نزيها كمثل دودة القز التى تربط خيوطها بكل شىء تجده حولها ، ولا تشعر ان ذلك النسيج اللماع قد اصبح بعد يابسا جافا صفيقا ، وانه يحجب الاشياء ولا يلبث أن يغطيها ، وان هذا الافراز المملؤ بغنى النور ، ينسج حولها ليلا وسجنا . وان الدودة تنسج من خيوط الذهب لنفسها قبرا ، ولا يبقى لها الا ان تنام فيه ، شرنقة جامدة ، ملهاة وحلة لغيرها ، غير عائدة بالفلاح على نفسها . هكذا المفكرون ينامون احيانا فى نظمهم الفكرية كما ينامون فى قبر . هكذا ينام المفكرون منعزلين عن العالم والناس . هكذا ينامون بينما ينشر غيرهم خيوطهم الذهبية ليتزينوا بها انهم يملكون نظاما فكريا نصبوه كما نصب غيرهم فخا ليقبض الحيوان ويؤسره . وهكذا فان كل فكرة من افكارهم ، سجينة قفص ، يمكنك أن تراها فيه ، كالطير . انه مشهد عجيب مشهد فيه عبرة للاطفال كل

فكرة نظمت فى قفص مهيأ ، ذلك أن الفكر اعد كل هذا مسبقا غير ان الحقيقة تهزأ بهذه الاشياء كلها . انها شىء خاص ، فى زمن معين ، وتصبح تصورا شاملا صالحا فى كل آن وحين . وانت ان بحثت عن الحقيقة اضعت كل نظام للتفكير ، واصبحت انسانا . ولقد يحتفظ الانسان بنفسه لنفسه ويحتفظ لنفسه بالحرية قويا مستعدا أبدا ان يدرك ويعى كل شىء كما هو ، وان يتعرض لهذا الموضوع او ذاك كأنه موجود وحده ، أو كأن العالم لم يخلق الا منذ حين . هو أن تشرب من السلسبيل الفكرى لتحيا من جديد حياة وسيقال لكم : ان الواقع هو هو ولن تستطيعوا تغييره . والافضل بكم ان تقبلوه ، غير محاولين تغييره . ولكن ما معنى هذا القول ؟ اليست احلامكم الواقع عندكم ، فى اللحظة التى تمخضت أرواحكم عنها ؟ وهل معنى الاحلام شيئا سوى انها الاحاسيس الخداعة ؟ وهل معنى الادراك الجديد سوى التفكير الجيد ؟

فهذا الرجل الذى يلوح بمجدافيه فى الماء ، لا يسهل على ادراكه بالبصر . لانى أراه رؤية جيدة يميل يمينا وشمالا ، وأرى السفينة متقومة فى وثباتها ، وأرى مقدم المركب تارة مائلا الى هذه الناحية وطورا الى الناحية الاخرى . ولكن الشئ الذى لم أدركه مباشرة ، هو هذه المجاديف المرتفعة ارتفاعا أفقيا . وعلى أن أبصر أولا المجاديف فأراها مائلة بالنسبة للحركات التى كنت أشاهدها ، وعلى أن أرى فيما بعد الى أية جهة يمكن أن نقول انها تتحرك تحركا طبيعيا على سطح الماء وأن أبصر من جهة أخرى على اى اسلوب تتحرك نحو ناحية معاكسة لجبهة السفينة . وكيف تدفع الماء عنها ، وكيف يعتمد الزورق على قعره وينزلق فوقه . وهذه الامور ، لابد أن أشاهدها - لاعلى لوحة ، او على الورق ، رسمت مرة واحدة ، الى الابد ، ولكن على الماء فى لحظة معينة ورؤية هاته الامور معناها أن أدرك بالحس الزورق والرجل الذى فيه . ورؤية كل ذلك معناها انى أتخيل أن هنالك سفينة تتقدم وانى فى نفس الوقت ، أرى رجلا يقوم بحركات لاتجدى ولا تنفع.

