الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "المنهل"

بحث علمي حصيف, نقد معاجم الامكنة، بجزيرة العرب

Share

١

داء التصحيف داء عضال قديم ، منيت به المؤلفات العربية كلها - إلا ما شاء ربك - ومع اننا فى عصر امتاز على غيره بكثرة الاكتشافات الفنية فى وسائل علاج الأدواء ، إلا ان ذلك الداء لم يأذن الله له بعد بالشفاء ، بل ازداد انتشارا وكثرة ، فى نتاج " المطبعة " الحديثة

وتدليلا على تقدم ، ودعوة الى العمل لأخراج " معجم أمكنة " صالح من حيث الشمول والصحة ، ادون بعض ملاحظات عنت لى اثناء مطالعتي لمعجم ياقوت الحموى ، ولجزيرة العرب للهمدانى ، وللجزء الاول من معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري ، مبتدئا بالأخير ، مبينا ما تحققته ، وعلمته خطأ محضا

أ - معجم ما استعجم

رأى البكرى ان جملة ما ورد فى الحديث والاخبار من المنازل والمياه والديار والجبال وغيرها قد استعجم على الناس فاراد ان يفصح عنه بذكر كل موضع ، مبين البناء ، معجم الحروف حتى لا يدرك فيه لبس ولا تحريف ) ١ ( فألف كتاب " معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع " وقد طبع ذلك الكتاب فى سنة ١٨٧٦ م فى غونتغن - بالمانيا . طبعة عزيزة المنال ، إلا لذوى الأموال ، وقد طبع أيضا فى باريس سنة ١٨٧٦ م ثم

قام المعهد الخليفي للأبحاث المغربية بمعاونة " لجنة التأليف والترجمة والنشر " بالقاهرة ، بطبعه فصدر الجزء الأول فى شهر شعبان سنة ١٣٦٤ ه . وقد حقق هذا الجزء وضبطه وعارضه بمخطوطات ثلاث ؛ الآستاذ مصطفى السقا المدرس بكلية الآداب ، كما كتب له مقدمة طويلة وصف فيها هذا " المعجم : وبين قيمته العلمية ، وبين الأصول التى طبع عنها ، وترجم مؤلفه ، وقال : ) ١ ( ) ولم اكتف بتحقيق هذا الكتاب بمقابلة النسخ . وإثبات صور الخلاف والاتفاق ولكنى عرضت مادة المعجم عرضا دقيقا على المصادر التى أخذ منها المؤلف ان وجدت . . وعلى معاجم اخرى لم ياخذ منها . . وقد خرجت من هذا العرض الشاق بفوائد كثيرة ، استدراكا على المؤلف (

وقد احسنت " لجنة الطبع والترجمة والتأليف " ومساعدوها ، فى نشر هذا الكتاب القيم النافع - الى رواد التاريخ العربي إحسانا استوجبت به من جميعهم الشكر والثناء . ولعلى أن لا أخرج من عدد الشاكرين حينما أشير الى بعض مواضع وقع فيها تصحيف او " تطبيع " ، مساهمة فى تحقيق ذلك التراث القيم ، ومساعدة في إحياء ذلك الأثر الخالد - من آثار قدمائنا الأفذاذ .

وإذا كان ابو عبيد البكري يقول في أول كتابه ) التنبيه ، على أوهام ابي علي في اماليه ( - فى حق أبى على القالي صاحب " الأمالي " : وأبو علي من الحفظ وسعة العلم والنبل ومن الثقة فى الضبط والنقل بالمحل الذي لا يجهل ، وغيث يقصر عنه من الثناء الأحفل ، ولكن البشر غير معصومين من الزلل ، ولا مبرئين من الوهم والخطل ، والعالم من عدت هفواته ، وأحصيت سقطاته ) كفى المرء نبلا أن تعد معايبه (

فاحر بنا ان نقول ذلك فى حق ابى عبيد نفسه ، وفى حق الاستاذ السقا ايضا ، مع ما للفاضلين العلامتين من مكانة علمية لا تجهل ، ولذلك فسأشير الى هنان هينات تتعلق بهما مبتدئا بالتعليق على مقدمة الأستاذ السقا بجمل وجيزة .

١ - وازن الأستاذ ) ١ ( بين البكرى وبين الحموى والهداني موازنة نتيجتها تفضيل معجم البكرى على كتابي الاخرين ، من حيث الشمول والصحة وقلة الحشو والفضول . وقال : عن البكرى ) ٢ ( انه اكثر جمعا لأسماء المواضع العربية من معجم البلدان لياقوت . واجدر بمثل هذا الحكم ان يصدر من غير الأستاذ المحقق ، فأنت اذا قارنت بين البكرى وياقوت فيما أورداه من المواضع فى حرفى الباء والتاء وجدت الحموى أورد فى الحرف الأول أكثر من ألف ومائة وتسعين اسما ، وفي الثاني أكثر من اربعمائة واربعة عشر اسما ، مع ان البكري لم يورد فى كلا الحرفين سوى تسعة وثمانين ومائتى اسم : فكيف يكون أكثر جمعا لأسماء المواضع العربية ؟ !

ويقول الأستاذ : ان الهمدانى اعتمد فى كتابه على مشاهداته وما عاينه فى أثناء رحلاته فى جزيرة العرب لا على النقل من الكتب ، وهذه العبارة تنطبق على ما يتعلق باليمن من ذلك الكتاب ، واما ما عداه فاعتمد فيه على النقل من الكتب وغيرها ، وساوضح ذلك فى الكلام على كتابه " صفة جزيرة العرب " .

