الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

بحوث إسلامية, بحث ديني علمى عميق الاسلوب، مشرق الديباجة مركز العرض, كن ذات الخالق العظيم عز وجل

Share

فضيلة الشيخ هاشم دفتردار أحد علمائنا الاجلة الذين امتازوا بغزارة العلم ، وقوة الحجة ، وعمق الفكر ، وسلاسة الاسلوب ، وجمال البيان . . وفي مقاله هذا - الكتاب - يحدث قراءنا حديثا رائعا عظيما قويا عن هذا الموضوع الدينى العظيم باسلوب عميق مبسط جذاب . .

" الحلقة الثالثة " ٤ - استحالة معرفة كنه ذات الخالق العظيم فى واقع العلم اليقينى :

قد تبين العلماء الماديون الراسخون ان ذات الخالق العظيم عز وجل ، ما هي من قبيل الكائنات المادية أو الكائنات الروحية التى أوجدتها . حتى يدخل فى الامكان ادراك كنهها .

وتبينهم هذا كان نتيجة طبيعية لدراساتهم العلمية التجريبية فى حقائق الكائنات كافة ، بحرية وانطلاق .

وكم من سخرية فى قول السطحيين : " ان العلم لا يؤمن بوجود الذات الا بعد مشاهدتها ، ومعرفة كنهها " . والواقع أن العلماء الراسخين يؤمنون بوجود الذات ، ماداموا يلمسون آثارها ويدرسونها ، ولا يمنعهم من ذلك جهلهم بكنهها ، وعدم رؤيتها .

ولو كان العلماء على هذيان السطحيين لا يؤمنون بوجود الذات الا بعد مشاهدتها ومعرفة كنهها . لما كانوا قد اكتشفوا ذاتا من الذوات التى كانت مجهولة أبدا .

وكم هى الذوات التى يجهل العلماء كنهها ، ولا يرونها ومع ذلك يؤمنون بوجودها ايمانهم بوجود أنفسهم ويسهرون فى دراسة آثارها ومعرفة صفاتها والانتفاع بها ٠٠

ويضاف الى جهل هؤلاء السطحيين بواقع العلم اليقينى ، جهلهم الفاضح بجلال واجب الوجود الذى تحقق به الوجود ولولاه لما كان ثمة موجود .

وأي كائن من كائنات المادة أو من كائنات الطاقة فى شتى صوره وأزمنته وامكنته ووظائفه لم يكن من آثار قدرته وعلمه وارادته عز وجل .

وهنا لا بد ان نصفع أوحه هؤلاء السطحيين الظالمين بنعال عباقرة العلماء المحدثين الذين يديرون النهضة العلمية الحديثة ، ويصعدون بها الى ابعاد عوالم الفضاء . . نصفعهم بما نعرض من أقوالهم

العلمية الحديثة التى هى شواهد ناطقة : ان ما أبتدأ به واقع الوحى اليقينى المعجز فى محكم آياته ، هو عين ما انتهى اليه العلم اليقينى فى اضواء شواهده .

هذا " بول كليرانس " استاذ الطبيعة الحيوية ص ٣٧ (١) يكشف لنا أن المادة والطاقة الماثلتين في تكوين الكائنات كافة تفرضان بأصول التفكير المستقيم والاستدلال العلمي السليم الايمان بالخالق العظيم فيقول : " ولقد كنت فى بدو دراستى للعلوم شديد الاعجاب بالتفكير الانسانى وبقوة الاساليب العلمية الى درجة جعلتني اثق كل الثقة بقدرة العلوم على حل اية مشكلة فى هذا الكون . بل على معرفة منشأ الحياة والعقل وادراك معنى كل شئ . وعند ما تزايد علمي ومعرفتى بالاشياء من الذرة الى الإجرام السماوية ومن الميكروب الدقيق الى الانسان تبين لى أن هنالك كثيرا من الأشياء التى لم تستطع العلوم حتى اليوم أن تجد لها تفسيرا أو تكشف عن اسرارها النقاب . وتستطيع العلوم أن تمضى مظفرة فى طريقها ملايين السنين ومع ذلك فسوف يبقى كثير من المشكلات حول تفاصيل الذرة والكون والعقل كما هى لا يصل الانسان الى حل لها أو الاحاطة باسرارها ، وقد ادرك رجال العلوم ان وسائلهم وان كانت تستطيع أن تبين لنا بشئ من الدقة والتفصيل ، كيف تحدث الأشياء فانها لا تزال عاجزة كل العجز عن أن تبين لنا لماذا تحدث الأشياء .

