( الحلقة التاسعة )
علاقة المدرسة بالمجتمع
لقد ذكرت سابقا ان اوساط التربية هى ثلاثة : ( أولها ) الأسرة ( ثانيها ) المدرسة ( ثالثها ) المجتمع الكبير ، ولقد وضحت أهمية كل من الأسرة والمدرسة فى تربية الطفل ، والعلاقة بين كل من المدرسة والأسرة ووجدت لزاما على قبل أن أختم هذا البحث أن اوضح علاقة المدرسة بالمجتمع
وقيل ان نبحث علاقة المدرسة بالمجتمع يجب ان نعرف ماذا تعنى كلمة مجتمع ؟
ان كلمة مجتمع تطلق على مجموعة من الناس رجالا ونساء تربطهم ببعضهم صفات مشتركة ذات أثر فى حياتهم الاجتماعية والفردية . وليس مجرد وجود هذه الصفات كافيا لتكوين المجتمع . بل يجب أن تكون هذه الصفات الأساس للوعى المشترك بينهم ، وللمصالح المشتركة وان يكون لها أثر فى قيام نظام يرمي الى اهداف مشتركة . . اذن فالمجتمع يتكون من افراد لهم عادات وتقاليد مشتركة والمدرسة تنتقي ابناء هذا المجتمع وتهيؤهم لان يحتلوا مكانهم فيه كأعضاء ومواطنين صالحين لان يعيشو فيه مع غيرم فهى اذن تعدله وبذلك فان من المستحيل فصل المدرسة عن المجتمع ، وبذلك تنظر التربية الحديثة الى المدرسة على انها مجتمع صغير شبيه بالمجتمع الكبير الذى تقوم فيه وعلى هذا فان المدرسة تقوم باعداد الطفل وتنمية مواهبه اعدادا فرديا وتتيح له الفرص للنمو الكامل ، واعدادا اجتماعيا يوجه هذا النمو لينسجم مع بقية أعضاء المجتمع ليحقق رغباته وليفهم نظمه ويتقبلها
ويحترمها ويعمل على اصلاح الفاسد منها . ولأن المجتمع وما له من نظم وحضارة وقوانين ( متغيرة ) فلهذا وجب على المدرسة ان تساير هذا التغير فى المجتمع والا فقد قصرت في وظيفتها فيجب على المدرسة وغيرها من المؤسسات الاجتماعية ان تكون مرنة تتغير بتغير الظروف حتى تستطيع بوظيفتها بطريقة افضل أن تتفق مع الظروف الجديدة والمجتمع يعتمد على المدرسة فى أن تمده بالجديد من المعارف والصالح من المثل الخلقية وبالجميل من القيم الفنية . . اى على المدرسية ان تحسن النوع الذى تخرجه وان تكون عاملا مصلحا وان تحل هي مشكلة القيادة العالمية والاصلاح الاجتماعي ، وفي هذا الحال يصدق القول بان المجتمع ينظر الى المدرسة لتوجهه وتقوده اذ ان رجال المدرسة هم نخبة ابناء المجتمع وهم المضطلعون بمهمة التربية فهم اقدر على الاصلاح والتوجيه من اية هيئة اخرى ، والمدرسة هي مصدر الاصلاح الاجتماعى . والاصلاح الذى يأتي عن طريق القانون الوضعي لا بقاء له انما البقاء للاصلاح الذى ينمو فى عقول المتعلمين فتعشقه قلوبهم ويخرجون متحمسين لتطبيقه ونشره والدفاع عنه . . ويقول جون ديوى : ( ان التربية هي تنظيم عملية اشتراك الفرد مع بقية اعضاء المجتمع اشتراكا عن وعي وقصد اشتراكا فى حياة المجتمع الإيجابي ولا يمكن التأكد من أى اصلاح اجتماعي الا اذا وجهنا نشاط الفرد وتفكيره على اساس انه سيخرج ليشترك مع المجتمع فى حياته وانتاجه ( ١ ) . . وربما يعترض البعض على قدرة المدرسة على الاصلاح الاجتماعى فيقولون ان المجتمع يستطيع ان يقوم باصلاح عيوبه بطرق اخرى ربما تكون اجدى وانفع وأقوى . . كطريقة القانون .
