مكانة الاسرة التربوية
لقد تكلمنا في بداية هذا البحث عن الاسرة ونشأتها وأهم خصائصها ومقوماتها وتطورها وأهم المراحل التى مرت بها وتطور وظائفها الاجتماعية والتربوية فشرحنا تطورات التربية المنزلية عبر اطوارها التاريخية . . أما هذا الفصل فقد خصصناه لدراسة اثر الاسرة فى التربية أو( مكانة الاسرة التربوية ) الاسرة هى البيئة الاولى التى يترعرع وينمو ويتربى فيها الوليد البشرى الذى قضت القدرة الالهية ان تكون أطول من طفولة اى كائن آخر يعيش على سطح الارض أو فى جوفها وحتى فى أعماق البحار والمحيطات ، هذه الطفولة الطويلة التى يقضيها الطفل فى أسرته معتمدا عليها فى قضاء حاجاته الاولية والثانوية وبما ان الطفل لديه القدرة الكافية على التعلم والتأثر بكل ما يقع تحت سمعه وبصره وادراكه لذا أصبح دور الاسرة خطيرا فى هذه المرحلة التى ينقل فيها الطفل ما يسمعه ويراه ويدركه حتى قيل : ( ان الطفل هو عنوان أسرته)( . ولقد أشرنا بما فيه الكفاية الى اهمية السنوات الخمس الاولى التى يقضيها الطفل
فى احضان الاسرة فى مجتمعنا ، وبينا مبلغ اثر هذه السنوات فى تكوين الطفل الجثمانى والعقلى والوجدانى والخلقي وتكوين العادات والعواطف ، وهذه السنوات يكون فيها الوليد عاجزا عن سد حاجاته النفسية والاجتماعية والجسمية فهو يحتاج الى الكبار والراشدين من حوله للعناية به ، ولا يعنى عجز الوليد البشرى وطول فترة طفولته هذه بأنها نواح سلبية فيه ولكنها امكانات ايجابية يمكن استغلالها لتجعل هذا العجز قوة ، وهى التى ساعدت على تفوق الانسان وسيطرته على أفراد التجمعات الحيوانية لاخرى . ويكون الوليد البشرى ذا مطاوعة في شخصيته يستجيب للمؤثرات فيتأثر بها ويكيف نفسه لانماط السلوك واعضائه لنمط المعيشة والمهنة التى تستدعى ظروفه العمل بها ، وهذا على عكس افراد التجمعات الحيوانية الاخرى والتى تولد بجهاز تام ناضج من الناحية البيولوجية وبذلك تتصف تلك المخلوقات بالجمود وعدم المرونة ، ولكن الوليد البشرى بعجزه هذا يحمل عناصر ارتقائه الاجتماعى اى ان هذا العجز فى الوليد الانسانى هو سبب ارتقائه اجتماعيا ونفسيا ، ويحدث الارتقاء النفسى والاجتماعى وتشكيل الشخصية بنمط الحضارة السائدة والتقاليد والعادات عن طريق التربية التى أول وسط لها يواجه الطفل هو الاسرة فهي أول مدرسة بها وأول معلم يساعد فى تربية الطفل وتنشئته ألا وهي الام التى هى مدرسة فى الاسرة ولكن هل تربية الطفل من خصائص الام وحدها ام هى من خصائص الابوين معا ؟
(ان تربية الطفل من خصائص الابوين يعملان فى جو يسوده التفاهم والاخلاص ، فيجب أن لا يستتأثر احد الطرفين دون الآخر يتربية الطفل ذلك لان الطفل سيستغل هذا الاستئثار لمصلحته ، فيجب ان يعلم
الطفل ان سلطة ابويه هي سلطة واحدة وان تربيتهما متحدة فى اغراضها وهذا الاتحاد يجعل الطفل يقوم بالطاعة على خير وجه) (١ )
وعلماء التربية والاخلاق يضعون البيت فى المقام الاول وهم يدركون خطره فى صنع الاخلاق ويحسبون حسابا لكل ما فيه ومن فيه وأول ذلك الوالدان ، وما يتعلق بهما من روابط فهى تلعب دورا خطيرا فى نشأة الطفل وسلوكه ، فالطفل منذ حداثة سنه يتأثر بالجو الانفعالى الذى يحيط به وذلك قبل ان يصبح قادرا على فهم الحديث بوقت طويل ، وهناك مبدأ هام من مبادئ الصحة العقلية جدير بنا ان نقيم له الوزن العظيم هذا المبدأ هو ( انما يكمن الخطر في ثنايا الشقاق) . . ومن دواعي التفكك فى الروابط الاسرية مشاجرات الوالدين بين بعضهما والتي لها اسباب كثيرة منها الحالة الاقتصادية