الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

بحث قيم ، بين، اللغة العربيه الماضى والحاضر

Share

            -٢- المحنا فى عدد ماض من هذه المجلة الغراء ببعض مظاهر التطور فى اللغة العربية وفلسفته وسأحاول فى هذه الكلمة رفد ما سبق ووصله ببعض المفردات المتطورة وتاريخها وتوضيح الروابط المعنوية بين ما كان يؤديه مفهومها فى الحالتين

ولئن كان البحث هناك الماما فهو هنا استعراض لأتوخي للشمول والاستيعاب فيه - جنوحا للايجاز .

  لم يكن التطور فى اللغة حديث عهد ولا وليد حضارة جديدة فالعربى ذكى بفطرته متوثب للتجديد وفى انطلاقه مضاء لا تسكع فيه يقابل الاحداث الزاحفة فيسيرها ويسير مستلزماتها بما يتفق مع طبيعته فقد صقل لغته كما يريد وروضها لاوضاعه لتمشى معه فى الصحراء ومضارب الخيام وعودالى الاطوم وفى السلم والحرب ومع الخيل والابل وفى الحب والجمال وفى مفاتن الطبيعة وفى بيئته الاجتماعية وفى كل شؤونه على اختلاف أنواعها فالتطور اللغوى اذن امتداد لأصل وامعان فى درب وشئ لا غرابة فيه عنده ومنه .

وجاء الاسلام مستصحبا معه أحكاما وتشريعات ولهذه الاحكام والتشريعات فروع شتى فكان لا بد لها كلها من تعريفات خاصة ولا بد لهذه التعريفات من أن تكون مستنبطة من جذور عربية فلم يأت لها بكلمات جديدة لا يعرفها العرب ولكنه حول بعض الكلمات

وأخضعها لتعاليمه وراعي فى ذلك مناسبة ما بين معانيها القديمة والجديدة بدقة فائقة فاستسيغت بسرعة وتمكنت من النفوس وشاع استعمالها فيما خصصت له .

وهذه طائفة مقتطفة منها مع ما كانت تدل عليه فى الجاهلية :

الاسلام ( اسلام الشئ والاستسلام ) الصلاة (الدعاء ) الصوم(  الامساك ) الحج ( القصد ) الزكاة ( النماء والزيادة) السجود ( طاطأة الرأس والانحناء ) الكفر ( الغطاء والستر . وكفر النعمة جحدها )

النفاق (من نافقاء اليربوع - جحره - )

بقلم الاستاذ الكبير :

الفسق (فسقت)الرطبة اذا خرجت من قشرتها )

كما جاء القرآن بروائع من الجمل والكلمات لم يعرفها العرب ولا غير العرب من الامم الاخرى فمن الجمل قوله تعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين . لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم توكلت على الله . حسبنا الله ونعم الوكيل ما شاء الله كان . انا لله وانا اليه راجعون . ومن الكلمات : مزاجه من تسنيم : ( نهر فى الجنة ) عينا فيها تسمى سلسبيلا : ) السلسبيل السهل المدخل فى الحلق "

الا من غسلين لا يأكله الا الخاطئون ( غسلين شديد الحر )

كلا ان كتاب الفجار لفن سجين : ( السجين الشديد الصلب من كل شئ ، وسجين واد فى جهنم )

كان هذا التطور أكبر موجة واجهتها اللغه العربية فاستفادت منها كثيرا وأفادت منها كثيرا . ولئن تمت هذه المعجزة في وقت قصير واحد فلقد استمرت أجيالا طويلة وهى أكمل ما تكون قوة ونضارة وستبقى ما شاء الله .

ومن الكلمات المتطورة سواء الاسلامية منها أو ما كان قبل الاسلام أو بعده ما استطاعت التمسك بمعانيها القديمة مع الجديدة ومنها ما تنوسى معناها القديم حتى تلاشى أو كاد الا من القواميس التى احتفظت بها فيما بعد .