الوضعى ولكننا نجيب هنا بقولنا بان ذلك ممكن ولكن ذلك غير مجد ، إذا ما قيس بالاصلاح الذى يأتي عن طريق المدرسة او عن طريق التربية ، والمدرسة مسؤولة عن تكوين عاطفة الحب في الفرد لابناء مجتمعه وتراها تهتم بتقوية الروح الجماعية وذلك بما تقوم المدرسة به من انشاء الجمعيات والأندية والفرق المختلفة وذلك لكى يشعر الفرد بعضويته فى تلك الجماعة التى هى جزء من ذلك المجتمع ، وعن طريق هذه الجمعيات يعرف الفرد الكثير عن مجتمعه الذي يعيش فيه وتقوى صلته به فيعرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات وهذا اعداد ضرورى للحياة العامة والمدرسية تعد الافراد للقيام بكسب رزقهم عندما يغادرونها فهى التى تقوم باعدادهم المهنى وعلى قدر صلاحية العضو للمهنة التى يقوم بها ترقى المهنة ويكثر انتاجها ويرقي المجتمع ويرقى انتاجه والمجتمع يعتمد على المدرسة فى ان تخرج له اعضاء صالحين لانواع المهن التى يقومون بها ولا بد للمدرسة ان تساير متطلبات المجتمع ولذلك نجد ان المناهج تتغير وتتطور يوما بعد يوم حتى تساير حاجات المجتمع .
واننا فى هذا العصر نشاهد التطورات الكبيرة التى يحدثها العلم فى مختلف الميادين فى النواحي الاقتصادية او السياسية او الاجتماع . وبما ان المدرسة هى التى يقع على عاتفها مسؤولية تزويد النشء بهذه التطورات التى تحدث فى مجال العلوم المختلفة فعليها ان تساير هذا التطور بتطور يسير فى نفس السرعة ويشمل المادة والطريقة معا ، اى تطورا في المواد الدراسية وفي طريقة ايصال هذه المواد الى اذهان الطلاب .
وفي ختام هذا الموضوع اود ان اتطرق الى موضوع هام في مجتمعنا وهو يشمل دور المدرسة في تثقيف وتهذيب الكبار في هذا
المجتمع . اننا نشاهد في الواقع ان المدرسة فى بلادنا بدأت تقوم بجزء من واجبها تجاه كبار المجتمع وذلك بما تهيؤه لهم المدارس الليلية التى تهدف الى محو الامية هذا الأمر الذى كان لشاه ايران قصب السبق في الدعوة اليه وعقد المؤتمرات الدولية بسببه ، ولقد قام وزير المعارف معالي الشيخ حسن آل الشيخ بتمثيل المملكة في هذه المؤتمرات ، وهذا هو أكبر دليل على ان المملكة العربية السعودية الفتية تؤيد هذا الامر وتضعه فى موضع الاهتمام والتقدير ، ولقد قامت الدولة ببعض الجهود في هذا المضمار وخاصة بما قامت به من انشاء مراكز لمكافحة الامية عن طريق القبول في المدارس الليلية لكبار المجتمع ولكن هذا لا يكفي اذ ان ذلك يحتاج الى وقت طويل من قبل الدولة ويكلفها الكثير ايضا ولكن حبذا لو قامت كل مدرسة من المدارس فى المملكة بدورها تجاه الكبار في المجتمع ويعمل المدرسون بها فى وقت اضافي كالعصر او المساء ( ولو بدون مكافأة ) وبأجر رمزي فيقوم هؤلاء المدرسون بالقاء المحاضرات وانشاء مكتبات المدرسة وفتحها فى غير اوقات الدرس لكى يأوى اليها أبناء المجتمع الكبار للقراءة والإطلاع ولكى تصبح المدرسة مركزا اجتماعيا تقام فيه الندوات والحفلات وتكون مركزا للتسلية والرياضة والعلم والمعرفة . ان هذا الامر يجب ان يشمل المدارس من كلا النوعين أى ( مدارس البنين والبنات ) واننى احبذ ان تفتح مدارس البنات ليليا تستقبل سيدات المجتمع من ربات البيوت اللاتي لم يأخذن نصيبهن من التعليم والثقافة وتتبرع المدرسات بالقاء المحاضرات وتعليم نساء المجتمع ممن فاتهن ركب التعليم وبذلك يتحقق تثقيف وتعليم ربات البيوت ما يتعلق بحياتهن الزوجية والتدبير المنزلي والأمومة .