او الاختلاف في طرق التربية او سلوك احد الوالدين مما يضطر الطفل الى الإنحياز إلى احدهما ضد الآخر . وهذا يجعل جو المنزل ثقيلا لا يطاق فيهرب الطفل الى الشارع حيث يحتمل ان يبدأ بسلوك غير مرغوب فيه وقد يفشل أحد الزوجين فى تحقيق انسجام مع الطرف الآخر خاصة من النواحي الانفعالية فعند ذلك يقوم احدهما بالاهتمام الزائد بالطفل وهذا ما يسبب انحراف كثير من الاطفال فى نموهم الطبيعي ، وذلك بسبب الحب الجارف الذي لا يحد بحدود . وعلى ذلك فان علاقة الزوجين ببعضهما لها تأثير عظيم على حياة الطفل وتربيته ، وعلاقة الوالدين بالطفل لها دور خطير ايضا . . واستكمالا لاطار الصورة التى بينا فيها أثر الاسرة التربوى لا بد أن نبين فى النهاية العلاقة بين الابوين وأطفالهما :
ان العلاقة بين الطفل وابويه تبدأ من لحظة الولادة الى ان يتم استقلال الناشئ وانفصاله عن الاسرة . . ان هذه العلاقة لها بالغ الاهمية فى نمو شخصية الصغير ، فيجب ان تأخذ حظها من العناية ولا بد لنا ان نعرض لبعض العوامل الاساسية التى تؤثر فى علاقة الطفل باسرته وأهله . . ( لدينا الطفل وما ظهر عليه مما نسميه بالغرائز أو الدوافع أو الميول التى تبعث الى العمل على منوال معين ، وهذه الميول تتجه خلال مراحل الحياة الاولى نحو المحافظة : على حياة الفرد بصرف النظر بتاتا عمن يتصل بهم الا اذا كان هؤلاء وسيلة تعين الطفل على تحقيق الغايات التى يتطلع اليها ، ذلك لانه من الضروريات البيولوجية لبقاء الجنس البشرى ان تكون الذات فى مطلع الحياة مقدمة ومفضلة على غيرها لهذا يندفع الطفل قبل ان تهذبه الدربة والتربية والخبرة تبعا لرغبته فى الامور التى يستمد منها رضا ولذة ويجتنى غيرها مما يؤدى به الى الالم والعناء ، واول ما يسعى الطفل اليه هو اشباع حاجاته البدنية ووسائل راحته وتتضح حاجاته من عمله على تحقيق تلك الغاية ، فالصراخ فى اشهره الاولى وسيلته الوحيدة للاتصال بغيره ، ثم يجد هذه الطريقة مجدية كل الجدوى فيغير من نبرات هذا الصراخ حتى تستطيع الام ان تميز منه نوعا يدل على الخوف وآخر على الالم وثالثا على الجوع ، وتبذل الاسرة وخاصة الام كل جهودها لتهيئة راحة الطفل وحمايته فيزداد اعتماد الطفل على اهله وخاصة على امه ازديادا تدريجيا دون ان يشعر اى منهما بذلك على الغالب مع ان اقدم ما يعلق بذاكرة الطفل الصغير هو عمل امه على راحته وجهادها لتحقيق رغباته ، وقد تندفع الام الى ان تحمل عن طفلها من الاعباء ما كان ينبغي ان يحمله ويتكفل به ، ومن المهم ان تنتهي
هذه المرحلة فى اعتماد الطفل على والديه الى فطمه شيئا فشيئا لا عن الثدى فحسب بل عن العلاقة الوجدانية الطاغية القائمة بينه وبين والديه ، ولا يمكن تحقيق هذا الا بتدريب الطفل على حماية نفسه وان نفكر في القاء هذه التبعية عليه ما امكن التبكير فى ذلك وان نهئ له كل فرصة ممكنة كى تتكون عنده ميول جديدة ، ولا بد ان يشغل الاب جانبا من حياة الطفل الوجدانية فلهذا أهمية فى حياة الطفل كما ان الاطفال فى المنزل وأترابه فى اللعب خارج المنزل ي ينبغي ان يشغلوا من انتباه الصغير جانبا ، ثم ينضم المعلمون والمدرسة بعد ذلك الى أولئك وهؤلاء وينتهى الامر بان تتخذ الميول الكثيرة التى يصطنعها الاطفال اثناء نموهم قيما جديدة تهئ للطفل ميدانا رحبا يلتمس فيه الرضا ويجد فيه المتعة لهذا كان لاختلاف الميول خلال مطالع الحياة منافع كثيرة اهم ما فيها اتساع الافق الذى يعمل بالطفل الى ان يكون اكثر تسامحا ازاء من يتصل بهم فى حياته اليومية ( ٢ ).