ان العلم والعقل الانسانى وحدهما لن يستطيعا أن يفسرا لنا لماذا وجدت الذرات والنجوم والكواكب والحياة والانسان ، بما

أوتى من قدرة رائعة وبرغم ان العلوم تستطيع أن تقدم لنا نظريات قيمة عن السديم ومولد المجرات والنجوم والذرات وغيرها من العوالم الأخرى فانها لا تستطيع ان تبين لنا مصدر المادة والطاقة التى استخدمت فى بناء هذا الكون أو لماذا اتخذ الكون صورته الحالية ونظامه الحالى والحق أن التفكير المستقيم والاستدلال العلمى السليم يفرضان على عقولنا دعوة الايمان بالله - عز وجل - ويقول :

" فالانسان رغم أنه يتكون من جسد وروح ، لا يستطيع أن يدرك صفات الله الروحانية أو يعبر عنها ، الا في حدود خبرته ، ومع ذلك فاننا نستطيع أن نصل الى أن الله تعالى يتصف بالعقل والحكمة والارادة . وعلى الرغم من ذلك فان لله وجودا ذاتيا . وهو الذى تتجلى قدرته فى كل شئ وبرغم أننا نعجز عن ادراكه ادراكا ماديا أو وصفه وصفا ماديا ، فهنالك مالا يحصى من الادلة المادية على وجوده تعالى : وتدل أياديه فى خلقه على أنه العليم الذى لا نهاية لعلمه ، الحكيم الذى لا حدود لحكمته ، القوى الى أقصى حدود القوة . ولما كان ادراك كنه الله من الامور الغامضة علينا ، فاننا لا نستطيع أن ندرك لماذا وجد الانسان أو لماذا وجد هذا الكون الذى لا يعدو أن يكون الانسان ذرة ضئيلة من ذراته التى لا يحصيها عقل أو وصف .

ان الامر الذى نستطيع أن نثق به كل الثقة ، هو ان الانسان وهذا الوجود من حوله لم ينشأ هكذا نشأة ذاتية من العدم المطلق ، بل ان لهما بداية ولا بد لكل بداية من مبدئ كما أننا نعرف أن هذا النظام الرائق المعقد الذى يسود هذا الكون يخضع لقوانين لم يخلقها الانسان ، وان معجزة الحياة فى حد ذاتها لها بداية ، كما ان

وراءها توجيها وتدبيرا خارج ذات الانسان . انها بداية مقدسة وتوجيه مقدس وتدبير الهى محكم .

وهذا ولتر أوسكار لندبرج استاذ الفسيولوجيا والكيماء الحيوية ص ٣٣ (١) يقول : " للعالم المشتغل بالبحوث العلمية ميزة على غيره اذا استطاع أن يستخدم هذه الميزة فى ادراك الحقيقة حول وجود الله عز وجل فالمبادىء الاساسية التى تستند اليها الطريقة العلمية التى يجرى بحوثه على مقتضاها ، هى ذاتها دليل على وجود الله عز وجل .

