الحجاز اول قطر شع فيه نور الهداية ورفعت فيه مشاعل العرفان وخفقت على ربوعه رايات الاسلام ودوت فى جوانبه كلمة الحق وانصدع الباطل وكان زهوقا اذ قام به امام المصلحين وسيد الدعاة والمرشدين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه فنشر الاسلام وجدد معالم الحنيفية المندرسة بعد امام الخلفاء ابراهيم عليه الصلاة والسلام ، ثم سار خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم سيرته فى الدلالة والارشاد وتعليم الناس الخير دون ما تدوين أو كتابة ودون ما فلسفة وتعقيد .
وتداول حكمه الخلفاء فى الدولتين الأموية والعباسية وغدى شأنه ثانويا بالنسبة لانتقال مركز الخلافة منه الا انه بقى محتفظا بنشاط الحركه العلمية فيه فكان منه الفقهاء وأئمة الدين وتنازع السيطرة عليه والنفوذ حكام مصر من فاطميين وعثمانيين حتى القرن العاشر حيث تمت السيادة للعثمانيين على سائر البلاد العربية ولم يكن الحجاز جد سعيد بهذا الدور اذ لم توله الدولة العثمانية أية عناية من الناحية العلمية والثقافية فضرب الجهل فيه بجرانه وفشت البدع والخرافات وانصرف الناس بها عن صميم الدين واعرضوا عن تعاليم الفطرة واغبر وجه الحق وامتد رواق الباطل واستمر الحجاز فى هذه المحنة وموجات الشر تكتنفه وعوامل الفساد تنخر فيه حتى العهد السعودى الاول أى عام الثمانية عشرة بعد المائتين والألف حين فتحه الامير سعود فى حياة والده الامام عبد العزيز فنشر التوحيد وحارب البدع والخرافات وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وألزم الناس باقامة الصلوات الخمس جماعة فى المساجد واقام الحدود وانتصر لدين الله واستمر النشاط الدينى ملحوظا فى هذه الربوع حتى تقلص ظل السعودى باستيلاء جيوش محمد على الحجاز عام
١٢٢٨ ه وكانت بعد ذلك فترة طويلة الأمد أى من عام ١٢٢٨ حتى سنة ١٣٤٣ ه حيث فتح الحجاز مؤسس المملكة العربية السعودية الأمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود تغمد الله برحمته فبدأ نشاط الحركة الدينية ينتعش ويتوثب ويعود للظهور وخفقت رايات التوحيد على الاطم والمعاقل تحمل الشعار الاسلامى الذى يعشقه ويدين له كل مسلم : ( لا اله الا الله محمد رسول الله ) وهو الرمز الخالد لعزة الاسلام ، وتحته غامر ابطال الاسلام ففتحوا الدنيا ودوخوا العالم وكان فضل الله عليهم عظيما
وما إن وطئت اقدام الامام عبد العزيز الديار المقدسة سنة الثلاث والاربعين بعد الثلثمائة والألف حتى كان فى طليعة ما عنى به من أعماله المبرورة بعث الحركة الدينية من جديد ، وكان يصارح الملأ بقوله : " نحن دعاة ولسنا بحكام . دعاة لدين الله ولأخلاص العبادة لله ولم نقدم من ديارنا اليكم الا انتصارا لدين الله "
وقد أفسح المجال وأوسع الصدر لحضرات أصحاب الفضيلة العلماء فى مناقشته شخصيا والاجتماع به ثم بحضرات اصحاب الفضيلة علماء نجد لوضع أسس التفاهم الصحيح وتعرف واقع الدعوة وفحص التهم والمفتريات التى الصقت بالدعوة واستغلها المغرضون لصد الناس عن سماع صوت الحق والاستجابة لدعاته واسفر ذلك عن اقتناع تام وتفاهم فى الأصول والفروع قضى على الظنون والتوجسات ولم يدع مجالا للشك فى ان الحركة الدينية التى يتزعمها الامام عبد العزيز لا تختلف فى شىء عن حركة الاصلاح التى قام بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لا فى الشكل ولا فى الجوهر ، بل هي حركة تجديد لما اندرس وعنى عليه الزمن من دين الحنيفية ، وحركة تطهير للمعتقدات وتنقيتها من الزيف والشوائب واعادتها الى ما كانت عليه فى العصور الذهبية وخير القرون .
