منذ ان لحق جلالة الملك عبد العزيز بالرفيق الاعلى ، والناس يعيشون فيض غامر من ذكرياته الحبيبة حتى لكأنهم يحيون فى عهده
حياة موصولة لم يفصل بين ماضيها وحاضرها برزخ .
فما يزال الناس نشاوى بتلك العظمة التى اعترفت بها الدنيا ودانت لها الصعاب ، وتحللت أمامها المشاكل . وهم يأبون الا ان يتعلقوا بها ويتدثروا بدثارها المقدس لينالهم منها نصيب .
وليس الشعب السعودى يبدع فى هذا بين شعوب الارض .
ففى الشرق كان الأتراك يفخرون بمحررهم ( اتاتورك ) فلما مات قام له فى قلب كل تركى تمثال من الحب والاجلال
وفى مصر ما يزال المصريون يعتزون بقادتهم من امثال محمد فريد ومصطفى كامل وسعد زغلول .
وفى الغرب ما زالت أسماء جورج واشنطون ولنكول ونابليون وكرومويل ونلسون واضرابهم من القادة العظام هي الصدى القوى والنغم العذب لاحلام الشعوب وحوافزها .
هذه هي تقاليد البشر التى درجوا عليها .. تقديس للعظمة وتخليد للعظماء استحقوه بجهادهم فى سبيل بلادهم . . وبما فطروا عليه من سجايا وأتوه من مواهب .
ومن نعمة الله على هذه البلاد أن كانت عظمة الراحل الكبير عظمة مثمرة غير
مجدبه . عظمة تتصل فروعها باصولها فهى كالدوحة الضخمة عميقة الجذور كثيرة الاغصان وارفه الظلال باسقه الجذع . .
ونحن ما ننعم من تلك العظمة الراحلة مجرد الذكرى والافتخار ولا بمجرد الاسوة والمحاكاة . . بل اننا لننعم منها بحياة كريمه ممتدة تتشابه فيها الملامح والسمات ؛ وتوافق الميول والاتجاهات . فما يضير بعد ذلك ان تختلف الصورة بعض اختلاف فى المظهر لا فى الجوهر ، وفى الشكل لا فى الموضوع .
ما يضير أن يستأثر الخلد بحياة عظيمة . بل بحبوات كلها تمت الى اصلها المجيد باقوى الاسباب لقد فقدنا بفقد ( عبد العزيز ) الشئ الكثير ما في ذلك ريب . . ولكن الله عوض خسارتنا بربح موفور . . بشبله العظيم ( سعود ) وباخوانه الميامين وعلى رأسهم (فيصل)
والحديث عن فيصل يحلو للكاتبين . ويحلو بنوع خاص لعارفيه منهم ودارسى . خلاله ومزاياه .
ولن يتهمنا أحد بالغلو والمبالغة اذا ما قلنا ان فيصلا سبقت عظمته سنه بمراحل . . فقد كان مبكر النبوغ الى حد مدهش ، الى ذلك الحد الذى ادهش كبار ساسة العالم ودهاة مفكريه ولقد عرف والده العظيم فيه هذا النبوغ الفطري فعهد اليه بجسام الامور وهو بعد فى يفاعه ونضرة صباه . فدلل بذلك - يرحمه الله - على النظر الصائب والرأى السديد . وكان يقول عنه : انه ميمون الناصية ، فما عدا الحق الصراح .
أرسله أبوه على رأس جيش فقاده الى الظفر والفتح فى مقاطعة " أبها " وكان ما يزال غلاما يرتاع اقرانه من ذكر الحرب واخبار القتال . فاثبت بذلك انه من القادة المبرزين .
ثم ولاه نيابته فى الحجاز وتهامة وعسير . وهو عمل ادارى ضخم تنوء به اعناق الرجال المحنكين فتكشف عن عبقرية ادارية خارقة وهو لم يعد العشرين ربيعا . فسلكه ذلك فى عداد كبار الاداريين .
ثم تولى شؤون وزارة الخارجية . . وهى من وزارات الدرجة الأولى ولا سيما فى بلد كهذا يتحسس طريقه الى المجد والبناء . . فكان من وزراء العالم المعدودين ..
لم يقصر عن شأو ابرزهم فى المحافل الدولية حتى لقد كان كثير من البلدان العربية والاسلامية يعتبره ممثلا له فى تلك المحافل السياسية العتيدة ويفخر بذلك التمثيل الكريم وكان هو من جانبه يعتبر نفسه ممثلا لكل عنصر عربى واسلامى لا ممثلا لبلاده فحسب ، فكان ينافح باخلاص عن قضاياهم ويعرض مظالمهم عرض القدير الماهر ما تفوته
شاردة ولا واردة مما يضطع به . . فما يزيده ذلك الا اعجابا تكتظ به الجوانح. . وحبا ، تفيض به القلوب . . وما يزيده ذلك الالمعان اسم وسيرورة شهرة وجدارة خلود ..
وفى حرب اليمن كتب " فيصل " سطورا من المجد الحربى ما يستطيع قائد أن يكتبها الا اذا حالفته العبقرية الحربية وواتاه الحظ والتوفيق .
"لعل أحدا لا يزاحم فيصلا فى ميزة كاد أن يتفرد بها بين الحاكمين .. هي انه الحاكم الذى لا أعداء له فما نكاد نعرف - على طول حكمه للحجاز وتهامة وعسير - عدواً له من بين محكوميه الكثيرين .. وما نقول هذا محاباة ولا زلفى . . فيعلم الله اننا من أبعد الناس عن هذين الخلقين المقيتين .. وانما نقوله - وملء حيازيمنا الصدق والاعتداد . . ونقوله للتاريخ مخلصين وللحق مسجلين ..
وما نال فيصل هذه الميزة بلا ثمن . . ولا نالها وهو نائم ملء جفونه والخلق ساهرون كما يقول أبو الطيب ، فلقد دفع لها الثمن الغالى من اعصابه وسهر من أجلها الليل الطويل ..
كان يحاول ارضاء العدالة ولو على حساب اعصابه وصحته وحقوقه . . وكان يعمل لذلك جاهدا ومخلصا ودائبا . . فكافأته العدالة بوسامها الرفيع . . وانه لوسام تتقاصر دونه الاعناق وتتقطع الرغائب ..
وبعد فما تكافئ فيصلا كلمة تقال ولا حديث يزجى . . انما حسابه عند التاريخ الذى سيجزل له المكافأة كما اجزل هو لأمته البر والجهاد .
وخير ما نختتم كلمتنا هذه عن فيصل ان نشير الى ما لاقاه من والده العظيم فى حياته المجيدة من عطف ورعاية وتقدير ثم ما لاقاه بعد ذلك من جلالة أخيه العظيم من مواساة وتكريم ؛ حين قلده ولاية عهده فاصبح بذلك الرأس فى هذه البلاد بعد جلالة المليك المفدى . .
انه تتويج رائع لحياة كريمة باسلة . لقد عمل فيصل لبلاده . وسيعمل لها ان شاء الله بمزيد من الجهد ومضاعف من التوفيق فى ظل جلالة أخيه وبتوجيه سام منه حتى تنال ما تصبو اليه من مكانة مرموقة ومجد مؤثل ورخاء عميم ...
