اول بيعة في الأسلام
دار الفلك دورته . وفى موسم الحج ايضا . وعند العقبة كذلك قابل النبى عليه السلام اثنى عشر رجلا من أهل يثرب ، خزرجها وأوسها . وهم : أسعد بن زرارة ، وعوف ومعاذ ابنا الحارث ، ورافع بن مالك بن عجلان ، وذكوان بن عبد القيس من بنى زريق ، وعبادة بن الصامت ، ويزيد بن ثعلبة حليف الخزرج من بلي ، وعباس بن عبادة وعقبة بن عامر ، وقطبة بن عامر . . وهؤلاء جميعا من الخزرج وهم عشرة . وابو الهيثم بن التيهان حليف بنى عبد الاشهل ، وعويم ابن ساعدة وهما من الأوس ( ١ )
وهنا يسجل التاريخ أول بيعة فى الأسلام . وانها لبيعة فى سبيل الجهاد الروحى والسمو الخلقى . فلا حرب فى بنودها . ولا استلال السيف من موادها . ولهذا سميت بيعة النساء .
نعم هي بيعة ، كما قال عبادة بن الصامت الخزرجى على : " أن لا نشرك بالله شيئا ، ولانسرق ، ولا نزنى ، ولانقتل اولادنا ولانأتي ببهتان نفتريه من بين ايدينا وارجلنا ، ولانعصية فى معروف " ثم يقول لهم محمد عليه السلام بعد ذلك : " فان وفيتم فلكم الجنة . وان غشيتم
من ذلك شيئا ، فأخذتم بحده من الدنيا فهو كفارة له . وان سترتم عليه الى يوم القيامة ، فامركم الى الله عز وجل ، إن شاء عذب وان شاء غفر " ( ١ ) هنا يتحمس الثربيون ويبايعون ، ويطلبون النبى ان يرسل معهم من يثقفهم فى أمر دينهم ويؤمهم فى صلاتهم .
فيرسل معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف اول داعية فى الاسلام . ويأمره ان يقرئهم القرآن ، ويعلمهم الأسلام . فينزل ضيفا على أسعد بن زرارة الخرزجى . فكان يقرئ المسلمين القرآن ، ويفقههم فى الدين ، ويبسط لهم احكام الاسلام ، ويعلمهم الفرائض من صلاة وصيام . ومن اساليبه فى الدعوة هذه الصورة التى هى من صور الدعوة للاسلام فى المدينة ( ٢ ) كيف اسلمت رجالات الأنصار " الأوس والخزرج " ؟ ؟
ها هو ذا مصعب بن عمير القرشى يمشى مع أسعد بن زرارة الخزرجى مضيفه وحامية بيثرب ، وكبير المسلمين آنئذ ثم ينتحيان ناحية من الأرض ، ويبعثان الى رهط من الناس فيجتمعون حولهما ، فيأخذ مصعب فى الحديث عن الاسلام وعن قصص القرآن ، وعن الجنة والنار
وفى اثناء حديثه ، اذا بسعد معاذ الاشهلي الأوسى ، يقف عليهم فى لامته ورمحه ، قائلا بسخرية واستهزاء : - غلام يأتينا فى دارنا وحيدا طريدا غريبا ليسفه ضعفاءنا بالباطل ، ويدعوهم الى شئ لا نعرفه !! إرحلا ، فنحن لا نرى لكما جوارا " وكانا بمكان مجاور لمنازل بنى عبد الاشهل وفعلا رحل مصعب وأسعد ولكن الايمان قوي والنشاط فوار ، ومصعب دؤوب على الدعوة ، وأسعد دؤوب على الحماية ، فيرجعان ثانية ، - ويجلسان بجوار بئر هناك قريبا من منازل بنى عبد الاشهل ايضا ، ليعرضا امرهما على رواده ، والمجتمعين حوله . فيسمع بخبرهما سعد بن معاذ ، واسيد بن حضير الأوسيان ، وكلاهما مشرك على دين قومه ، وهنا يبدأ الحوار التالى : سعد بن معاذ " متحدثا لاسيد بن حضير : لا ابالك !! انطلق الى هذين
الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فاز جرهما عن أن يأتيا هنا بعد الآن ، فانه لولا ان اسعد بن زرارة من حيث قد علمت ؛ لكفيتك ذلك ، اذ هو . ابن خالتى ولا اجد عليه مقدما اسيد بن حضير : يأخذ حربته ويقبل عليهما