وفيما يلي ننقل نبذا من خطاب الامام عبد العزيز الذى وجهه الى اصحاب الفضيلة علماء الحرم المكى الشريف فى اجتماعه التاريخى الذى عقده المناقشة وتقرير الواجب من حيث التدين والمعتقد ، وهو يصور لنا الهدف الذى رسمه الامام للحركة ومدى النشاط الذى يبذله ويرد به فرية المفترين .
قال الامام رحمه الله : " ان العقائد التى جاء بها لانبياء ، من قبل ، ذات أصل واحد وهى اخلاص العبادة لله وحده وينحصر ذلك فى قول : ( لا إلا الله ) فلفظ ( إلا الله ) معناه اثبات العبادة لله وحده ، فكل عمل صالح اذا لم يكن مبنياً على هذا الاساس فهو باطل قال تعالى : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه احدا ) فدلت هذه الآية الكريمة على ان النجاة لا يكفى لها العمل الصالح وحده
بل لا بد فيها من اخلاص العبادة والدعاء لله وحده من جميع المخلوقات ... لا ينفعنا الا الاخلاض فى كل فى شئ ، اخلاص العبادة لله وحده والاخلاص فى الاعمال كلها وليس عندنا بما يتعلق بمعتقدنا غير ما رأيتموه فى الهدية السنية (١) ... والذى نبغيه فى هذه الديار هو ان يعمل بما فى كتاب الله وسنة نبيه فى الامور الأصلية أما فى الأمور الفرعية الأخرى فاختلاف الأئمة فيها رحمة ؛ والكلام فى هذا طويل : والآن انا بذمتكم وأنتم بذمتى والدين النصيحة وأنا منكم وأنتم منى والكلام غير الصحيح لا يليق فى هذا المقام وهذه عقيدتنا فى الكتب التى بين أيديكم فان كان فيها خطأ يخالف كتاب الله فردوه علينا وما أشكل عليكم منها فسلونا عنه والحكم بيننا كتاب الله وحده وما جاء فى كتب الحديث والسنة ( فأن تنازعتم فى شئ فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) إننا لم نطع ابن عبد الوهاب ولا غيره الا مما أيدوه بقول الله وسنة نبية محمد صلى الله عليه وسلم أما احكامنا فنسير فيها طبق ما اجتهد فية الامام أحمد بن حنبل لقد اشاعوا عنا السئ الكثير على عقائدنا وشنعوا علينا قالوا فى جملة ما كذبوه علينا اننا لا نصلي على محمد وإننا نعد الصلاة عليه شركاء نعوذ بالله من ذلك أوليست الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ركنا من أركان الصلاة وانها لا تتم بغيرها ؟ ويقولون إننا ننكر شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ! معاذ الله أن نقول هذا إنما تطلب من الله أن يشفع فينا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ( من ذا الذي يشفع عنده الا بأذنه ) وندعو الله أن يشفع فينا الولد الصغير ونقول : اللهم اجعله فرطا لأبويه ولا نطلب الشقاعة من الطفل . وأما محبة الأولياء والصالحين فمن الذى ذا ينقصهم منا ؟ ولكن محبتهم الحقيقية هى العمل بما عملوا به واتباع سنتهم فى التقوى . ومن هم اولئك الأولياء وهم الذين قال الله فيهم : ( الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ) فهؤلاء هم الذين نحبهم ونقتفى آثارهم ولكنا لا نرفعهم فوق المرتبة التى لا يريدونها لأنفسهم ولا يريدها الله لهم .
