الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

بحث علم الاجتماع، الاسرة والمدرسة والعلاقة بينهما

Share

الحلقة السابعة

ذكرنا في مكان سابق دور الاسرة فى التربية وبينا اثر هذا الدور وخطره على حياة الأطفال وذلك قبل دخولهم المدرسة والتى هى مؤسسة اجتماعية انشاها المجتمع لتقوم بدور تربية صغاره وتعليمهم المواد المعرفية والعناية بأجسامهم وعقولهم ونفسياتهم واثر الاسرة فى حياة الفرد من الامور التى لم تعد تحتمل الجدل ولا المنناقشه فقد اصبحت من الأمور المفروغ منها ، فقد تأكد لدى علماء النفس ومنهم " فرويد " ان اثر البيت الاسرة على الفرد كبير جدا خاصة في السنوات الاولى فلقد ثبت ان كثيرا من مسائل الصحة العقلية والحياة الوجدانية والسلوك الانفعالى تنشا مع الطفل فى بيئته المنزلية وتلازمه طوال حياته وقد اجمع الدارسون لسلوك الاطفال

على ان الطفل يأتي الى المدرسة بالاسرة التى ينتمى اليها فينقل معه ما ورثه عن ابويه من خصائص وصفات الى جانب تفاصيل السلوك والجوانب العامة للشخصية فى مجموعها هذا هو اثر البيت على الطفل ولكن الى اى حد يمكن ان يثبت هذا الاثر ويظل باقيا ؟ أم ان هذا الأثر سيزول بوجود مؤثرات اخرى تؤثر في حياة الطفل مثل المدرسة والمجتمع وغيره ؟ تلك اسئلة اختلف الجواب عنها وكثر الخلاف فيها . فمن قائل : ان اثر البيت ينتهى بانتهاء مرحلة الطفولة حيث تبدأ المدرسة عملها وتكون هى المؤثر فى الطفل والموجهة لاخلاقه ومن قائل : ان ثر البيت يبقى ولكنه يضعف

ويتضاءل ويكون للمدرسة ثم للمجتمع الاثر الأول فى تربية الاخلاق . والواقع ان للمدرسة التى تفهم واجبها وتحسن القيام به أثرا قويا فى التوجيه الخلقى لا يجوز ان ينكره احد ، ولكن هذا الاعتراف بأهمية المدرسة فى تربية الخلق يجب ان لا يدفعنا الى المبالغة والغلو وتجاهل اثر البيت فى التلميذ . والمدرسة الحديثة لا تتجاهل أهمية البيت وتزعم انها قادرة على خلق الطفل خلقا جديدا ، وانما تحرص على الاتصال بالبيت وتستمد منه المعونة وتلتمس عنده السبب الاول لما قد يبدو عليه من شذوذ عقلى او خلقى .

ويقول شارل سكنر في كتابه علم النفس التربوي ما يأتي : ان الطفل اذا انتقل من بيئه الاصلية الاولى الى بيئة جديدة فان البيئة الجديدة لا يمكن ان تحدث اثرا ظاهرا وتغيرا فجائيا الا اذا كان الاختلاف بين البيئتين كبيرا ، وكانت التفرقة فى سن مبكرة ، على ان تنقطع صلته ببيئته الاولى ويبقى مدة طويلة فى البيئة الجديدة اثناء النمو والنضج . وطبعي ان انتقال الطفل الى المدرسة لا يقطع صلته بالبيت ٢

ودور المدرسة فى بناء الاخلاق لدى الاطفال فى المجتمع خطير ، وهذا ناتج عن ان المدرسة تتعهد جميع النشء فى المجتمع ، والمدرسة اذ تضم بين جدرانها جميع أوجه الاختلافات الموجودة فى المجتمع فهى تجمع الاجيال من الاسر المختلفة فى الطبقات المختلفة : وهؤلاء الاطفال منهم الفقير والغني والذكى والغنى الى غير ذلك من الانماط وبذلك يصبح دور المدرسة كبرا وذلك بمساعدتها

لهؤلاء الاطفال لكى تكون منهم جيلا لديه وحدة فى وجهة نظره الاجتماعية ، وتساعدهم فى تكوين اتجاه خلقي وتزودهم بشعور اجتماعى حقيقى نتيجة وجودهم جميعا ، في تلك المؤسسات . ولأن المدرسة تزود الفرد بالتراث العقلي الذي تكون منه ثقانة المجتمع لذا فان دورها فى تعديل الاخلاق وتهذيب الافراد كبير . .

