الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

بحث طريف, فى الجو

Share

إن معرفة الأنسان - إلى وقت قريب عن المحيط الهوائى كانت محدودة الى عدة أميال عن سطح الأرض وذلك لدراسة تقلبات الجو والطقس ودورة الرياح والزوابع . أما اليوم فالطائرات - المختلفة الانواع والقنابل الصاروخية قد تمكنت من الوصول الى طبقات من الجوتقدر بخمسة أضعاف البعد الذى وصل اليه الانسان من قبل . كما أن اشارات الرادار وموجاته قد نجحت فى البلوغ الى مسافات شاسعة .

والخبراء الاختصاصيون يواصلون البحث فى دراسة الطبقات العالية من الجو ويلاقون في ذلك صعوبات هائلة اكثر مما يلاقيها الرواد على سطح الارض وفى مجاهلها .

إننا نعيش فى قاع المحيط الهوائى كما يعيش السمك في قاع المحيطاث المائية . والجزء الذى فوقنا مباشرة من المحيط الهوائى هو ما نسميه ) الجو ( أو منطقة التغيرات الجوية ويقدر علو هذه الطبقة فوق خط الاستواء بما يقارب من عشرة أميال ويتناقص هذا العلو كلما انحدرنا جنوبا أو شمالا وعند منتصف المسافة بين خط الاستواء وبين أحد القطبين يقدر هذا الارتفاع بما يقرب من ثمانية أميال . أما عند القطبين فلا يزيد ارتفاعه عن سطح الأرض اكثر من ستة أميال وهذه الطبقة هى منطقة الهواء ومقر تجمع السحب ومحل تقابل الرياح الحارة بالباردة ومنشأ الجفاف والرطوبة ومركز بقية التقلبات الجوية .

وفوق هذه الطبقة تأتي طبقة اخرى من المحيط الهوائى تسمى " الطبقة الطخرورية " وهى منطقة باردة ولا يختلف أسفلها عن اعلاها فى درجة حرارتها كما هي الحالة في طبقة الجو وإنما يختلف من حيث البرودة والحرارة فى امتدادها نحو الشمال والجنوب ، ومن الغريب جدا ان أبرد منطقة فيها هي المنطقة التي تقابل خط الاستواء .

وعلى ارتفاع خمسة عشر ميلا من الأرض توجد منطقة من هذه الطبقة الطخرورية وهي مشبعة بنوع لطيف من الأزون وهو نوع من الاكسجين صالح لحياة البشر .

وعلى بعد يتراوح بين أربعين وستين ميلا من الأرض تندمج الطبقة الطخرورية مع طبقة أخرى فوقها تسمى " الطبقة المؤينة " أو تسمى " مرآة الراديو " وسميت بالاسم الأول لأن الهواء فيها يتأين أى تتفكك ذراته الي أجزاء صغيرة بعضها سالبة والأخرى موجبة وتسمى الواحدة منها ) أيون ( وذلك بأمر الله ثم بتأثير الأشعة التى فوق البنفسجية الصادرة من الشمس ، وسميت بالاسم الثانى لأنها تعكس موجات الراديو كما تعكس المرايا الاشعة التى تقع فوقها ، ولولا هذه الطبقة لظلت موجات الراديو صاعدة فى الفضاء حتى تتلاشى . وتتكون هذه الطبقة من ثلاث طبقات رئيسية : نعكاسية تختفى منها ليلا الطبقتان السفليان بعدغروب الشمس وتبقى الطبقة العليا ليلا ونهارا وتكون من بعد الظهر فى أداء مهمتها احسن من أى وقت آخر قبله وتمتد هذه الطبقة الى فوق بحيث لا يعلم احد غيرالله عن سطحها الأعلا ، وكانت القنابل الألمانية التى سموها " السلاح السرى الثانى " تصل الى الطبقة السفلى من هذه الطبقات الثلاث وهي أبعد نقطة فى الجو يصل اليها اختراع الأنسان .

وقد استفاد الحلفاء من دراستهم لهذه الطبقة الجوية فوائد جمة فى الحرب الاخيرة من الناحيتين الحربية والعلمية فما سجلته المراصد القوية : ظاهرة جوية تسمى فى اصطلاح الفلكيين " الشفق القطبى تحدث على أثر ظهور

شؤبوب ذري فى الشمس ، وعند حدوث هذه الظاهرة يقع اضطراب فى الجذب المغناطيسى وتكون فى هذه الطبقة المؤينة عاجزة عن ارجاع موجات الراديو ارجاعا تاما وتكون كالمرآة المكسورة أو الملوثة فتضعف بعض موجات الراديو عن اداء عملها كما يجب ، وفى مثل هذه الاحوال كانت الطائرات الهجومية التى تستعمل موجات الراديو كدليل لها فى معرفة الأهداف والمواقع تضطر الى تأجيل رحلاتها أو تغيير اتجاهها ، وللوصول الى معرفة هذه الظاهرة اتخذت القيادة العامة طريقتين : إما برصد كف الشمس ومايطرأ عليه من تغيرات وملاحظة اضطراب الجذب المغناطيسى فى الارض ، واما بارسال اشارات لاسلكية نحو الطبقة المؤينة لقياس كثافتها ومعرفة الموجة الصالحة للانعكاس نحو الارض وقد خصصت لرصد حالة هذه الطبقة ما يقارب من ألف محطة فى جهات مختلفة من الولايات المتحدة وفى الاسكا واستراليا ونيوفوندلند وفى كثير من المناطق النائية المجهولة فى العالم