هذا الذى نحن عليه وهذا الذى ندين الله به فان كان عندكم ما ينقضه فى كتاب الله او سنة رسوله فأتونا به لنرجع عنه وان كان هذا مقبولا عندكم فتعالوا
نبايع على العمل بكتاب الله وسنه رسوله وسنه خلفائه الراشدين من بعده ) . انتهى خطاب الامام .. وعلى اثر ذلك وبعد الاتصالات والمناظرات التى كانت بين علماء الحرم وائمته وعلماء نجد . اصدر علماء الحرم بيانا للعالم الاسلامى ملوكه وامرائه عن نتيجة المناظرة والبحث ودرس العقائد نثبته بنصه تجديدا لذلك الماضى المجيد الذى جمع الله فيه الكلمة وألف القلوب على الحق ونشر دين الله :
" بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله وحده والصلاه والسلام على من لا نبي بعده . من علماء حرم الله الشريف وأئمته . " الاسماء . . ....... " الى من نراه من علماء الحكومات الاسلامية وملوكهم وامرائهم . أما بعد فقد اجتمعنا نحن المذكورين مع مشايخ بجد حين قدومهم الى الحرم للشريف مع الامام عبد العزيز حفظه الله فجرى بيننا وبين المذكورين المحترمين مباحثة فعرضوا علينا عقيدة أهل نجد وعرضنا عليهم عقيدتنا فحصل الاجتماع بيننا وبينهم بعد البعث . والمراجعة فى مسائل اصولية منها .
أن من أقر بالشهادتين وعمل بأركان الاسلام الخمسة ثم آلى بمكفر ينقض اسلامه قولى أو فعلى أو اعتفادى أنه يكون كافرا بذلك يستتاب ثلاث فأن تاب والا قتل .
ومنها : من جعل بينه وبين الله وسائط من خلقه يدعوهم فى جلب نفع او دفع ضر أو يقربونه الى الله زلفى انه كافر يحل دمه وما له ومن طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه الا الله . ان ذلك شرك فان الشفاعة ملك لله ولا تطلب . الا منه ولا يشفع أحد الا بأذنه كما قال تعالى : ( من ذا الذى يشفع عنده الا بأذنه ) وهو لا يأذن الا فيمن رضى قوله وعمله كما قال تعالى ( ولا يشفعون الا لمن ارتضى ) وهو لا يرضى إلا التوحيد والاخلاص .
ومنها : تحريم البناء على القبور واسراجها وتحرى الصلاة عندها ان ذاك بدعة محرمة فى الشريعة .
ومنها أن من سأل الله بجاه أحد من خلقه انه مرتكب حراما
ومنها : أنه لا يجوز الحلف بغير الله لا الكعبة ولا الأمانة ولا النبى ولا غير ذلك . لقول النبى صلى الله عليه وسلم : ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) فهذه المسائل كلها لما وقعت المباحثة فيها حصل الاتفاق بيننا وبين المذكورين ولم يحصل خلاف فى شئ فاتفقت العقيدة بيننا معاشر علماء الحرم الشريف . وبين اخواننا علماء نجد نسأل الله أن يوفق لما يحبه ويرضاه آمين وصلى الله على محمد وآله وسلم ".