واما ان تدخلوا فى كل حين النظام على كل شىء ، وان تكونوا فى كل لحظة " غليلي " Galilee ، أو ديكارت Descartes، أو بالعكس ان تبقوا مثل ترسيت Thersite، فهو امر يتعلق بهمتكم وحدها . ويتعلق بكم ان تفهموا كيف تدور الطاحونة التى تظهر لكم سوداء على صفحة السماء اللامعة ، تدور تحت تاثير الريح ، الريح التى تداعب برقة أيديكم ، أو - بالعكس - ان تبقوا وكأنكم فى حلم مفزع تشاهدون اجنحة سوداء تولد

- أمام أبصاركم - ثم تذوب متحطمة .

بلى , الكون سيكون ان شئتم نوعا من الحلم المائى المائع ، لاشىء يتماسك فيه ولا يقوم فيه شىء

بلى ، يمكن أن تعتقدوا ان الشمس تنطفئ عند كل مساء ولكن فى استطاعتكم ايضا أن تشيدوا من الشمس والكواكب آلة ، وان تدركوا فى مجرى الكواكب اثار الثقل المألوفة التى توثق أرجلكم الى الارض ، وتجعل من التفاحة بعد لحظة شيئا يتساقط أمامكم

وفى استطاعتكم ، فى كل لحظة من اللحظات ، أن تناموا وأن تحلموا أو أن تسهروا وتفكروا لتفهموا الكون ، فان الحياة تتسع لهذا الموقف ولذاك. وعندما تصير أحلامكم صدقا ، فانكم ستعرفون النوم لا محالة والاعتقاد ان الارض تجرى حول الشمس أو الاعتقاد فى الغول والسعلاة حلم الاجلاف ولكن اذا ما اعتقدتم انتم انفسكم ان الارض تدور ولكن دون القدرة على تعليل هذا الاعتقاد او اذا ما رددتم القول بان " الراديوم " يبدو معينا لاينضب من الطاقة دون أن تعرفوا ما معنى "الطاقة" فقط ، فليست حالتكم سوى نوم وحلم . وانى لا تسامح معكم فاعتقد ان هذا هو النوم الحق ، والحلم الحق ،  وهذه هى الاحلام التى نفقت سوقها فى هذه السنة

كان " اناكزاغور " Anaxagore يقول : كان كل شىء متداخلا غامضا ولكن ظهر العقل فانتظم كل شىء تنظيما

هذا حق . فى كل فرد منكم ، كلما استيقظ فكره ظهر الذكاء وطردت الاحلام . وفى كل يوم ينظم فكره الدنيا اكثر فاكثر . وفى كل يوم يفرق بين الكائن والظاهر . وقد انيط بعهدتنا نحن ، نواب اللالهة ، عهدة الخلق وبفضلنا ، ان نحن عرفنا كيف نكون آلهة يقظين ، سيبعث الكون الى الوجود يوما . ولتمضوا دون وقوف يا أصدقائى بين باعة النوم . واذا ما مسكوا بأهدابكم وأوقفوكم ، فليكن جوابكم اليهم بأنكم لستم تبحثون عن نظام فكرى ولا عن فراش وثير . فلاتنوا عن البحث فى الاشياء وتحليلها وتفهمها ولتلقوا وراء ظهوركم جميع افكاركم ، سبقا فارغة وشرانق جافة

فطالعوا واسمعوا ، وجادلوا واحكموا ولا تخشوا من أن تزلزلوا الانظمة الفكرية ولتسيروا على انقاضها وابقوا اطفالا.

لقد قرأنا معا ، طوال هذه السنة افلاطون . لقد ابتسمتم منه أولا ، بل رأيتكم أحيانا تعبسون لتعاليمه ، وقد ظهر لكم سقراط استاذا رديئا ولكنكم

عدتم اليه بعدما فهمتم ، وانتم تفتحون سمعكم لحكمته ، ان الفكر لايقاس بالصاع ، وان الخواتم التى يصل اليها الفكر ليست أهم شىء . فاليقظة هى الهدف

ولقد قتل باعة النوم فى ذلك العصر سقراط ، ولكن سقراط لم يمت . انه حى ، وحيث وجد رجال احرار يتجادلون دخل عليهم سقراط وجلس بينهم مبتسما واضعا اصبعه على شفتيه