ان المدرسة اليوم فى مجتمعنا العربى تعيش فى عزلة كلية وكأنها جزيرة منعزلة وسظ محيط لجب كثير الامواج ، وهذا هو السبب فى عجز المدرسة عن اداء وظيفتها : التربوية والتعليمية والاجتماعية ولقد نسيت مدارسنا ارتباطها بسلسلة من الاوساط التربوية واول هذه السلسلة هو المنزل . والمدرسة هى الوسط الثاني وآخر وسط فى هذه السلسلة هو المجتمع الكبير بما يضم من مؤسسات ومجالس وهيئات ، وان عدم صلة المدرسة بهذه الاوساط يفقدها فرصة فهم تلاميذها وحياة هؤلاء التلاميذ خارج جدرانها فكيف يمكنها ان تؤدى وظيفتها في قيادة المجتمع والنهوض به ورفع مستواه ، فيجب ان تقوم المدرسة بالاتصال مع المجتمع بجميع مؤسساته واول هذا الاتصال ان تتصل المدرسة بالاسرة ، والمعروف ان المنزل والمدرسة لهما هدف واحد تجاه الطفل الا وهو القيام بتربيته والعناية به واعداده للحياة ، وما زال هدفهما هذا ، وهو متحد فى الحقيقة فيجب ان يكون اتصالهما وثيقا ، فالمنزل يعين المدرسة فى اداء رسالتها وتواصل المدرسة عمل المنزل وتبنى على الاساس الذى اسسه المنزل . .

وانه لمن أهم الامور التى تعمل على توثيق الصلة بينهما ان يحرص الآباء على :

١ العناية بتقارير المدرسة المرسلة اليهم وبنصائحها وعدم التدخل فى شؤونها تدخلا يعرقلها عن اداء رسالتها ويمنعها من ان تؤدي عملها على الوجه الاكمل

٢ - احترام المدرسة والمدرسين الاحترام الكافي مما يرفع مكانتهما فى نظر ابنائهم .

٢ - الاتصال بالمدرسة وتعريفها بكل ما يجد ويطرأ على ابنائهم من اتجاهات او ميزات او ميول او استعدادات .

٤ - مداومة العناية بالاشراف تربويا على الابناء ومعاملتهم بما تقضى به اصول التربية من القواعد والاتجاهات .

هذا بخصوص المنزل اما المدرسة فيجب عليها : ١ - ان تراعي ضرورة وجود التدرج فى انتقال الطفل من المنزل اليها فتهئ له جوا مدرسيا يكفل له تحقيق نزعاته وحاجاته النفسية وبذلك ينمو الطفل فى جو متزن .

٢ - ان تبعث الى اولياء امور التلاميذ بتقارير صادقة عن حالة ابنائهم العلمية والخلقية باوجه العلاج وكيفيته .

٢ - تهيئة اجتماعات تضم الآباء والمدرسين باعتبار انهم شركاء في عمل واحد وتثار في هذه الاجتماعات مشاكل الاطفال وتقترح حلولها ويتعرف فيها الآباء على الطرق والاساليب التى يعامل بها ابناؤهم ويقف المدرسون على شؤون تلاميذهم وحياتهم خارج المدرسة ويحاولون التعرف على ميولهم واستعداداتهم وتفهم ما قد يكون له أكبر الاثر فى اداء رسالتهم ) ٣ ( . . وقد تنبهت

الدول الاوروبية والولايات المتحدة الى ضرورة هذا التعاون فأنشأت جمعيات تسمى جمعيات الآباء والمدرسين تعقد مؤتمرات واجتماعات لدرس مشاكل الإطفال والتفاهم على حلها ومن هذه الجمعيات : - The home and School Coun cel of Jreat Britain

ووظيفتها ان تعمل على التوفيق بين المدرسة والمنزل وتدرس الوسائل المتعلقة بتربية الاطفال تربية كاملة من جميع نواحيها ويجب ان نعلم ان التفاهم بين المنزل والمدرسة عامل جوهرى لسعادة الطفل ورفاهيته ) ٤ ( . .

