الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

بحث قيم .., عمر بن الخطاب ...، والضمان الاجتماعى !

Share

من الكلمات التى شاعت كثيرا فى هذه الاعوام الاخيرة : كلمة "الضمان الاجتماعي" وقد اصبح لهذه الكلمة مدلولها الخاص اليوم ، فهي تعنى ان الدولة فى هذا العصر يعتبرها الناس مسؤولة عن رعاياها فى نطاق اوسع مما كانت عليه هذه المسؤولية فى العهود الغابرة .. وان عليها : "الدولة" واجب السعى لتحسين وتسهيل معيشة هؤلاء الرعايا بصورة عامة، وليس هذا فحسب .. بل ان على الدولة ان تؤمن لكل فرد قادر على العمل، عليها ان تؤمن له عملا .. إذا لم يستطع هو بنفسه ان يؤمن ذلك العمل ... وبهذا - وبهذا وحده - يمكن ان يتاح للدولة - ايا كانت - ان تقضي على ما يسمونه "الفقر" او "العوز" او بعبارة اخرى : يمكنها ان تقضى على عدو الأنسانية رقم (١) وبهذا - وبهذا وحده ! سوف لا يمكن ان يشكو اى فرد من المواطنين انه "كمية مهملة"، فى المجتمع الذي يعيش فيه ، او انه عالة على هذا المجتمع ، او ان هذا المجتمع قد اضطره الى ان يسال الناس الآخرين . فان شاؤوا اعطوه . وان شاؤوا حرموه ...

واما غير هؤلاء القادرين ... أو بتعبير آخر : اما العاجزون عن ان يقوموا باي عمل ما .. لأى سبب من أسباب الشيخوخة او المرض ، واما غيرهم وغيرهم من الارامل واليتامى ، وكل من ليس له أى ايراد يكفيه شر الحاجة ، فهؤلاء جميعا تكفلهم الدولة بمالها من حق السلطة على الأموال العامة ،

وبمالها من حق الأخذ من اغنياء الأمة بمقدار ما يحتاج اليه فقراؤها . وبما عليها - اخيرا - من الواجبات والالتزامات نحو كل فرد وكل وجماعة من أفراد الأمة وجماعاتها ..

وفكرة الضمان الاجتماعي هذه . لنا ان نقول عنها انها "حدث جديد" بالنسبة لعالم اليوم ، والواقع ان هذه الفكرة فى معناها المفهوم هذا ، لم تبرز اكثر ما برزت الامن خلال احداث الحرب العالمية الثانية ، وعلى الخصوص عندما ظهر فى بريطانيا "مشروع بيفردج" المشهور وهو مشروع يهدف الى التأمين الاجتماعي بكل ما أصبحت ترمى اليه هذه الكلمة ، ومعلوم انه فى أعقاب تلك الحرب ، وعندما بدأ النزاع يشتدبين المعسكرين الديموقراطى والشيوعي ، اخذت كلمات "الضمان الاجتماعى" و "التأمين الاجتماعى" و "العدالة الاجتماعية" تتوغل فى أذهان الجماهير ، وكان من ضمن مقررات هيئة الأمم المتحدة - كما هو معروف - ان اصبح لها قسم خاص بالأمور الاجتماعية ، والدراسات الاجتماعية ، وتبارت معظم الحكومات فى هذا الميدان ، فأنشأت كل منها فى بلادها وزارة خاصة للشؤون الاجتماعية ..

ولقد سبقت مصر الشقيقة - ومصر سباقة دائما - سبقت مصر غيرها من اقطار العروبة ، فوضعت اضخم مشروع للضمان الاجتماعى فى عام ١٩٥١ على يد وزيرها الشاب ، الدكتور احمد حسين باشا ، وزير الشؤون الاجتماعية الأسبق فى وزارة النحاس .

ويتضمن مشروع الضمان الاجتماعى المصرى تخصيص رواتب شهرية للارامل والايتام والعجزة ، الى جانب توفير العمل للقادرين . وفى صحف مصر الواردة فى هذا الشهر "فبراير ١٩٥٢" ان وزارة الشؤون قد شرعت فى تطبيق هذا المشروع في مدينة القاهرة بعد ان سبق ان عممته فى العام الماضى فى جميع انحاء القطر ، وبذلك يكون هذا المشروع قد شمل القطر المصرى جميعه بدون استثناء ..