وطرق التربية الصحيحة ورعاية الطفولة مما يكون له اثره على الجيل الذى ينشأ فى تلك المنازل التى تزود نساؤها بالعلم والمعرفة واذا كانت هذه هي وظيفة المدرسة الحقيقية فى المجتمع وهى تربية واعداد الصغار من ابناء المجتمع وتهذيب وتثقيف الكبار منهم فيجب على المجتمع ان يقدر مثل هذه الرسالة التى تقوم بها المدرسة ، فيصلح من المدرسة باعتبارها بيئة التلميذ الاساسية اصلاحيا من حيث البناء والاثاث والمنهج والطريقة والمدرس وغيره من القانمين على العمل فيها ويصلح المجتمع المدرسة بتقديم المال اللازم لها وبان يكون سخيا فى كل ما تحتاجه التربية والمربون . . فاصلاح المجتمع يتوقف على اصلاح المدرس والمدرسة . ولقد قال أمير الشعراء أحمد شوقي في المعلم :
قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
ان المعلم فى المجتمع يرعى العقول ويربي الأفكار ويعتنى بالبذور فى جديقة المجتمع فعلى يديه ستنشأ تلك البراعم وتتفتح هذه الورود والازاهير لتأخذ دورها فى طريق الكفاح والعمل والكد على ما يعود على المجتمع بالخير والعزة والمنعة ، فالمدرس يعتنى بالعقول ويغذى أرواح البراعم الناشئة فى المجتمع فدوره هذا لا يقل عن دور الطبيب الذي تقتصر مهمته على العناية بالجسد لحما وعظما ، ولهذا كانت مهمة المدرس عسيرة وشاقة وهو قد تحمل أمانة فى عنقه بان يعمل على تربية النشء فى المجتمع ، فلقد وضع المجتمع ثقته فى المعلم فأعطاه مقاليد وزمام هؤلاء الصبية لكى يعمل على مساعدتهم فى تربية وتعليم انفسهم تحت اشرافه فيجب علينا نحن معشر المدرسين ان نكون عند حسن ظن المجتمع بنا ، وهذه نصيحة اطرحها .
على زملانى خريجى هذه الكلية ( كلية التربية ) فاننا حملنا مسؤولية عظيمة تجاه مجتمعنا وأمتنا فيجب علينا ان نقوم بهذه المهمة على خير وجه واكمله وعلينا ان نستخدم ما تعلمناه في هذه الكلية التى تعنى بالتربية والتعليم في حياتنا العملية في تدريس وتعليم وتربية النشء ( وقل اعملوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون )
وإذا كان لى من كلمة اختتم بها هذا البحث فانى لأجد لزاما على ان اوضح مهمة العلم تجاه تلاميذه ومن يعلم من الاطفال . وأول هذه المهمات ان يكون المعلم على خبرة ودراية بنفسية وعقلية من يعلم ، فيعلم خصائص التلميذ النفسية . والعقلية ، كما يجب عليه أن يقف على ظروف حياة من يعلم اذ لم يعد كافيا في نظر التربية الحديثة أن يلم المعلم بمادته لما تاما فقط ، ويقول الدكتور دجلاس توم في هذا الصدد وليس من اللازم أن نلفت أنظار الناس الى ان من يقبل هذه المهمة ويكون له من الكفاية ما يهيئه لاداء ما فيها من تبعات ، لا بد أن يكون انسانا متفوقا من عدة وجوه ، فلا يلزمه ان يجيد معرفة المادة التى يعلمها فحسب بل يلزمه ايضا ان يحسن معرفة الافراد الذين يعلمهم ، وكما ان الطبيب لم يعد يعالج المرض بل الشخص المصاب بهذا المرض ، فكذلك المعلم قد صار يعنى بتعليم التلميذ لا بتعليم المادة ( ٢ ) ويقول المرحوم الدكتور محمد المعتصم مجذوب فى كتابه حول التربية : ( ولكى ينجح المعلم في تحقيق الاهداف التربوية القيمة وليؤدى واجبه الانساني الرفيع على خير وجه واتمه عليه
ان يعنى أول ما يعنى بمحاولة دراسة شخصه ومعرفة نفسه وسبر أغوارها ، وهذا يقود الى تبين نواحي الضعف التى ينبغى بذل الجهد فى اصلاحها وتقويمها حتى لا تؤثر بصورة من الصور على عمله ، ومن جانب آخر يؤدى الى اكتشاف مواطن القوة التى تستحق التنمية ، ويمكن أن تكون مصدر عون كبير فى القيام باعباء العملية التربوية وسببا قويا فى تيسير بعض مشقاتها وعاملا فعالا فى انجاحها وعندما تكتمل اداة المعلم يصبح فى مقدوره ان ينظر الى تلاميذه نظرة فيها كنير من الفهم والعمق والاتزان ، فلا تزعجه ولا تقلقه بعض تصرفاتهم وهفواتهم . . فالمعلم الحق الذى يستطيع أن يكون موضوعيا فى نظرته لمشكلات الناشئة يتمكن من أصلاحهم وتهذيبهم ويكون فى مقدوره معاونتهم ليتدرجوا في مراقي النمو ومدارج التقدم حتى يصلوا الى اقصى ما تسمح لهم به استعداداتهم وامكاناتهم ، والمعلم لا بد أن يكون سمح النفس الوفا عطوفا يطمئن اليه تلاميذه ويرتاحون الى لقائه ويثقون به ويلتمسون منه العون والنصح . . ويقول ثقة من علماء الصحة العقلية ، ينبغى ان لا يرى الطفل المعلم حاكما بأمره ، بل ناصحا مشيرا يلجأ اليه فى أوقات الضيق . ذلك هو المعلم الذي تبقى ذكراه في عقول الناس ( ٣ )