اسعد بن زرارة " هامسا لمصعب بن عمير" انظر هذا المقبل إنه سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه . مصعب : ان يجلس اكلمه
اسيد بن حضير : " يقف عليهما شاتما " قائلا : يا اسعدا مالك ولنا ، تأتينا بهذا الرجل الغريب ، تسفه معه ضعفاءنا . اسعد بن زرارة : أو تجلس ، فتسمع ، فان رضيت أمرا قبلته وان كرهته نكف عنك ما تكره . اسيد حضير : أنصفت ، " ثم ركز حربته وجلس"
مصعب بن عمير : يحدث فى الاسلام ، ويعرض آي القرآن ويبشر وينذر أسيد بن حضير : " يرى فى وجهه الاسلام قبل ان يتكلم به" . . ما أحسن هذا الكلام !! كيف يصنع الرجل اذا اراد ان يدخل فى هذا الدين ؟؟
مصعب بن عمير : يغتسل ، فيتطهر ، ويطهر ثوبيه ، ثم يشهد شهادة الحق ، ثم يصلى اسيد بن حضير . " يقوم الى البئر فيغتسل ، ويتطهر ، ويطهر ثوبيه ثم يشهد شهادة الحق ، ثم يصلى ركعتين ثم يقول : ان ورائى رجلا ان يتبعكما لن يتخلف عنه أحد من قومه ، وسأرسله لكما الآن ، هو سعد بن معاذ ، " ثم يأخذ حربته ، وينصرف الى سعد وقومه ، وهم جلوس فى ناديهم ، ينتظرون ما سيفعل " سعد بن معاذ " لجلسائه" احلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به
اسيد بن حضير " حين وصوله موجها الكلام لسعد بن معاذ " : - انى كلمت الرجلين ؛ فوالله ما رأيت منهما بأسا وقد نهيتهما ، فقالا نفعل ما أحببت وقد علمت أن بنى حارثة قد خرجوا الى اسعد بن زرارة الخزرجى ابن خالتك ليقتلوه سعد بن معاذ : " ينهض مغضبا مهرولا خوفا مما سيحدث ولكنه عند
ما يصل الى اسعد بن زرارة ابن خالته ، ومصعب بن عمير ، يجدهما مطمئنين فيعرف ان اسيدا قال ذلك ليحمله على المجئ اليهما والسماع منهما ؛ ثم يوجه . الكلام لابن خالته : يا ابا امامة ، والله لولا ما بينى وبينك من صلة القربى ، مارمت ! هذا منى ؛ أتغشانا فى دارنا بما نكره ؟
اسعد بن زرارة : " لمصعب بن عمير عند رؤيته سعدا مقبلا" - جاءك والله سيد من وراءه من قومه ، ان يتبعك ، لا يتخلف عنه انسان ثم يوجه الكلام الى سعد بن معاذ : الا تجلس ياسعد فتسمع ، فان رضيت امرا ورغبت فيه قبلته ، وان كرهته عزلنا عنك ما تكره .
سعد بن معاذ : أنصفت !! " ثم ركز الحربة وجلس " واخذ مصعب يعرض . الاسلام ، ويتحدث باحاديث الدعوة المحمدية ، واخيرا يرى فى وجه سعد اشراقة الاسلام ، وسرور الاطمئنان ، ثم يقول لهما . كيف يصنع الرجل اذا اراد . الدخول فى هذا الدين ؟
مصعب بن عمير : يقوم فيغتسل ، ويطهر ثوبيه ويشهد شهادة الحق ، ثم يصلى ركعتين . سعد بن معاذ : " يقوم فيغتسل ، ويطهر ثوبيه ، ويشهد شهادة الحق ، ثم يصلى ركعتين ، ثم يأخذ حربته عامدا الى نادى قومه ، ومعه اسيد بن حضير : رجالات الاوس : متهامسين فى ناديهم وهم ينتظرون زعيميهم " قائلين : والله لقد رجع الينا سعد بغير الوجه الذى ذهب به
سعد بن معاذ " موجها كلامه لرجالات الأوس " : يا بنى عبد الاشهل ، ويازعماء الأوس ! كيف تعلمون امرى فيكم ؟
بنو عبد الاشهل : سيدنا وابن سيدنا ، افضلنا رأيا ، وايمننا نقيبة . سعد بن معاذ : ان رجالكم ونساءكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله . ( وفعلا ما امسى فى دار بنى عبد الاشهل رجل ولا امرأة الا مسلما او مسلمة ) وبمثل هذه الصورة " وعلى تلك الوتيرة ، انتشر الاسلام بين الأوس والخزرج اولاد قيلة . القاهرة