ومن هذه الكلمات ما تطور معناها أكثر من مرة ككلمة أدب مثلا فقد كان معناها فى الجاهلية - ان تجمع الناس الى طعامك وهى

المادبة - بفتح الدال - والمأدبة بضمها والآدب الداعى .

   قال طرفة :

نحن فى المشتاة ندعو الجفلي

لا ترى الآدب فينا ينتقر

-

 ثم نراها تؤدى معنى التهذيب الخلقي والنفسى كما فى قول النبى صلى الله عليه وسلم " أدبني ربي فأحسن تأديبي " . . ثم استعملت بعد ذلك فى العهد الاموى لقبا للذين يعلمون الشعر والخطب والاخبار والانساب لابناء الخلفاء ثم أطلقت على هذا النوع نفسه من المعرفة ثم زاد معناها اتساعا فاشتملت على ضروب أخرى من المعارف كما صارت أيضا تدل على معاقبة المجرمين والمنحرفين . وأخيرا أصبحت كلمة الآداب ذات كيان مستقل يعنى التخصص فى دراسة مقررات ثقافية خاضعة لبرامج رسمية ودعيت باسمها كليات كما هو معروف ، ولا زالت هذه الكلمة حتى الآن تستعمل فى هذه المعانى كلها .

   ومن الكلمات ما اكتسبت بالمجاز والاستعارة معنى جديدا مقتبسا من أصلها مع الاحتفاظ بمعناها القديم فاشتركا فى مدلولها مثل :

غرض : فقد كان معناها الهدف الذي بتخذ للرماية ثم دلت على الغاية والقصد .

جدول : معناها في الاصل مجرى الماء ثم اشترك معها معنى جديد هو جدول الحساب وجدول الاعمال .

التوقيع : الذي ضم اليه تذييل الامر الصادر من الحاكم باسمه وتذييل الخطابات باسم مرسليها .

وهناك كلمات أفقدها التطور معناها

الاصلى تقريبا حتى لو أنك استعملتها جهلها كثير من القراء مثل :

الفشل : وهو فى الاصل اللبن والضعف ثم صار بمعنى الخيبة والاخفاق

       شمل : أصله غطاه بالشملة وهى كساء واسع ثم صارت الكلمة تدل على التعميم فتقول : شملهم ، أى عمهم ، وتقول أيضا: شمله بعنايته ، أى أضفاها عليه .

التواضع : أصلها انخفاض الارض فصارت تدل على لين الجانب ومجانبة الكبر

الشقيق : في الاصل نصف الشئ ثم صار للاخ من أبيك وأمك

النتيجة : في الاصل : الولد ثم صارت تدل على الامر الناجم عن غيره

العذراء : فى الاصل الدرة غير المثقوبة ثم صارت بمعنى البنت البكر

القاموس : في الاصل البحر ثم صار علما على نوع مخصوص من الكتب .

هذه نماذج من تطور العربية اللغوي

أوردتها تمثيلا لا احاطة ومنها تتضح قابليتها لمسايرة التجديد ومرونتها على السعى مع تطور الحياة نفسها .

لا جمود ولا حيرة ولا انزواء بل سموق ذاتية ونضج ذوق

وهناك جمل ترددت فى عصرنا الاخير جاءنا معنى بعضها من تأثرنا بالثقافة الاجنبية فترجمناها الى لغتنا ، وجاءنا بعضها من تجديد اوضاعنا العامة مثل :

لعب دورا في كذا ، وضرب الرقم القياسى وأعطى صوته لفلان ، والسوق السوداء ، ودق ناقوس الخطر وغسل يديه من القضية ، وطلب يد فلانة ، واستقبلت فلانة حادثا سعيدا .

ومن هذه التركيبات ومثيلاتها ما لا بأس به ولا خطر منه ما تقيد بالاصالة ولم ينشز على القواعد الصحيحة ووافق الذوق العربى العريق وسلم من الجرأة الجاهلة والارتجال .

      (المدينة المنورة )

تصحيحات فى مقال الاستاذ السيد عبيد مدني المنشور فى عدد ذى الحجة ١٣٨٧ في

اشترك في نشرتنا البريدية