لقد قلت فى اول هذا المقال أن فكرة الضمان الاجتماعي هذه إنما هى "حدث جديد" بالنسبة لعالم اليوم ؟ وانا اعنى بعالم اليوم : هذا العالم الذى

يقول عن نفسه انه العالم المتحضر ، او العالم المتمدن ، او العالم الذى بلغ فيه الفكر والعلم اقصى المراحل فى التقدم والارتقاء ..

ولكن ... هل فكرة الضمان الاجتماعى تعتبر كذلك بالنسبة للتاريخ الأنسانى ؟ او بالنسبة لتاريخ العرب وتاريخ المسلمين ؟

أن هذا التاريخ يقول بافصح العبارات: كلا ! ليست فكرة الضمان الاجتماعي حدثا جديدا فى هذا العالم ، بل ليست فكرة الضمان الاجتماعي شيئا تمخضت عنه عبقرية العصر الحديث ، وإنما فكرة الضمان الاجتماعي فكرة مسبوقة . وإنما هى فكرة نيرة جاءت اول ما جاءت عن طريق الاسلام ! وكان عمر بن الخطاب خليفة المسلمين العبقرى العظيم اول من اتيح له - بعد ان اتسعت رقعة الاسلام - ان يقوم بتحقيق أول مشروع للضمان الاجتماعى . وذلك بطريقة فذة مثالية ، وفى اسمى صورة عرفها تاريخ الانسان !

ان الأسلام هو الذي اوجد لأول مرة فى تاريخ العالم ، فكرة الضمان الاجتماعي : (وفى اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) والأسلام - ولا فخر - هو الذي جعله "حقا" وليس "إحسانا" .. وكان الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه يتولى تطبيق ذلك على أكمل وادق ما ينبغى ان يكون ، وعلى مثل ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، سار خليفته الأول ابو بكر الصديق .

وفى العهد النبوى الكريم ، وفى عهد خليفته الاول رضى الله عنه كان كل شىء يجرى بسيطا .. لان الدولة لم تتسع بعد . من اجل هذا لم تكن هنالك ايه نظم أو اية قواعد لتدوين ما يرد من أموال الدولة ، ثم تدوين انواع النفقات  فلما جاء عهد عمر . وازدادت الفتوح . واتسعت الدولة ، واحتاجت تبعا لذلك الى ان تضع لنفسها من الأنظمة الجديدة ما يتلائم وحياتها الجديدة .

رآى هذه الخليفة العظيم ان يساير هذه الروح ، وان يضع الأسس لهذه الدولة الاسلامية الناشئة ، فما هو الا ان بدأ اول ما بدأ بانشاء الدواوين على مثال ما كانت عليه فى فارس والروم ، وما هو إلا ان ارخ التاريخ . وما هو الا ان

منع تمليك الفاتحين المسلمين اراضى البلدان المفتوحه ، وصمم ان تكون هذه الأراضى ملكا لاصحابها الاصليين على ان يؤدوا لبيت المال خراجا سنويا ... لماذا كل هذا ؟ لكى ينشىء للدولة الاسلامية نظاما ماليا ثابتا لا يشوبه الخلل ، ولا يعتريه النضوب !!

وكان هذا الاجراء المالى الخطير من جانب عمر بن الخطاب . رضى الله عنه اول مادة رئيسية مما اخذ على نفسه ان يرسى قواعده للسلمين من برنامج يحقق كل ما تنطوى عليه كلمة ضمانة اجتماعية !!

أجل .. لم يكن تدوين عمر للدواوين وتاريخه للتاريخ ، وتحريمه تمليك الاراضى المفتوحة ، واصراره على ابقائها لاصحابها لكى تستفيد المالية من خراجها السنوى الوفير .. لم يكن كل ذلك الا تمهيدا لقيامه باول عمل ضخم فى ميدان التأمين الاجتماعي ، على ارسخ القواعد والنظم ، مستلهما فى ذلك تعاليم الاسلام ، وما سبق ان بدأ به الرسول ؛ وتابعه فيه خليفته الأول الصديق .

ان التاريخ ليسجل بمداد الفخر والأعجاب ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من وضع نظاما كاملا للضمان الاجتماعى ؛ على اساس تعاليم الاسلام ؛ وكان اسلوبه البالغ المدى من حيث الدقة والرأفة والحزم فى تطبيقه لهذا النظام الكامل ؛ من اروع ما تحدث به الناس فى الشرق والغرب ؛ على مر العصور ..

"للبحث صلة"

اشترك في نشرتنا البريدية