ويعتقد أوسكار ان القدماء لو لم يدخلوا صفات الطاقة والمادة الماثلة فى الكائنات من جماد ونبات وحيوان على صفات الله تعالى ، لما انكر وجوده عز وجل أحد من العلماء . والسبب فى هذا الخلط هو أن القدماء لم يميزوا بين ذات الله وصفاته ، وبين ذوات المخلوقات وصفاتها فتساوت لديهم وعبدوها بحجة أنها هى هو : " تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا " . . تأمل قوله فى هذا الصدد " . . . . وليس من السهل أن تتحرر عقول الناس من التعصب والأهواء ففى جميع المنظمات الدينية فى أوروبا تبذل محاولات لجعل الناس يعتقدون منذ طفولتهم فى آله هو على صورة الانسان . بدلا من الاعتقاد بأن الانسان قد خلق خليفة لله على الارض . وعندما تنمو العقول بعد ذلك وتتدرب على استخدام الطريقة العلمية فان تلك الصورة التى تعلموها منذ الصغر لا يمكن أن تنسجم مع أسلوبهم فى التفكير أو مع أى منطق مقبول . وأخيرا عندما تفشل جميع المحاولات فى التوفيق بين تلك الافكار الدينية القديمة وبين مقتضيات المنطق والتفكير العلمى نجد هؤلاء المفكرين يتخلصون من الصراع ينبذ فكرة الله كلية .

وعندما يصلون الى هذه المرحلة ويظنون أنهم قد تخلصوا من أوهام الدين وما ترتب عليها من نتائج نفسية ، لا يحبون العودة الى التفكير فى هذه الموضوعات بل يقاومون قبول أية فكرة جديدة تتصل بهذا الموضوع وتدور حول وجود الله " . . . ويقول : " ولا يزال الانسان فى مهد العلم والمعرفة وهو يدرك أن الكون بأرضه وسماواته وما بينهما فسيح الى اقصى الحدود كما ان الوحدات الاساسية التى تتألف منها المادة والطاقة صغيرة متناهية فى الصغر ، وان مدى حياته ليس الا جزءا ضئيلا من الثانية بالنسبة لعمر هذا الكون المديد . وهو يكاد يلمس أحيانا أن هنالك صورا أخرى من المادة والطاقة والابعاد وغير ذلك من العوالم التى يجهلها فى الوقت الحاضر كل الجهل وهو يدرك أيضا الحياة نفسها ادراكا غامضا لعدم قدرته على فهمها فهما علميا واضحا . ورغم جهل الانسان وقلة علمه وفهمه المحدود لكل هذه الظواهر فانه يشعر أن هنالك كثيرا من الامور التى ينتظر أن يصل اليها ويميط عنها اللثام وجميعها تقوم على أساس انتظام الطبيعة وقدرة الانسان على التنبؤ بظواهرها فى ظل ما يكشف عنه الحجاب من سنن هذا الكون وأسراره التى ما هى فى الواقع الا من تجليات الخالق فى خلقه . .

ولما كان ايمان الانسان بالله كما تدل عليه الظواهر الطبيعية والسنن الكونية اليوم لا يزال محدودا للغاية (٢) لذلك

ينبغى أن يقوم ايمان الأنسان بالله فوق ذلك وبالاضافة اليه على أساس روحانى وأساس العقيدة والتسليم . فالايمان بالله مصدر لسعادة لا ينضب فى حياة كثير من البشر (٤) . أما المشتغلون بالعلوم الذين يرجون الله فلديهم متعة كبرى يحصلون عليها كلما وصلوا الى كشف جديد ، في ميدان من الميادين اذ ان كل كشف جديد يدعم ايمانها بالله ويزيد من ادراكهم وأبصارهم لايادى الله فى هذا الكون (٥) .

وهذا " جورج ايريل دافيز " أستاذ الطبيعة يقول في ص ٤١ : " كلما تقدم ركب العلم وتضاءلت الخرافات القديمة ازداد تقدير الانسان لمزايا الدين والدراسات الدينية . . والبشر جميعا يرغبون رغبة صادقة في الوصول الى الحقيقة " .

