( قال رجل لصديقه : اذا شئت أن تكون لبقا حسب عرف الناس فى الوقت الحاضر فكن كما كان رفيقك المتحدث ) :
تقول له عن الجو : اذا كان لك بعض الصفة فى المجتمع طبعا : أن الجو اليوم حار جدا . .
فيقول لك : نعم ، لابد هناك غيوم فى الاطراف . .
ثم بعد احاديث من هنا وهناك ، تقول له : كأن الجو قد تحسن ( ولو لم يتحسن )
فيقول : كأنه . . كأن الهواء تحرك ( والمروحة لا تسقط عن يده لحظة واحدة )
وبعد استطرادات مختلفة تقول له : لقد كان حر هذه السنة شديدا جدا . .
فيقول : الامر كما تقول . . وقد قرأت اخيرا فى جريدة الاهرام أن موجة من الحر مرت بالبلاد (الفلانية) وذهب ضحيتها كذا من الرجال . . ربنا يلطف بالمسلمين . .
وبعد برهة تقول له : الا أن رمضان هذه السنة كان ابرد من رمضان السنة الماضية . .
فيقول : فرق عظيم ولا مقارنة بينهما . . لقد صمنا هذه السنة فى مكة ولم نشعر بعطش ولا حرارة . .
ثم تقول له : وكأن الجو تغير فى آخره - أى آخر رمضان - وشعرنا بنوع من الومد . .
فيقول : أما فى آخره فصحيح ما تقول جاءنا حر شديد وومد يكاد يزهق الارواح . . ربك حكيم . .
ثم تفتح موضوعا آخر فتقول : أنا لا أحب السفر بالطائرة . .
فيقول : أما هذا فأنا معك فيه على خط مستقيم . . أكره السفر جوا كراهية شديدة . . يسافر الانسان بالسيارة وهو مالك حريته ينزل حيث شاء ويمشى متى أراد . . لا يكون محكوما كراكب الطائرة ، وهذا غير المخاوف والفواجع . .
ثم تقول له : ولكن الذى يحب الراحة لا يركب الا الطائرة . .
فيقول : أما من حيث السرعة . . وتسافر وانت نائم فلا يجد الانسان مركبا أحسن من الطائرة وما عرفت لذتها الا فى العام الماضى عندما ركبت من كذا الى كذا ووصلت فى دقائق ولم اشعر بأى تعب أو (شيل وحط) كما فى السيارة ، ما شعرت الا أن قالوا طرنا ثم بعد قليل قولوا نزلنا
صدق الله : «علم الانسان ما لم يعلم» و « يخلق مالا تعلمون »
ثم تقول له : ولكن الانسان الذى يريد التنزه والتمتع بمشاهدة المناظر الطبعية ، مناظر الصحراء الخلابة ، فالطائرة لا تصلح لمثل هذا . .
فيقول : هذا ما فيه شك . . الطائرة من هذه الناحية لا تساوى شيئا . . لقد حاول جماعتى هذه السنة أن أسافر معهم فى طائرة فأبيت وقلت لهم : أنا ما أسافر الا بالسيارة . . وتمتعت طول الطريق بهواء البر ومناظره ، وكل يوم نمسى فى مكان ونصبح فى آخر . . ووصلنا المقصود وكان كل واحد منا زاد صحة ونشاطا ووزنا . .
ثم تقول له : ولكن الشىء الذى يضايق فى البر والسيارات هو الغبار ( والتغريزات ) ولو كانت الطرق كلها ( مسفلتة ) لما أظن أن انسانا يفضل ركوب الطائرة على ركوب السيارة . .
فيقول : أما الغبار والتغاريز فهى آفة السيارات بالبر . . أذكر قبل أيام أنى ركبت سيارة مكشوفة وأنا مسافر الى كذا . . فما كنت أصل المحطة الا وكأننى خارج من القبو أو كنت مدفونا تحت التراب . .
وغرزنا مرة فى نقطة كذا . . ولم نخرج من تلك الورطة الا بعد أن زهقت أرواحنا . . ولذلك حلفت أن لا أركب السيارات مرة أخرى . .
ثم تقول له : وقد غيرت اتجاه
الكلام - كما يقولون : ان التليفون وجوده فى البيت نعمة كبرى . .
فيقول : وأى نعمة ! تتصل من محلك بمن تشاء ، تقضى مصالحك وانت جالس فى بيتك لا تتعب ولا تقوم من مكانك . .
ثم تقول له : ولكنه أحيانا يصبح مصيبة من المصائب من ناحية الازعاج والقلق . .
فيقول : أما القلق والازعاج فحدث عنهما ما شئت أن تحدث . . ولذلك يستحسن فلان اذا اراد أن يرتاح أن يرفع السماعة من فوقه ثم لا يلتفت اليه ولا يرتاح الا بهذه الطريقة ، أما لو ترك السماعة فى محلها لما هدأ لحظة واحدة من كثرة المراجعين والمتكلمين . .
فتقول له : لا ليس من الحكمة والصواب أن يعمل الانسان هكذا . . لأن المراجعين لا يراجعونه الا فى المهمات . . فهو بحكم اتصاله بهم ملزم بالاجابة . .
