الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

بحث طريف جامع, مهمة الاديب فى الحياة

Share

مثل ما نجيب عن مهمة كل كائن حى فى هذا الوجود ؛ بل مثل ما نجيب عن مهمة الانسان من حيث هو انسان فى هذه الحياة ، كذلك تكون الاجابة - فى رأيي - عن مهمة الاديب فى الحياة ، فالاديب ان هو الا انسان قبل كل شئ ومهمته كمهمة سواه ، مهمتة لا فرق بينها وبين غيرها من مهمات الاحياء اللهم الا فى الكيفية التى نتكيفها ، وفي اللون الذي نظهر به .

وقبل أن نأخذ فى بحث كهذا ، وقبل أن نجيب عن المهمة الملقاة على عاتق الاديب ، لابد لنا من وقفة استفهام ؛ او بعبارة أخرى لابد لنا من أن نسأل عن مهمة الحياة نفسها ، والسؤال عن مهمة الحياة قد يستدرجنا بل هو يستدرجنا حقيقة الى أن نسأل سؤالا آخر له أهميته . . هذا السؤال هو ما هى غاية الحياة ؟

ما هى مهمة الحياة ؟ واخيرا ما هى غايتها ؟  إما مهمة الحياة فقد يمكن تلخيصها فى عبارات موجزة ، بعيدة عن النبسط ، وبعيدة عن التصنع ، وبعيدة ايضا عن التهويش الذي اعتاد بعض الكتاب أن يظهروه ... مهمة الحياة هي ان تستمر... وتستمر ، وأن تظل محافظة على سنتها الدائمة التى هى ( حفظ النوع ) اما الاحياء فلكل منهم مهمته الخاصة به ، ومهماتهم على اختلافها وكثرتها ، قد لا تختلف فى غاياتها عن تلك الغاية المنشودة ، وان كانت تمتاز بشئ اخر ، اجل تمتاز مهمة كل حي في هذا الوجود من بني الانسان بان لها غرضا ساميا جميلا ، ذلك هو نشدان الكمال ذلك هو الطموح الى المثل العليا ذلك هو العمل والجهاد باستمرار فى سبيل الارتقاء والتحسين الارتقاء الذى اساسه القوة والتحسين الذي دعامته الجمال

استمرار ومحافظة على النوع ، وتطور ، هى ذى اقانيم الحياة ، أو بعبارة أخرى هى ذى مهمتها ، وهى هى غايتها ، وجهاد مستمر في سبيل الارتقاء والتحسين تلك هى المهمة المفروضة على كل انسان ، وتلك هي ( الطريق المعبد ) الذي لا طريق سواه كما هو الواقع يصل به إلى السعادة التى هى غاية الانسان وأمله المنشود والآن فلنتوغل قليلا ، ولنمش برهة وجيزة فى ميدان الحياة ... ولنلق نظرات سريعة على الأشياء التى تبدو فيها أمام الرائى لأول وهلة ... أو على الاشخاص البارزين فيها تحت ضوء الحياة العصرية التى نعيش فيها الآن ...

اننا نجد الطبيب والمهندس والتاجر والزارع والصناعى والعامل كما نجد المعلم والمحامى والموظف والصحافى والكاتب والشاعر وغير هؤلاء من الاشخاص . ولقد يكون فى ذكر هؤلاء كفاية للاستدلال على نوع الاعمال التى يؤديها الاحياء فى مثل هذا العهد الذي نعيش اليه ، واسنا نريد الاسهاب ، فاننا نبغى أن نتكلم عن مهمة الاديب ليس الا ، ولكن ماحيلتنا وقد شاء القلم غير ما نشاء . . واسترسل على غير عادته فى الاستطراد فعذرا أيها الكرام القارئون !

لندع اذن الطبيب والمهندس وغيرهما . . ولنمسك بتلابيب الاديب ، والاديب فى عصرنا الراهن يتكون من عدة شخصيات بارزة ، فالصحافى شخصية أدبية لها طابعها الخاص بها والشاعر له أيضا مميزاتة التى لا توجد فى زميله ، وهناك الكاتب اللاصحافي :: هناك الكاتب الفنان وهو الاخر له شخصيته التى لا يجحدها الجاحدون .

الكاتب والشاعر والصحافى ؛ ثلاثة شخصيات تسيطر فى عالم الادب اليوم فما هى مهمة كل منهم ياترى ، وما هى الغاية التى يسعون وراءها ؟ وهل تتفق هذه الغاية مع الغاية المشتركة العظمى التى اسلفنا كلامنا عليها ؟

هو ذا الصحافى - وهو اوثق زملائه صلة بالجمهور فما هو واجبه ياتري ؟ انه الجهاد المستمر فى سبيل غاية عامة يسعى وراء تحقيقها ، هذه الغاية هي نشر

مختلف المعلومات واطلاع قرائه على آخر الانباء ، على أحدث الآراء فى ميادين السياسة والاقتصاد والعلم والادب والاجماع . ومجموع هذه الاشياء متحدة نتيجتها المحتومة ارتفاع مستوى الثقافة العامة فى المجتمع ، ومن هنا - كما تري - يمهد للمجتمع سبيل من سبل الارتقاء ، ذلك الارتقاء الذي يشترك الاحياء جميعا فى الطموح اليه ، الذى أساسه كما قلنا القوة والمعرفة !!