كما اصدر علماء المدينة فتوى حول هذا الهدف . وهى بمثابة اعذار وتنصل مما كان يفعله العامة من امور بدعية وشركية تتنافى ومبدأ العقيدة الصحيح وكان الحافز
على صدور هذه الفتوى هو الامام عبد العزيز حيث اصدر أمره الى رئيس القضاة الأسبق باستفتاء علماء المدينة فيما شاع من البدع عندهم كالبناء على القبور واتخاذها مساجد وغير ذلك وفيما يلى نص الاستفتاء والجواب عليه :
( بسم الله الرحمن الرحيم ( ما قول علماء المدينة المنورة زادهم الله فهما وعلما فى البناء على القبور واتخاذها مساجد هل جائز أم لا ؟ واذا كان غير جائز بل ممنوع منهى عنه نهيا شديدا فهل يجب هدمها ومنع الصلاة عندها أم لا ؟ وما يفعله الجهال عند الأضرحة من التمسح بها ودعائها مع الله والتقرب بالذبح والنذر لها وايقاد السرج عليها هل جائز أم لا ؟ وما يفعل عند حجرة النبى صلى الله وسلم من التوجه اليها عند الدعاء وغيره والطواف بها وتقبيلها والتمسح بها ، وكذلك ما يفعل فى المسجد الشريف من الترحيم والتذكير بين الأذان والأقامة وقبل الفجر ويوم الجمعة هل هو مشروع أم لا ؟ أفتونا مأجورين وبينوا لنا الأدلة المستند إليها لا زلتم ملجأ للمستفيد )
الجواب - " نقول وبالله التوفيق : " أما البناء على القبور فهو ممنوع اجماعا لصحة الاحاديث الواردة في منعه ولهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه مستندين فى ذلك بحديث علي رضي الله عنه أنه قال لأبى الهياج : " الا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا الا طمسته ولا قبرا مشرفا الا سويته " رواه مسلم
وأما اتخاذ القبور مساجد والصلاة فيها فممنوع مطلقاً وايقاد السرج عليها ممنوع ايضا لحديث ابن عباس : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج . وأما ما يفعله الجهال عند الاضرحة من التمسح بها والتقرب لها بالذبح والنذر ودعاء أهلها مع الله فهو امر ممنوع شرعا لا يجوز فعله أصلا
واما التوجه الى حجرة النبى صلى الله عليه وسلم عند الدعاء فالاولى منعه كما معروف من معتبرات كتب المذاهب ولأن افضل الجهات جهة القبلة
وأما الطواف بها والتمسح وتقبيلها فهو ممنوع مطلقا . وأما ما يفعل من التذكير والترحم والتسليم فى الاوقات المذكورة فهو محدث هذا ما وصل اليه فهمنا السقيم وفوق كل ذى علم عليم فى ٢٥ رمضان سنة ١٣٤٤ ه "
ولم يكتف الامام بهذه البلاغات والفتاوى والمفاهمات الشخصية إذ خشى ان يفسر ذلك تفسيرا مغرضاً كأن يقال ان علماء الحرمين اتخذوا التقية - حاشاهم من ذلك - وان هذه القرارات والفتاوى كانت تحت تأثير الضغط وسطوة السلطان فقام بمحاولة أخرى وهى الابراق الى وزارة الداخلية المصرية راغبا وساطتها فى استصدار فتوى من قبل مشايخ الأزهر فى المسائل السالفة وغيرها فأصدر مفتى الديار المصرية بالإشتراك مع شيخ الجامع الازهر آنذاك فتوى لا تختلف فى شئ عن فتوى علماء الحرمين الشريفين ، ذلك ان الحق واحد لا يتغير بتغير الإقاليم ولا يتبدل بتبدل الشخصيات .
بمثل هذه الجهود المبرورة التى كان يبذلها الأمام لأقرار الحق ، وبمثل هذه الوسائل الناجحة والنشاط الملحوظ لتدعيم الحركه الدينية فى هذه البلاد ، ويمثل هذه المحاولات الرشيدة استقام الإمر وصلح الحال وتفتح الوعى واستنارت البصائر واتجهت الأنظار الى التجديد وخلع ربقة التقليد واحتضان مبدأ : ( قل واعمل ) تمشيا مع النهج الحصيف الذى رسمه الأمام وحفز الهمم اليه فلم نعد نسمع دعوة لغير الله أيا كان المدعو ، نبيا أو وليا او رجلا صالحا أو ملكا مقربا ، ولم نعد نرى أثراً لقبة أو معلما لضريح أو بناية لمولد مما كان معتادا أن يقع تحت الحس ويشاهد للعيان ولا يقع بصرك فى أوقات الصلوات الا على الجماهير تتزاحم بالاكتاف على أبواب المساجد لتؤدى المكتوبة فى اول وقتها جماعة ، وفى ذلك من الأجر العظيم ما نرجو ان يكتبه الله تعالى فى صحائف اعمال الأمام الدال على الخير والمرشد اليه والحافز عليه أخذاً من حديث : " من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شئ " رواه مسلم عن جرير بن عبد الله ومن حديث : " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " رواه مسلم عن عقبة بن عامر .