وهنا يفرق بين أساطير الوثنية والاشراك التى جعلت الانسان يؤله بعض فراد الكائنات ، من طاقة أو مادة وبين الايمان العلمي اليقيني بالله عز وجل فيقول : " وينبغى أن نعترف أن من يخرج على بعض الافكار التقليدية التى ينطوى عليها دين من الاديان لكى يؤمن بوجود الله القوى الكبير . لا يجوز أن نعده ملحدا ، فمثل هذا الشخص قد يكون غير معتنق لدين من الاديان ، ولكنه يؤمن بالله ، وقد يكون ايمانه هذا بالله تعالى قائما على أساس علمي متين " وهو يقصد نفسه اذ يقول : " فان عقيدتى ثقوم فى الوقت الخاضر على أساس قوى يختلف كل الأختلاف عن الأساس الذي يقوم عليه الايمان المستمد من سلطة رجال الدين " . . وعلى ضوء هذه الحقيقة يقول : " ولكننا نستطيع أن نتحقق من وجود الله باستخدام العقل والآستنباط مما نتعلمه ونراه فالمنطق الذى نستطيع أن نأخذ به

والذى لا يمكن أن يتطرق اليه الشك هو انه ليس هنالك من شىء مادى يستطيع أن يخلق نفسه . واذا سلمنا بقدرة الكون على خلق نفسه فاننا بذلك نصف الكون بالالوهية ومعنى ذلك أننا نعترف بوجود الآله ، ولكننا نعتبره الها ماديا وروحيا . . لان ما فى الكون كذلك وهو يؤمن بالله دون أن يكون هذا الكون كفوا له ومماثلا . .

وايمانه هذا هو الايمان العلمى اليقينى وقد هداه الله اليه لطول جهاده فى سبيله . وفي مثل هذا يقول الله عز وجل : " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين " .

وهذا " ايرفنج وليام " أستاذ العلوم الطبيعية ص ٥٣ (٦) يقول : " والعلوم بحكم طبيعيتها المادية أعجز من أن تبحث عن الله بطرقها المادية ، أو ان تدرك كنه ذاته تعالى ولكن ملاحظة عجائب هذا الكون قد دعت كثيرا من علماء الفلك الامناء الى الاعتقاد بانه لا بد ان يكون لهذا الكون باتساعه الفسيح ونظامه المعجز مدبر لا نراه ولا نستطيع أن ندرك كنهه " .

وهذا لورنس كولتون ووكر استاذ علوم الغابات والنباتات يوضح لنا أن الانسان عاجز عن ادراك كنه المعجزات الآلهية التى تحصل في الغابات فكيف يريد أن يجحد وجود الله أو يتطلب ادراك كنهه يوضحه بقوله : " لكى يدرك الانسان روعة هذا العالم وما وراءه من الحكمة والتدبير لابد أن

يدرسه بدقة وان يتأمل ما يدوز فى الغابات والحقول عندئذ سوف يجد أن ما كان يعده طبيعيا ليس الا اعجازا آلهيا يعلو فوق مستوى البشر ، وتعجز العقول عن ادراك كنهه وهنا لا سبيل الا الى الايمان بالله وبقدرته وجلاله " .

وذكر آثار قدرة الله فيما تحتويه النباتات من هرمونات تقوم بأداء وظائف مختلفة فيها . ويختم كلمته العلمية العميقة بقولة فيلبس : " لقد ظهر الحق ، فمنذ بدأ الله عز وجل هذا الكون تتجلى آياته وقوته الخالدة في كل ما يقع عليه الحس أو يحيط به العقل " .

وافاض أيضا بكلمة علمية خالدة الاستاذ وولتر ادوارد لامبرنس ، في آثار الله تعالى فى عالم النبات ودلائلها على وجوده وصفاته العليا ، (وهو أستاذ علم الوراثة بجامعة كاليفورنيا ومدير الابحاث بحدائق ديسكانسو ) بها - فى الصفحة ٧٠ من كتاب : " الله يتجلى فى عصر العلم " .

وختم كلمته بقوله : " ومع ذلك فان دراسة الطبيعة لا تكشف لنا الا عن قدرة الخالق العظيم ونظامه المحكم رغم انها لا تستطيع أن تكشف لنا عن حكمته ومقصده ، وكما يقول بول : " اننا نبصر اليوم الحقائق من وراء حجاب وغدا عندما يكشف عنها الغطاء سوف نراها سافرة . اننا لا نعلم اليوم الا قليلا وغذا ينكشف لنا علم ما لم نكن نعلم . . ونلمس هذه الحقيقة المعجزة فى قوله تعالى : " كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون " .

