- ١ -
التعويض وحفظ التوازن : يلوح لى ان ظاهرة التعويض وحفظ التوازن فى الحياة نظام عام شامل يشمل الكائنات جميعا ، سواء فى ذلك الانسان والحيوان ، النبات والجماد ، الذكور والاناث ، الأفراد والجماعات .
ففى المملكة النباتية تشاهد عجبا ، فهناك الوان من النبات تنمو فى بقاع من الارض لا تتوفر فيها ( الأزوتات ) التى تحتاج اليها فى استكمال غذائها ونموها . ومن ثم فهي مفتقرة الى ان تستعيض عما فقدته فى التربة بشيء آخر . وفى هذه الفراشات التى ترفرف حولها والحشرات التى تحوم فوقها ضالتها المنشودة . ولكن كيف تبلغ مأربها وتصل اليها ؟ ! لابد لها من أدوات الصيد ، مغرياته واحابيله وشباكه . وقد أمدها الله بالمغريات ، أمدها برحيق شهى يترقرق فوق ثغور أوراقها ، وزودها بالشباك وهى تارة زوائد حساسة قناصة ، وتارة جرة متحورة من الورقة ذات غطاء يفتح ويقفل حسب الظروف ، وتارة اخرى مصراعان على الورقة لهما زوائد شوكية يتحركان ويقفلان فجأة حين يقتضى الامر . والويل كل الويل لتلك الفراشات والحشرات ، ان راحت تلتمس عندها الغذاء ، اوهفت الى ما على شفاهها من رحيق ؟ الويل لها . . فستتشبث بها زوائد هذه ، وستغرق فى جرة تلك ، وسينطبق عليها فكا الاخرى . ولا تستطيع الافلات مهما حاولت . . ثم تفرز هذه النباتات مواد هاضمة تذيب بها جسم الفريسة وبعد ذلك تتمثلها بمثل هذه الآلات وبتلك اللقانة ( والحساسية ) فى الجذب والبحث تستعين هذه النباتات على اصطياد فرائسها التى تستعيض بها عما ينقصها من طعام
التربة وغذاء الارض ، فسبحان من جعل من الحياة موتا ومن الموت حياة وسبحان من خلق كل شئ ثم هدى .(١)
وإذا تركنا مملكة النبات الى مملكة الحيوان ، رأينا بعض الحشرات والحيوانات تستعيض عن ملكات الانسان ومواهبه بحاسة عجيبة ، تهتدى بها حين تريد التأويب والاتصال ببنى جنسها ، وتستطيع ان تمارس بها أعمالا دقيقة مدهشة لا علاقة لها بالحواس الخمس . يقول فابر احد كبار علماء الحشرات الفرنسيين " إنه وجد ذات يوم يرقة نوع كبير من الحشرات فحملها الى منزله ، ووضعها داخل صندوق فى غرفة مكتبه ، وبينما هو جالس فى غرفة الطعام ذات ليلة إذ دخل عليه خادمه فزعا ، واخبره ان غرفة مكتبه امتلأت بفوج كبير من الذباب الضخم . فلما ذهب ليرى ما حدث ، وجد ان يرقته ، وكانت انثى ، قد خرجت من هذا الطور وان عددا كبيرا من ذكورها يحوم حول الصندوق . ولما كانت كلها من نوع غير مألوف فى هذه المنطقة فقد حكم بأنها لابد جاءت من مكان سحيق ، فأغلق النافذة ، وأمسك بها جميعا وعددها خمسة عشر ذكرا . واراد ان يعرف هل استعانت هذه الذكور فى حضورها بحاسة الشم أو لم تستعن بها فنزع منها ملامسها وهى الاعضاء التى تحمل هذه الحاسة ثم وضع الذكور فى كيس ووضع هذا الكيس فى قمطر " وفى صباح اليوم التالى نقلها الى غابة تبعد نحو الميلين ، واطلق سراح الذكران جميعا ، ولكنها لم تلبث بعد الغسق ان شوهدت كلها متجمهرة فى حجرة مكتبه لم يتخلف واحد منها . عندئذ أيقن ان حاسة الشم لم تكن النبراس الذى اهتدت به الذكور الى مكان الانثى . " واستبان له من هذه التجربة وغيرها ان فى مخ الحشرات والحيوانات جهازا مكونا من شعيرات عصبية وخلايا حسية يوصل الذبذبات الى جهاز آخر يحللها ويحولها الى ما يعادل السمع أو النظر . . ( ٢ )