ويقول احد علماء التربية العرب في التربية الخلقية التى تنشأ فى المنزل : - ) ان المنزل مسؤول عن تشوء كثير من الامراض الخلقية كالانانية . والفوضى وفقدان الثقة بالنفس وعدم الشعور بالمسؤولية وغيرها ، كل هذه تنتشر جرثومتها الاولى فى البيت ومن الصعب والعسير على المدرسة والمجتمع استئصال هذه الجرثومة بعد ان تتمكن وتزمن ) ٥ ( . . وعلى هذا أرى لزاما على كل أمة تريد ان تحتفظ لنفسها بمكانة مرموقة ، وبجيل يرفع دعائم الدولة الاقتصادية والاجتماعية وكافة النواحى الاخرى ان تنظر بعين الاهتمام وترقب بحذر وباطراد حياة اطفالها في أسرهم ، ولقد أوضحنا سابقا كيف ان كثيرا من الامم الراقية اهتمت بهذه الناحية حتى وصل الحال ببعضها الى منع بعض الفتيان والفتيات من الزواج حتى لا يأتي الى المجتمع اناس لا تتوافر فيهم عناصر القوة والمنعة التى يرغبون فى توافرها فى مجتمعاتهم

اننى اورد هذا الرأى هنا ولا اقصد منه ان تقوم مجتمعاتنا العربية بالاخذ به على عواهنه ، وانما قصدى من هذا أن يكون للمؤسسات الاجتماعية المسؤولة عن الحياة الاجتماعية والتربوية فى المجتمع حق الاشراف على طريقة التربية التي يتلقاها الطفل فى المنزل وعلى هذا يجب ان تقوم الدولة بنشر التعليم وطرق التربية السليمة بين الآباء والامهات في المجتمع وذلك عن طريق وسائل الاعلام المختلفة المتوفرة فى المجتمع من إذاعة وصحافة وتلفزيون واني لا اغفل هنا ما يجب ان تقوم به المدرسة من دور ايجابي فى هذا المضمار اذ يجب عليها ان لا تتوقف وظيفتها على تربية الصغار في مجتمع يحيط به الجهل بالآباء والامهات جهل ليس بأصول التربية الصحيحة فقط وانما جهل في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والصحية والتربوية اضافة الى الأمية والجهل الساذج وان المدرسة لكى تقوم بهذا الدور الفعال في حياة مجتمعنا العربي فى وقتنا الحاضر فانها ستكون انطلاقة فى حياة الامة العربية وستكون سببا فى دفع الامة العربية أشواطا بعيدة في سلم الرقى الاجتماعى والحضارى الذى يعيش فيه العالم المتمدن اليوم انها ان عملت على تثقيف الكبار وشاركت الاعلام والمؤسسات الاجتماعية الاخرى بنشر الثقافة بين المجتمع كباره وصغاره فانها ستجنى من ذلك ان الآباء والأمهات سيضعون ثقتهم فيها ويتصلون بها ويكونون اكثر ارتباطا بها من اى زمن مضى وبذا يتحقق فى مجتمعنا احد مبادئ التربية الحديثة الذى يدعو الى ضرورة وصل البيت بالمدرسة ،

وقصارى القول ان رسالة المدرسة ليست هى تربية النشء فقط وانما تمتد الى تنسيق الخدمات التربوية للمؤسسات الاجتماعية الأخرى والاستعانة بالمؤثرات التربوية خارجها بغية تكتيل الجهود التربوية التى يخضع لها الفرد وتوجيهها الوجهة المرغوب فيها . . كما تمتد هذه الرسالة إلى تعليم الكبار بطريقة مباشرة وغير مباشرة ليكونوا اقدر على توجيه امور حياتهم وتربية أبنائهم ٦ وان كثيرا من المدرسين تواجههم مشكلات عديدة تخص تلاميذهم ويقفون عاجزين عن حلها لنقص معلوماتهم حول هذه المشكلة لعدم صلتهم بأسرة الطفل والاطلاع على حياته فى خارج المدرسة .

وانى هنا اوجه هذا النداء الى أولى الامر والشأن فى هذا البلد خاصة وفى البلاد العربية والاسلامية بصورة عامة بانه يجب ان تعمل كل دولة منها ما في وسعها لاتصال البيت بالمدرسة والمدرسة بالبيت وتقوية الصلات بينهما ولقد قامت المدارس الابتدائية فى مكة فى احدى السنوات بعمل مجلس للآباء بعقد جلسات خاصة وانتخب منه لجنة تشارك فى حل الازمات وتساعد فى اقامة الحفلات وغيرها مما يتعلق بنشاط المدرسة ولكن هذه المجالس اختفت ولم يعد لها الآن ذكر أو صوت ولا أدري ما هى الاسباب ؟ رغم ان هذه المجالس هى اقل ما يجب أن يعمل لجلب البيت الى المدرسة والمدرسة الى البيت .

اشترك في نشرتنا البريدية