وهذا جورج هربرت بلونت " استاذ الفيزياء التطبيقية وكبير المهندسين بجامعة كاليفورنيا يكشف من الوجهة العلمية المحضمه الصفات التى تليق بجلال خالق

العوالم الهائلة التى لم يحط العلم الانسانى بكنهها ، وصفات المخلوقين التى ألصقت بالخالق العظيم من جراء الاساطير والخرافات التى تسربت الى الكتب السماوية يكشفها بقوله فى ص ٨٠ (٧) : " لقد درس كثير من الباحثين الاسباب التى تجعل الناس يؤمنون ايمانا أعمى يقوم على التسليم لا على أساس المنطق والأقتناع ، وما يؤدى اليه هذا النوع من الايمان من أفكار متناقضة حول صفات الله (٨) وتدل الشواهد على أن هنالك نوعا من الاجماع بين الفلاسفة والمفكرين على أن لهذا الكون آلها ، ولكنه لا يوجد هنالك اتفاق على أن هذا الآله هو ذاته اله الكتب المقدسة " .

والواقع ان صفات الله العليا واسماءه الحسنى هى واحدة فى الكتب السماوية كافة ، ولولا التفسيرات الاسطورية والتأويلات المنحازة والزيادة والنقصان لما أخذت صفات الطاقات الكونية الروحية مكانها فى صميم صفات الله جل وعز . .

وهذه الصفات الكونية الدخيلة هى التى جعلت العلماء المفكرين يفكررون بالاديان السماوية ، ويضيفونها الى الأساطير ،

ويطلبون الايمان الصحيح الذي يطمئن اليه العقل فى واقع العلم اليقينى .

وهذا " دونالد روبرت كار " أستاذ الكيمياء الجيولوجية ص ٨٦ يكشف الفارق بين ايمان العلماء بالخالق العظيم الذى تليق نسبة خلق هذه العوالم الى قدرته ، وبين اله الكتاب المقدس الذى يعتمد على الايمان الروحى ليكون هو هو غيقول : " عندما يطلب الينا أن نبين الأسباب التى تدعونا الى الايمان بالله - عز وجل - نستطيع أن نجد فى بحوثنا العلمية ، ما يدعونا بقوة الى الايمان به . ولو انه ليس من الضرورى أن يكون هو نفس اله الكتاب المقدس . ثم نحاول بعد ذلك : أن نثبت ان هذا الاله - أى الذى اهتدينا اليه بالعلم - هو ذاته اله الكتاب المقدس . وهذا الامر يعتمد كثيرا على الايمان الروحى " أى التسليم للمنقول . .

والواقع ان وحي الله اليقينى فى الكتب السماوية كافة : تصف الخالق الحق بصفات الكمال التى تليق به علميا ، وتنزهه عن صفات النقص التى الصقها به الاسطوريون من الوثنيين والمشركين وهذا التوافق بين وحي الله والعلم اشار اليه دونالد فى قوله : " ويتجلى التوافق بين العلوم والدين في ذلك النشيد الدينى الذى استمع اليه تتغنى به الملايين في أمريكا ، والذي ربما كان تأليفه من وحي الكشوف العلمية الحديثة التى تمت فى السنوات الاخيرة وهذا النشيد :

" يالهى العظيم عندما انظر بعجب ورهبة الى كل العلوم التى صنعتها يداك وابصر النجوم واسمع هدير الرعد وزمجرته ، عندئذ تتجلى لى قوتك فى كل أرجاء الكون عندئذ تغنى روحى وتناجى الهى لكبير . ما أعظم ابداعك ، ما أعظم ابداعك " . .

وهذا " كلودها ناواى " مصمم العقل الإلكتروني ص ٨٠ (٩) بعد أن أدلى بأعمق الدلائل العلمية الحديثة على وجود الله عز وجل وخلقه للعوالم يختتم كلمته بما يليق به عز وجل من جليل الصفات فيقول : " انه هو الله اللطيف الخبير الذى لا تدركه الابصار " .