وقبل أن أختتم هذا الموضوع وهو موضوع الاسرة التربوى لى نداء أوجهه الى الآباء والامهات فى مجتمعنا العربى لنبين لهؤلاء أهمية التربية المنزلية ودورهما فيها ، فالآباء فى بلادنا يعتقدون أن واجباتهم الاساسية نحو اطفالهم تنحصر فى احضار الطعام وتقديمه لهم وتهيئة المسكن والملبس لهم وكأن هؤلاء الصغار نوع من الطيور الداجنة لا تحتاج الا الى الغذاء والمأوى ، وقد تظن الام العربية فى مجتمعاتنا ان مهمتها تقديم الطعام واعداده لاطفالها وتبديل ملابسهم القذرة . ان هذا
لا يكفى ولكن يجب على كل أب وكل أم ان ترعى عواطف الاطفال ومواهبهم لان الاطفال ليسوا حيوانات أليفة يحسن اقتناؤها والفرح بها وانتظار نموها وانما الاطفال مجموعة من القوى والطاقات يجب علينا ان نصونها لتبقى حية تنمو وتعمل بنشاط وفعالية فهم مجموعة من الشموع المتألقة يجب ان يحفظ لهيبها وضياؤها .
أيها الاب ! لا يكفى أبدا أن تعمل وتكد من أجل أطفالك فالعصافير تطعم صغارها خيرا منك ولا يكفى ان تحفظ لهم المال والمتاع . ان الذى يهم قبل كل شئ ان تصون عواطف اطفالك وتنمى نشاطهم وميولهم الى التساؤل وحب المعرفة وحب الخير ، أيها الاب وايتها الام ! ان الحياة مليئة بالمتاعب وعليكما ان تقدما للاطفال رأس مال من الشجاعة يكفيهم لمجابهة الحياة وسينمو ولدكما ويشب ويكون نسخة طبق الاصل لما تتصوران فيه ، فان كنتما تحترمان انسانيته فسيكبر وهو يحترم نفسه وغيره ويحتفظ بطابع الاحترام ، وان كنتما تريان فيه كتلة من السخافات والتفاهات فلن يكون الا حزمة من التفاهات . كم من الاطفال قد أصبحوا اشقياء مجرمين لان والديهم قد شاءوا ان ينظروا اليهم بمنظار الشقاء والاجرام . وكم من الاطفال صاروانبلاء شرفاء يعينون الضعيف ويمتلكون الشجاعة فى مجابهة الشر لانهم رضعوا مع الحليب النيل والشرف وسمعوا منذ نشأتهم عبارات الاخلاص والشجاعة .
أيها الابوان ! يحسن بكما أن تفيدا من بعض توصيات علماء النفس ، ونلخصها لكما فيما بلى :
١ - اطفالكما هم امتداد حياتكما وان محافظتكما عليهم هو حفاظ لنفسيكما .
٢ - كونا معتدلين في محبتهم ولا بأس باشعارهم بالعطف والتقدير
٣ - لا تأخذا اطفالكما الى التنزه معكما بل اذهبا انتما معهم الى النزهات .
٤ - اعتمدا على الاطفال واظهرا لهم انهم يكبرون وانكما تعتمدان عليهم في قضاء كثير من المهام والاعمال .
٥ - أيها الاب ! لا تقف في وجه ابنك بل اجعله يقتنع ان من الخير له ان يتروى ويعيد النظر في آرائه .
٦ - كم يلزمك ايها الاب ان تستزيد من عناصر التشجيع والابتسام ، اضبط نفسك وتعود السماحة والصفح .
٧ - أيها الاب ! كن صديقا لابنك فأنت لا تقدم لصديقك الا الكلام العذب المحبب افلا يستحق ابنك ان يسمع كلمات التقدير والحب ؟
٨ - انت تحب المديح اذا قمت بعمل نافع وتمقت اولئك الذين لا يعترفون لك بالفضل افلا تنطفئ شمعة الطفل اذا انت لم تحطها برعايتك ؟ !
٩ - طفولة العمر اجمل سنى الحياة ، أرأيت كيف يبدأ النهار فجره يشرق في اروع صور الكون ؟ أم رأيت السنة كيف يبدأ ربيعها فى أرق النسمات وأعذبها ؟ ! أو رأيت الازاهير كيف تبدأ براعمها تتضاحك مع الندى والصباح ؟ ! انك إذا رأيت ذلك وهاجت نفسك طربا فلنظر الى اطفالك . . فهم الفجر الذي يريد ان يتألق . . وهم البراعم التى تريد أن تتفتح . . وهم النسمات التى تحمل معها الربيع والدفء والحب . .
لا تنس هذا ايها الاب ( ٣ ) وأيتها الام .