ويقول الأستاذ : ولم تصرح كتب التراجم بالسنة التى ولد فيها أبو عبيد ، ولو قال : ولم اطلع فى كتب التراجم على بيان السنة ، لكان اصوب ، اذ كتب التراجم قد صرح بعضها بأنه ولد فى سنة ٤٣٢ ه كما ذكر ذلك البحاثة المحقق أنطون صالحان اليسوعى فى مقدمة التنبيه المطبوع بمطبعة دار الكتب المصرية .

وذكر الأستاذ انه غير وضع مادة الكتاب ورتبها على حسب ترتيب الحروف فى المشرق ، وقد فات الأستاذ الاشارة الى موضع المادة التى يحيل اليها المؤلف بحسب الترتاب الجديد فمثلا كلمة " بس " قال عنها المؤلف : ) ص ٢٤٨ مذكور فى الرسم الذى قبله ( وهو يعنى مادة " بسر " التى وقعت بموجب الترتيب الجديد بعد كلمة " بس " بثلاث مواد . ولم يوضع فى الهامش اشارة الى ذلك . وكثير من الكلمات هي من هذا القبيل ، وسأشير الى بعضها .

٢ - ذكر البكرى ) ص ٣ ( ان يزيد بن هارون المحدث المشهور كان يصحف جمدان وهو جيل فى الحجاز بين قديد وعسفان فيقول : جندان بالنون اه . وليس هذا تصحيفا ، بل لغة مشهورة ، ابدال الميم نونا لتقارب المخرجين ، مثل الغيم - الغين ، امتقع لونه - انتقع لونه ، المدى - الندى ، رطب محلقم - محلقن ، الحزم - الحزن ، قاتم قاتن ، الى غير ذلك من الكلمات الكثيرة .

٣ - وفي ) ص ١١ ( ضعف تهامة ، والصواب شعف تهامة بالشين المعجمة أي أعلاها .

وقال فى هذه الصفحة فى شرح قول مروان بن الحكم امير المدينة للفرزدق :

قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ان كنت تارك ما أمرتك فاجلس

اي ائت المدينة ان تركت الهجو . وهذا تفسير غير واضح ، فالفرزدق فى المدينة حينما قال له هذا القول ، وانما المعنى الصواب : ان كنت تاركا ما أمرتك به من ترك هجو الناس فاجلس ، اذهب الى الجلس وهو نجد ، بلاد الفرزدق . قال المؤلف فى التنبيه فى الكلام على قول المعطل الهذلى :

إذا ما جلسنا لا تزال ترومنا    سليم لدى أبياتنا وهوازن

) ص ١٣١ ( وانشد أبو علي هذا البيت على ان جلسنا بمعنى انجدنا والجلس نجد ، وقال عمر بن ابي ربيعة - فبين ان الجالس هو المنجد :

شمال من غار به مفرعا      وعن يمين الجالس المنجد

٤ - ) ص ١٣ وبلاد بني اسد الجلس والقنان ( ، الصواب الحبس - بالحاء المهملة بعدها باء موحدة تحتية ثم سين مهملة ، وهو جبل عظيم من جبال بني آسد فى غربي القصيم ، ذكره ياقوت وغيره . ٥ - ) ص ١٥ وضرية اسم بئر قال الشاعر :

فأسقاني ضرية خير بئر    تمج الماء ، والجب التؤاما

وأقول : الصواب . الحب بالحاء المهملة ، والبيت لشعر بن ذى الجوشن الضبابى وقبله .

دعوت الله إذ سغبت عيالى    ليرزقني لدى وسط طعاما

وضرية قرية عظيمة مشهورة ، وللسيد السمهودى فى وفاء الوفاء فى الكلام على الاحماء كلام عنها طويل مفيد نقله عن غيره .

٦ - وفى تلك الصفحة ) وسهام وسردد واديان يصبان فى جازى وهو واد عظيم ثم أورد قول الشاعر :

سقي الله جازانا ومن حل وليه  وكل مسيل من سهام وسردد

وأقول : سهام وسردد واديان ينحدران مفترقين من جبال سراة اليمن ويصبان فى البحر الأحمر ، سردد جنوب مدينة ) زبيد ( وسهام شمالها وبينهما مسافة شاسعة - وجازان بلدة كبيرة فى واد على ساحل البحر ، وهى فى هذا العصر قصبة تهامة وهى بعيدة عن ذينك الواديين . وقد اوفى الكلام على هذه الأودية الهمدانى صفحة ٧١ من كتابه .

٧ - وفى الصفحة نفسها : وادى رمع - مضبوطة بالحركات بضم الراء والصواب : رمع كعنب كما فى القاموس ، وكما فى صفة جزيرة العرب للهمدانى المطبوعة ، مضبوطة بالحركات بكسر الراء .

٨ - وفى ) ص ١٦ وحد اليمن الثالث : طلحة الملك إلى شررن ( . والصواب الى سروم كما فى جزيرة العرب للهمدانى حيث قال : ) ص ١١٥ فى الكلام على ديار جنب . ومن ديارهم سروم العين وسروم العقدة ، وسروم الفيض وهي سروم الطرفاء

٩ - وفى ) ص ١٧ ( اورد المؤلف ابياتا لشعراء متعددين ، نقلها من كتاب الهمدانى على ترتيبه بدون اشارة الى ذلك قال فيها : قال ابن براقة الثمالى . وقد نبه الهمدانى على انه ابن براق وان ابن براقة هو همداني وهو شاعر مشهور غير الثمالي ، وهو القائل - من قصيدة أوردها القالي - :

وكنت اذا قوم غزوني غزوتهم     فهل أنا فى ذايال همدان ظالم

اشترك في نشرتنا البريدية