وهذا " جون أدولف بوهلر " الكيمائى المتخصص فى تركيب الاحماض الامينية والكشف عن الكوبك ص ٩٨ (١٠) أفهمنا أن أيماننا بالله الخالق العظيم كان بتعرفنا الى آثار قدرته المتجلية فى بدائع هذه العوالم المكونة من المادة والطاقة لا بتعرفنا الى كنه ذاته . وأفهمنا أن كثيرا من الأشياء فى الكون لم يصل العلم الى معرفة كنهها وذلك لا يتعارض مع الايمان بوجودها قال : " برغم أن هنالك كثيرا من الاشياء فى الطبيعة مما لم يصل الانسان ، بعد ، الى معرفة كنهه أو تفسيره ومما لا يزال الغموض يكتنفه ، فاننا لا نريد أن نقع فى نفس الخطأ الذى وقع فيه الأقدمون ، عندما اتخذوا آلهة لكى يجدوا تفسيرا لما غمض عليهم ، وحددوا لكل اله قدرته وعينوا له وظيفته ودائرة تخصصه . . وعندما تقدمت العلوم وأمكن فهم كثير من الظواهر الغامضة ومعرفة القوانين التى تخضع لها ، لم يعد هؤلاء الناس فى حاجة الى الآلهة التى اقاموها ، بل أن كثيرا من البشر انكروا وجود الله لنفس هذا السبب . والواجب ان نتلمس قدرة الله فى النظام الذى خلقه والقوانين . التى اخضع لها جميع الظواهر والأشياء ، فقد يستطيع الانسان أن يفسر ما كان غامضا عليه باكتشاف القوانين التى

تحكمها ، ولكن الانسان عاجز عن أن يسن تلك القوانين ، فهى من صنع الله وحده ولا يفعل الانسان اكثر من أنه يكتشفها ثم يستخدمها فى محاولة ادراك اسرار هذا الكون . وكل قانون يكتشفه الانسان يزيده قربا من الله ، وقدرة على ادراكه ، فتلك هى الآيات التى يتجلى بها الله علينا ، وقد لا تكون هذه هي طريقته الوحيدة فى هذا التجلي ، فهو يتجلى ايضا فى كتبه المقدسة مثلا ، ومع ذلك فان تجليه تعلى فى آياته التى نشاهدها فى هذا الكون تعتبر بالغة الاهمية بالنسبة لنا " .

وهذا " ألبرت ماكوب ونشتر " المتخصص في علم الاحياء والوراثة يكشف أن العلوم الحديثة قضت على اساطير النحل الوضعية التى تسربت الى العقائد الدينية الصحيحة بقوله : " لقد حل العلم اليوم محل كثير من الخرافات القديمة التى غالبا ماطغت على المعتقدات الدينية ، وأبدل بها حقائق رصينة تستند على المشاهدة والتجربة " . ويقول ايضا : " ان الانسان لا يستطيع أن يدرس أعمال أى صانع من الصناع دون أن يحيط بقدر من المعلومات عن الصانع الذى أبدع تلك الاعمال . وكذلك نجد اننا كلما تعمقنا فى دراسة أسرار هذا الكون وسكانه ازددنا معرفة بالخالق العظيم الذي أبدعه . . واذا كنا نريد أن ندعم ايماننا بالله فعلينا بمزيد من التعمق فى كشف الحقيقة : يقصد واقع الأيمان العلمي بالله عز وجل . البعيد عن الخرافات والاساطير . .