ان سقراط لم يمت ، ولم ينهزم سقراط ، ان المفكرين اليوم يقولون اشياء أكثر من ذى قبل ولكنهم لم يصلوا الى معرفة أوسع من التى كانت لسابقيهم بل كادوا أن ينسوا تماما ، وان هم يهمسون بهذا احيانا فى احلامهم - وهو اهم شئ عندى - ان الفكرة كلما قنع بها الانسان فأرضته اصبحت باطلة . ومع هذا ، فظاهر جدا ان آثار كل رياضة هى ان تذيب العادات وان تحرر طبيعة الانسان من جديد . وهكذا تدركون ان المبارزة تحل الحكم فى الروية محل الالية . والروية ، هاهنا ، عمل يحلل بعمق متزايد دائما وترتبط لحظاته المتوالية الواحدة بالاخرى أقل فأقل ، وأكثر فأكثر ، بالاحاسيس المتوالية

وكذلك ، فالنقد يحل الحكم العقلى محل الالية . والحكم العقلى هاهنا ، مقال يحلله ويحفظه قائله اكثر فأكثر ، وهو مرن كالحادثة نفسها مستعد أبدا ، نشيط أبدا ، هو ابداع فى كل حين ، ونهضة وشباب دائمان

انكم تعلمون انهم مبارزون يستحقون السخرية اولائك الذين اعدوا ردا واحدا مهما تغيرت الظروف ، ودون أن يهتموا بحركات خصمهم . وعلى نفس الطريقة ، اولئك الذين يفكرون حسب أساليب فكرية مسطرة تسطيرا فهم يضربون بالسيف نياما : اهداف مزعومة وأجوبة معدة ، شقشقة ، كلمات طنانة فارغة لا تصيب مرمى ، ولا تظفر بشئ

ومن أجل هذا يبدو الى احيانا أن الذين يتعرضون بالبحث لمشاكل الفكر على هذه الطريقة ، فى صورة بهلوانى يحمل اثقالا مزيفة . يدرك الناظر حين يبصر به انه لا يجهد نفسه وانه لم يمسك فى يديه شيئا ثقيلا .

وعبثا يتظاهر البهلوانى بالاعياء فنحن لا نصدقه بتاتا ، لان قدميه لم تغوصا فى الارض ومن اجل هذا ترى يده ، حين تلمس الاثقال الحقة والصخور القوية التى عليه أن يرفعها ، تنزلق عليها ولا تظفر منها الا بقليل من الغبار . ويشاهدهم الجمهور ، فيعجب بهم لانه يعتقد ان نظام اللعب يقتضى الا يرفعوا الا قليلا من الغبار

سعيد هذا الذى يمسك بالصخرة مرة ، وان هو لم يقدر على زعزعتها. فانه سيكتسب قوته ويغذيها بهذه التجربة ولربما يؤول به الامر اخيرا عندما يحمل الثقل ، الى ان ينزلق تحته ، فتجره الصخرة ، وهو ملقى على الارض , مرات عديدة ، مثل سيزيف Sisyphe

وهكذا ، بعدما حللتم كثيرا من الامثلة ، ستكون لكم ايد قوية كايدى العمال تعرف كيف تمسك الاشياء وتحتفظ بها . اذن ، فلا تنسوا أبدا أيها الاصدقاء ، ان المقصود ليس بالمرة الوصول والتحصيل على فراش وثير , والاخلاد فيه الى الراحة

ولا تنسوا كذلك ان النظم الفكرية والمجادلات والنظريات والحكم ، وكذلك الشروح والتقليد . والكتب والخلاصات ، والمقالات والمؤلفات المترجمة, وكل ما يملا سنوات الدراسة ، كل هذه ليست سوى استعداد ورياضة. ان الحقيقة عندنا ، نحن المصابين بقصر النظر ، هى بنت وقتها ، ووليدة موقف ولحظة ، وعلينا ان نراها وان نلفظ بها ونفوه بها وان نجسها فى تلك اللحظة - لا قبلها ولا بعدها - وان نزجها فى حكم مضحكة . أقول لامرات عديدة ، لانه لاشئ يتكرر المرات الكثيرة . وعند هذا الحد سأنتظر الحكيم, على منعطف الطريق