خاتمة :
وبعد فاني اعتقد ان الصفحات القليلة السابقة لم توف هذا الموضوع حقه لانه قد كتب فيه عشرات الكتب فكيف استطيع ان أوفيه حقه من البحث والدرس في صفحات معدودات فى وقت قصير من الزمن ، ولكنى أود ان اكون قد وفقت في القاء الضوء على
الموضوع وجلب الانظار الى اهميته ، هذه الاهمية التى يجب على مجتمعنا العربي أن يوليها اهتماما خاصا لا سيما ونحن نعيش فى فترة اصبحت المجتمعات فيها تتطور بسرعة مذهلة هذه الفترة التى وصل فيها العالم المتمدين اليوم الى درجات عالية في سلم الحضارة والتطور الاجتماعي الذي سيؤدى به إلى الارتقاء الاجتماعي . . ولا يشك احد في أن قطار ركب الحضارة يسير بسرعة فائقة في هذا القرن خاصة وان هذا القطار لم يتوقف ولن يتوقف . وان التاريخ لا يعود الى الوراء ، فيجب علينا ان نشد الرحال ونغذ في السير حتى نتمكن من قطع ما فاتنا في مدة وجيزة . ولكي نلحق بهذا الركب ونأخذ مكاننا اللائق في السلم الحضاري وفي الرقي الاجتماعي ، فأول خطوة يجب علينا اتباعها في مسيرتنا الطويلة هي ان ننظر الى النظام الاسرى فى مجتمعنا العربي نظرة فحص وتشخيص . فنقضي علي ما اتى عليه الزمن وغيرالصالح من هذه الانظمة ، ثم لنأخذ فى اعتبارنا الروابط العائلية وأهميتها فى مجتمعنا ومستوى الاسرة الاجتماعى والاقتصادى والثقافي وغيره كل ذلك ندخله فى اعتبارنا لكي نساعد الاجيال التى تعيش فى احضان اسرها في مجتمعنا ونضمن لها نموا سليما في النواحي العقلية والجسمية والخلقية ، ومن قبلها نضمن سلامة المؤثرات الوراثية ، هذا بخصوص الاسرة وما يتعلق بها من موضوعات يجب أن تدرك . . أما بخصوص المدرسة فلكونها مؤسسة اجتماعية أنشأها المجتمع لتقوم نيابة عنه بتربية وتعليم صغاره يجب عليه ان يشرف على هذه المدرسة الاشراف الكافي ، فيشرف على ما تعطى المدرسية من اد درا . وما تتبعه المدرسة من طرق تربوية وتعليمية .
ومدى اتفاق هذه المناهج وهذه الطرق مع ما يتطلبه المجتمع الاسلامى من صفات يودغرسها فى نفوس ابنائه الصغار . . ويتمثل الأشراف على التعليم فى بلادنا الحبيبة فى وزارة المعارف وعلى رأسها معالي الوزير الشيخ حسن آل الشيخ وسعادة الوكيل الاستاذ عبد الوهاب عبد الواسع ، وهناك نقطة مهمة فى هذا الصدد نسيها المجتمع أو هو فى غفلة عنها وهي صلة الاسرة بالمدرسة ولقد أوليت هذه النقطة عناية خاصة لانني اعتقد انها من الاهمية بمكان بحيث يجب على المجتمع أن يبادر إلى اقامتها . وبينت كيف ان للبيت أثرا كبيرا على النشء وتربيته . . والمدرسة هي المؤسسة التى تقاسمه هذه المهمة فى هذا الوقت الذى تسير فيه الحياة الى المزيد من التعقيد في النواحي الحضارية والاقتصادية والاجتماعية ، هذا التعقيد الذي أدى إلى وجود مبدأ التخصص والاعتماد المتبادل فالمدرسة والأسرة مهمتهما تربية الطفل وتنشئته تنشئة اجتماعية تتفق وما يعيشه المجتمع من حياة اجتماعية فهم شركاء في هذا الصدد فيجب على كل منهما معرفة ما يجري في الآخر من أمور لكي يسير على هدى ذلك فيقوم كل منهما بمهمته على خير وجه وخير قيام ، ولقد قمت بالتأكيد على هذه الصلة وكررتها هنا نظرا لأهميتها ولا أريد من ذلك الا الاصلاح ما استطعت والله هو الهادي الى سواء السبيل ، وأرجو أن اكون قد وفقت في القاء الضوء على ذلك الموضوع في الصفحات السابقة والله ولى التوفيق .
( تم البحث بحمد الله وتوفيقه )