فيقول : صحيح . . اذا كان يحب الراحة والهدوء فلا حاجة الى وظيفة أو عمل مع الناس . . يطلب تقاعدا ويرتاح فى داره لا يراجعه أحد ولا يسأل عنه أحد . . أما الذى يربط نفسه بالناس والموظفين ويعمل هكذا فمخطىء . .
فتقول له : ولكن بعض المراجعين مجردون من الذوق والانسانية . . على أقل شىء يأخذ التليفون ويتصل بفلان وعلان . . سواء أكان الامر مهما أم تافها كتفاهته . .
فيقول : أما هؤلاء وامثالهم التافهون
فامرهم لاريب غريب . . وانا أرى أن معظم المراجعات التليفونية من هذا النوع وجدوا التلفون لعبة من اللعب التى يتلهى بها الكبار . .
ثم تذهب به الى ناحية أخرى . . فتقول له عن شخص معين : أنه فاضل بمعنى الكلمة وانه عالم جليل وقليل مثله فى الوقت الحاضر . .
فيؤمن على كلامك ويزيد بقوله : ان المسكين مغمور لا يعرف أحد فضله الا العارفين وكنت بالامس مع أناس نتكلم عنه وعن فضله وعلمه . .
ثم تعود وتقول له : الا شيئا واحدا لو خلا منه لكان كاملا ، ولكن الكمال لله . .
فيقول : وهو لما يعلم عن هذا الشئ - لاشك . . لاشك لا يكمل الزين وجل من لا عيب فيه . . ان عزلته عن الناس الذين يعرفونه . .
والذين لا يعرفونه هى التى جعلت الناس لا يقدرونه . . والعزلة وان كانت محمودة الا انها لمثله غير محمودة ولو خلا من هذه العزلة لكان رجلا معروفا يقدره الصغير والكبير . .
فتقول له : دع عنك هذا الشىء ، انما الذى يؤخذ عليه هو البخل والشح . .
فيقول : أما هذا العيب فاسألنى عنه ولا تسأل غيرى فيه . . وانا أخبرك بالغرائب . . لقد كنت عنده يوم الجمعة وفى هذه الاثناء جاء ولده
وطلب منه شيئا من الدراهم . . فامتقع لون وجهه وتكلم على ولده بدون شعور واخيرا طرده شر طردة وايم الله اننى لم استطع رؤية هذا المنظر فقمت وراء الولد ولحقته وسألته عما طلبه فامتنع من التصريح فقلت له: ان والدك هو والدى وانا اخوك فلا تبتئس . . فذكر لى ما طلبه من أبيه وهو عدد من القروش . . ولم اتمكن من الرجوع الى والده حياء ، فالبخل عيبه الوحيد وربما فاق ( مادرا ) فيه
ثم تخرج من هذا الموضوع الى موضوع آخر فتسأله مثلا : عن طعام خاص وما رأيه فيه ؟
فيقول : انه والله من ألذ الاطعمة واشهاها الى نفوس الناس . . .
فتقول له : الامر كما تقول ولكن ما رأيك فى ، اذا قلت لك أنى لا أحبه ولا أحب رائحته بالرغم من أن الناس يمدحونه ؟
فيقول : انا أخبرتك عن رأى الناس فيه . . أما إذا سألتنى عن رأيى الخاص فيه فانا مثلك أكرهه كره العمى كما يقولون ، ولا أحب أن يصنع عندى . .
فتقول له : وما رأيك لو نجرب حظنا فيه . . ونأتى بطباخ ويطبخ لنا هنا وندعو عددا من الاخوان ليشتركوا معنا . . لعل أكلنا له مع الاخوان يغير من رأينا فيه . .
فيقول : انها لفكرة جميلة فربما تكون كراهيتنا لسوء فهمنا له . .
وقد حضرت عند فلان مرارا وعنده هذا الطعام فلم أجد فيه ما يكره . .
فتقول له : أتسمع ؟ اننى بمجرد التفكير فيه والكلام عنه وجدت نفسى قد تغيرت وكاد الغثيان يعترينى . . ولذلك عدلت عن الفكرة . .
فيقول : صدقنى اننى كنت أحب أن أكاشفك فى الموضوع واقول لك قبل ثوان نفس هذا الكلام الذى تقول لى الآن . . واعترانى نفس الشعور الذى اعتراك وكنت أحب أن أقول لك وأطلب منك أن تعفينى من التفكير فيه والكلام عنه . .
ثم تستأذن منه للقيام لانك تذكرت عملا مهما . .
فيقول : أنا والله عندى وعد مع فلان فى البيت ويكون الرجل الآن على أحر من الجمر فى انتظارى وفى أمان الله . .
ثم قال الرجل لصديقه : اذا استطعت أن تكون مثل هذا - وما أكثرهم فى وقتنا هذا - فقد نجحت فى اختبار اللباقة واصبحت رجلا لبقا يعرف من أين تؤكل الكتف . . واستطعت أن تعيش مع جميع الطبقات . .