فى الوجود حوادث تلح على البشر جميعا فى السؤال ، وتجبرهم على رد الجواب . حوادث لا تنتظر قبولنا لتحل ، بل لايمكن للانسان أن يتنبأ وينتظر وقوعها . حوادث تنير الماضى والآتى ، مثلما ينير الحريق الشوارع بأضوائه ، وهذه الاضواء التى توقظ البشر أيضا من سباتهم ، وتقصيهم جميعا عن بيوتهم وراحتهم ، وتبدد فى لحظة سريعة أحلامهم فعليهم ان يعملوا ، وعليهم ان يردوا الجواب وعليهم ان يفكروا ، وهم هاربون فزعون من الحريق فكيف تريد منهم أن يفكروا وهم على هاته الحالة يا ترى ؟ لقد كانوا يغطون فى نومهم . وهاقد القى بهم القدر فى جم غفير من الناس ، وهاهم مدفوعون محمولون على غير قصد فى الزحام . فعند ذلك يرنون الى احبابهم والى اعدائهم ، والى طمأنينة بيوتهم التى فقدوها ، والى جميع الصور الغامضة المتنوعة ، التى اجبروا من اجلها ان يصرخوا باصواتهم محبذين أو منددين, طوال الشارع الذى لم يفق تماما

ان اراء مثل التى سيقولونها فى تلك اللحظة ، هى حقيقة همسات خريف من الليل ، وهمهمات الفزع والهروب فى قلب الظلام

وياله من نصر يبعث الحزن فى القلب ، ان يجد هؤلاء الحق وأن يدركوه على غير قصد .

وان غلطة من أغلاط ديكارت العبقرى الفادحة هى أقرب الف مرة للحقيقة من حقيقتهم هذه

هل تذكرون " العذارى الطائشات " ؟ لقد كن نائمات فى انتظار العروس ولقد قضى الدهر عليهن ان يتبعن من بعيد ، حاملات المشاعل وقد فرغت من الزيت . ياله ، أصدقائى ، من رمز جميل فكم نشاهد فى الوجود بشرا يجرون عدوا هكذا ، طول حياتهم ، وراء الحوادث ، ابدا متخلفين عنها لانهم ناموا متعللين بالانتظار

فاعلموا ان الحادثة آتية لاريب فيها ، كالسارق ، وعلينا أن ننتظرها ، واعيننا مفتوحة ، حول المشاعل حراسا منتبهين

وعلى هذه الطريقة كان عملنا . عملنا والسرور فى قلوبنا دون قصد سوى العمل . عملنا لنبقى شبابا ، مرنين ، أقوياء ، وعلى هذه الطريقة, ستستمرون فى عملكم ساعة ينام الحكماء الزائفون ، وباعة الاراء الرخيصة أمثال بروتاغوراس ، وباعة النوم امثال بروتاغوراس

وهكذا ، ستجادلون ، أبدا احرارا ، حول المشاعل ، يقظين . وليبزغ بعد هذا الفجر ، ولترن انشودة الديك الفضية الجوهرية ، وعند ذاك ، ستكونون مستعدين . وانى لا أعلم ما ستكون العدالة المباغتة التى ستطلبها منكم الحادثة ولكنى أقول لكم ، - لان قولى هذا ايماننا جميعا - انها لن تغير من تفكيركم شيئا

ولكن ارانى قد أطلت الحديث ، بينما انتم لم تتعودوا يا اصدقائى ان تسمعونى مثلما فعلت وحدى أتكلم طويلا . وليس هنا المكان ، ولم يعد الوقت لاقدم لنقاشكم ولجدالكم هذه الاراء وهذه الافكار التى القيتها اليكم, وهى متزاحمة بعض التزاحم وحية بعض الحياة لاوقظكم مرة أخرى ، مثلما تلقى على وجه النائمة قطرات حية من الماء البارد . فهى تلمع قليلا ، وتقع على النائم وتمسك به ، ثم لا تفتا ان تصير بخارا لاتراه العين يتصاعد فى السماء الرحبة الواسعة .

فلتنسوا اذن ما قلته لكم - وما قلته لم يكن الا مجرد كلام - واعملوا مثابرين على ادراك الدنيا حتى تكونوا عادلين*

اشترك في نشرتنا البريدية