ومما يدل على العناية العظيمة التى كانت القيادة العامة الاميركية تبذلها نحو هذه المحطات والعاملين عليها تخصيصها باخرة كاملة لمحطة صغيرة كانت فى احدى الجزر المنعزلة فى خليج هدسن تنقل الى عمالها جميع ما يشتاجون اليه لمدة سنة كاملة وقد أصيب أحد رجال هذه المحطة مرة بالتهاب فى الزائدة الدودية وبلغ النبأ الى القيادة العامة فاسرعت بارسال جراح قد يرفى طائرة وانزاله على الجزيرة بواسطة البراشوت لاتخاذ ما يلزم نحو المريض

ومما ذكر عن المصاعب التى كان يكابدها بعض عمال هذه المحطات النائية أن أحدهم لم يجد مدة قامته فى مقر عمله - من يتكلم معه او يجتمع به سوى عجول البحر ، وبعضهم كان يشكو ترا كم الجبال الثلجية عليهم واقترابها كل يوم من مركزهم ، وفى بعض المناطق كان العامل لا يستطيع ان يمكث فى مركزه أكثر من ثلاثة أشهر لاشتداد الحرارة وانتشار الملاريا وامراض أخرى فيها . وكانت مراصد العالم المشهورة تشترك مع هذه المحطات فى رصد الحالة الجوية بصفة عامة ورصد الطبقة المؤينة بصفة خاصة تتعاون معها فى اصدار نشرات جوية في كل أربع وعشر ىن ساعة وعلى ضوء هذه النشرات كانت القيادة العامة الأميركية تنظم رحلات الطائرات البعيدة المدي كما ان هذه النشرات

كثيرا ماسهلت على الطيار بن الاحداث - الذين لم يسبق لهم الطيران الطويل عبور المحيط الاطلسي متتبعين فى طيرانهم الطرق التى ترسمها لهم القيادة العامة مجتنبين فى ذلك مناطق الزوابع والأعاصير المخيفة ،

وفى اليابان واجهت القيادة الاميركية صعوبات كبيرة فى مد شبكة من هذه المحطات الجوية في اراض جبلية وعرة وراء الخطوط اليابانية وفى أراضيها فقد كان مهما جدا درس الحالة الجوية قبل تنظيم الحركات الحربية والهجومية لان زوابع اليابان مشهورة بشدتها وجسامة اخطارها وفداحة اضرارها وهي تبدأ من جهات سيبريا ومنغوليا وتتقدم نحو الجنوب فتصطدم بجبال تبت الشامخة تم تعود نحو اليابان مارة بالصين ؛ وقد حدث ذات مرة ان وقعت بعض القلاع الجوية الامريكية فوق الجزر اليابانية وكانت على ارتفاع هائل بين أمواج عاصفة عاتية تهب بسرعة ثلاثمائة ميل فى الساعة الواحدة فاندفعت بعض الطائرات من جراء قوة العاصفة الى الوراء أى في الجهة المغايرة لسيرها لان العاصفة كانت أسرع من سير الطائرة .

وقال أحد الخبراء : ان دراسة الحالة الجوية داخل منطقة الدائرة القطبية الشمالية تعد كذلك من أهم واشق أعمال الرصد الجوى فى العالم إذ فى أكثر الاحيان تكون أطراف هذه المنطقة معرضة للزوابع الهائلة والاعاصير القوية وتقابل الرياح الحارة الصاعدة من الجنوب بالباردة القادمة من الشمال .

ومما قرره الفنيون : أن خير طريقة لدرس حالة هذه المنطقة الجوية أن ىخصص طائرة تقوم كل يوم من منطقة لاسكا برحلتها الاستكشافية فوق المحيط الشمالى حتى تصل القطب ، ومن ارتفاع يقدر بثلاثين الف قدم يقوم الطيارون أنزال آلة أوتوماتيكية - اخترعت حديثا بواسطة البراشوت الى سطح البحر تسجل جميع تغيرات الجو فى الطبقات التى تمربها هذه الآلة من حيث الحرارة والرطوبة والضغط الجوى وسرعة الرياح واتجاهها ، ويمكن الاستفادة بهذه الآلة من الارض كذلك بأن تناط هذه الآلة ببالون ينطلق فى الفضاء والطبقات العالية من الجو وفى كلتا الحالين أى فى انزالها من عل او ارسالها من الارض تأتى بنتائج دقيقة ثابتة . التكملة فى العدد القادم

اشترك في نشرتنا البريدية