وفى المملكة الانسانية نشاهد آثار هذه الظاهرة واضحة جلية ، فالشاب يستعيض عن مرح الطفولة وتحررها وعن احلامها الذهبية وخبالها المجنح بنفحات الشباب ومتاعه ، وخصبه وانتاجه ، وغرامه ومغامراته ، ومجاله الفسيح ونشاطه الدائب . والشيخ يستبدل بربيع العمر وزهرته تاج الحكمة واكليل الرزانة وحصاد السعى ومتعة الذكرى وثمرات النشاط ، وقد تساءل احد الكتاب عن العظمة ما هي ؟ فقال : " انها فكرة فى الشباب تتحقق فى الشيخوخة" والأفراد تتفاوت ملكاتهم الروحية والجسدية ، وهم يندفعون ابدا إلى الاكتمال والاستعاضة . وحين يتعطل عضو من الاعضاء او حاسة من الحواس أو ملكة من الملكات ، يقوم المرء باستخدام عضو آخر او حاسة اوملكة أخرى حتى تكون النتيجة تعويضا أو فوق التعويض . ولقد شاهد الناس فى مصر " رجلا اكتع يستخدم اصابع قدمه فى أشياء يعجز الكثيرون عن صنعها باصابع اليدين : يكتب بها ويشعل عيدان الثقاب ويصنع بها القهوة ويصبها فى الاقداح ويشربها ويديرها على الحاضرين ، ويسلك الخيط فى سم الابرة ويخيط الثوب الممزق ، ويوشك ان يصنع بالقدم كل ما يصنع باليمين أو اليسار " ( ١ ) بالممين أو اليسار
وابو العلاء المعرى الذى كان " فيلسوفا فى شعره شاعرا فى فلسفته " قد استعاض عن حاسة البصر برهافة السمع وحدة الذكاء وجودة الحفظ ، قيل أنه حفظ المحكم والخصص واملاهما من صدره وتليت عليه خزائن الكتب فى بغداد فاستظهرها ، واوردوا عليه مرة مياومة وبعد ان فرغوا منها سرد عليهم كل ما سمع ، وتمضى القصص فى حفظه وذكائه الى انه اعاد مرة ما سمعه من حوار بين رجلين يتكلمان الفارسية أو الأذربية ، وانه كان يلعب النرد والشطرنج . سئل مرة : بم بلغت هذه الرتبة فى العلم ؟ فقال : " ما سمعت شيئا الا حفظته ، وما حفظت شيئا فنسيته " . وبشار بن برد - كما هو معروف - قد بلغت به اللقانة ودقة الحس
ان قاد رجلا بصيرا الى المكان الذي ينشده حتى اذا وصلا اليه قال له : هذا منزل فلان يا اعمى ! وكان يردد اثناء ذلك :
اعمى يقود بصيرا لا أبا لكم قد ضل من كانت العميان تهديه
واذا تركنا الشواهد الفردية الى الشواهد الجماعية ، رأينا ظاهرة الاستعاضة تتجلى بوضوح ، فحين تعانى الشعوب الوانا من الكبت والحرمان تستعيض عن حريتها السليبة بما يشيع على لسانها الجمعي من نفثات ساخرة لاذعة ، وبما تتنفس به فى طى الخفاء من اعمال قد تبلغ من الغلو ما لا يكون عند الاحرار الطلقاء .
والعرب فى قلب الجزيرة فى عصورهم الأولى قد ركزوا مجهودهم العظيم فى الانتاج الأدبى فكان أدبهم صورة حية متحركة لحياتهم الاجتماعية تتراقص فيها امجادهم ومغامراتهم ومناقبهم ومثالبهم وكانت عنايتهم بالبيان تفوق كل عناية حتى لتشعر أن الادب قد أنس بهم كما انسوا به ، وخالطهم كما خالطوه فاذا هو جزء من نفوسهم وقطعة من قلوبهم يسرى فى عروقهم ويجري مع انفاسهم يتبعهم ويتبعونه فى الحل والترحال كما يتبع الظل صاحبه . . وهذه الظاهرة المعروفة تكشف أمام اعيننا حقيقة رائعة وهى ان العقلية العربية فى جوهرها - عقلية وجدانية ، وان العرب فى عصورهم الأولى قد استعاضوا بهذه النفحات القلبية عن كثير من الاشياء ، وكانت آدابهم غنية لهم عما برزت فيه الأمم الأخرى من طب وهندسة وفلك وعمران .
وفى عصرنا الحاضر نشاهد فى الحياة اميين واشباه اميين قد وصلوا بجدهم وكدهم الى بناء مجد ضخم قوامه الابيض الضاحك والأصفر الرنان . وان دأبهم ليبعث فى النفس الدهش ، حتى ليخل اليك ان عصا سحرية خفية تسوقهم الى الكدح لتكوين ثروة مادية يستعيضون بها عما يعوزهم من ثروة الطبع وثروة الروح والفكر . وقصارى القول ان ظاهرة الاستعاضة ظاهرة عامة شاملة تتجلى آثارها فى الكائنات جميعا (١)