هذه هي غاية الصحافي وتلك مهمته ، وهذه الغاية هي احدي غايات الاديب وتلك المهمة هى مهمة من مهماته فى الحياة .

والشاعر ... ولست اعنى بالشاعر كل من استطاع أن ينظم وأن ينثر للناس جملا موزونة ومقفاة ... كلا كلا فان الشاعر الذى اعنيه وتعنيه الحقيقة الناصعة هو ذلك الشاعر الذى خلق وخلقت معه الشاعرية هو ذلك الذى يقول الشعر بحكم الطبع لا بحكم التطبع هو ذلك الذى قبل أن يدرس علم القوافى والاوزان... وجدت معه قريحة مطبوعة توحى عليه - كما قيل - فتبعث الشعر حيا ، هذا هو الشاعر ومهمتة فى اعتقادى ليست بالعسيرة طالما انه يقول الشعر بحكم الغريزة المخلوقة معه وطالما انه لا يتعمل ولا يتكلف ، أما هذه المهمة فليست مهما اختلفت مشارب الشعراء ومهما تباينت آذواقهم وأساليبهم الانشدان الجمال والتغنى به ... وليست الا التعبير عن اماله والامه وعن المجتمع الذي يعيش فيه ، ومن ثم نمت مهمته أن يسمو بنفسه و بمحيطه عن طريق هذا التغنى وهذا التعبير الى الافق العالي الذي يرمي اليه سواه من الاحياء الى أفق الارتقاء والى أفق الجمال . وتلك مهمة أخرى يؤديها الأديب في هذه الحياة.

ويأتى الكاتب وتأتي مهمته أيضا ، وقد تكون مهمة الكاتب عسيرة وشاقة وقد تكون متشعبة أيضا ، ولا أبالغ اذا قلت أن هذه المهمات متباينة ، فهناك مهمة اجتماعية يؤديها الكاتب الذي يتخصص فى مسائل الاجتماع وهناك الكاتب الذي لا يبحث فى غير التاريخ ، وهناك الكاتب الذي يجعل ديدنه النقد الادبي

وهناك غير هؤلاء ، فعلى الكاتب اذن القسط الاوفر من مهمة الاديب ولا جدال ولكن ... ولكن الست تري انه في الامكان ان نصف بكلمة وبكلمة واحدة فقط - مهمة الكاتب أو بعبارة أخرى مهمة الكتاب جميعا على اختلاف انواعهم ثم الست ترى ان كلمة ( نقد )  هى أصدق ما يصح ان نصف به هذه المهمة .

الكاتب الاجتماعي والكاتب المؤرخ والكاتب الذي لا يبحث في غير الادب المحض - كل هؤلاء ناقدون ، ومهمتهم جميعا هي النقد ليس الا ، النقد باعتبار معناه الحقيقي لا معناه السطح ، النقد الذي هو الدراسة دراسة الكتب ودراسة الحياة ، النقد الذي هو الغربلة والتمحيص والفهم ؛ ووصف الاشياء على حقائقها ومعرفة الغث منها والسمين ، وابراز كل ذلك للناس في أسلوب جميل وتعبير صادق حبافي الافادة والتفهيم واذاعة الحقيقة ورغبة فى انارة الاذهان وتغذية العقول بالطريف المفيد من الوان الادب الحي والبحث الناضج .

لقد عرفنا أن مهمة الكاتب هى نقد الحياة وليس شك فى انها مهمة عسيرة وشاقة كما قلنا بل هى من أصعب المهمات الأدبية ، واوشك ان أقول انها من أصعب مهمات الحياة .

أما انها سبيل من تلك السبل التى لا مندوحة عنها للوصول بالبشرية الى الارتقاء المنشود اليها والى الجمال المحبوب لديها فهذا مالا نظن انه فى حاجة الى تبيان .

وأخيرا نرجو ان نكون قد استطعنا فى هذا المقال السريع الادلاء بما يقرب من الصواب حول هذا الموضوع الجليل ، ولعلنا فى هذه الفترة السعيدة التى بدأنا نشعر فيها بمبادئ نهضة أدبية حية فى هذه البلاد - لعلنا نرى ان شاء الله ثمار هذه النهضة في أقرب الاوقات لكى نبلغ ما بلغه غيرنا ولكى نلحق بقافلة الامم والشعوب التى قطعت المراحل البعيدة فى ميدان الحياة الجميلة الراقية وما ذلك على الله بعزيز             مكة المكرمة           (س)

اشترك في نشرتنا البريدية