وهذا " واين أولت " المتخصص في الكيماء الجيولوجية ص ١٣١ يكشف أن الخالق العظيم جل وعز ما هو مادة أو طاقة أى ليس هو كائنا من كائنات الوجود حتى يوصف بصفاتها ويخضع لحكم التجربة

والعقل المحدود كالحلول للاشياء والتغير والحدوث وسوى ذلك مما هو من خصائص المادة والطاقة ، فيقول ص ١٣١ : " وقيام العقيدة بوجود الله على اساس علمى يقتضى أن يكون الانسان قد وصل الى فكرة وجود الله على اساس الطريقة العلمية التى تعتمد على الملاحظة وفرض الفروض واختبارها حتى يصل الانسان الى النتيجة التى يطمئن اليها . ولكنه لا يقوم على هذه الطريقة قياما مباشرا لان الله - عز وجل كما نعرفه ليس مادة أو طاقة كما انه ليس محدودا حتى نستطيع ان نخضعه لحكم التجربة والعقل المحدود ، بل على نقيض ذلك نجد التصديق به يقوم على أساس الايمان ولكنه ايمان يستمد تأييدا علميا من الدلائل غير المباشرة التى تشير الى وجود سبب أول ، ودافع مستمر منذ القدم " .

وذكر " واين " ان هناك كثيرا من الكائنات لا سبيل الى ادراك ذواتها ولا ترى ومع ذلك يعلمون وجودها بآثارها .

" والعلماء يسلمون بصحة بعض المفروض المقبول والتى ليس هنالك سبيل الى ادراكها ادراكا حسيا ، فليس هنالك من يستطيع أن يدعى انه رأى البروتون أو الالكترون ولكن العلماء يلمسون آثارها ويؤمنون كذلك بوجودها . .

وهذا " سيسل هامان " : العالم اليبولوجى . . يوضح في ص ١٤١ ان العلم المادى هو الذي هداه الى الايمان بالخالق العظيم الحق ، وليس ما كان يتلقى من ثقافة دينية بقوله :

" اينما اتجهت ببصرى فى دنيا العلوم ، رايت الادلة على التصميم والابداع ، على القانون والنظام على وجود الخالق الاعلى . .

" نعم اننى أعتقد بوجود الله عز وجل واعتقد انه القدير الذي خلق الكون وحفظه ، وليس ذلك فحسب . بل هو الذي يرعى

درة خلقه : وهو الانسان . .

" ولا يرجع هذا الاعتقاد الراسخ الذى يمتلىء به قلبي الى تأثير الثقافة الامريكية الدينية على فحسب ولكنه يرجع ايضا الى مشاهداتى العلمية لعجائب الكون كما يرجع الى شعورى واحساسي بوجوده داخل نفسي " .

ويفرق سيسل لنا بين معرفة كنه الذات ومعرفة آثارها فيقول : " ان وجود قدرة الله في حياتى اليومية ، حقيقة لا مراء فيها ، حقيقة أقوى من الحقائق العلمية التى لا يتسرب اليها الشك ، ومع ذلك فاننا بينما نستطيع أن نصف النجوم ونخفض مداراتها فى السماء أن نثبت الاميبا على شريحة من الزجاج ثم نصورها ، نجد أننا لا نستطيع أن نحصل على مثل هذا الدليل المادى حول وجود الله .

وهذا الذى قاله سيسل حق لأن الله عز وجل يعرف العالم صفات ذاته بآثارها التى يدرسها فى مختبراته ويستحيل أن تخضع ذاته عز وجل لسلطة المختبر حتى يستطيع العلم أن يعرف كنهها . هذه المعرفة - معرفة كنه الذات - مستحيلة بعدد الكائنات الكبرى المترامية فى أبعاد الفضاء الواسع . بل مستحيلة بعدد ذراتها المادية وطاقاتها الروحية . لان كل ذرة وكل طاقة تصرخ من أعماقها في صميم تكوينها : تنزه خالقى المتصرف فى كيانى ايجادا واعداما والمهمين على أعمالى أن تكون ذاته مثل ذواتنا خاضعة للحلول فى المختبر ، ولو كان المختبر اكبر من السموات والأرض . تعالى الله علوا كبيرا .

وما اكرم هذه الجملة التى ختم بها سيسل كلمته ص ١٤١ : " نعم اننى أؤمن بالله رب هذا الكون وربى كما أرى قدرته فى نفسى ، وفى كل ما حولى " . . والحمدلله رب العالمين .

وهذا " أندرو كونواى ايفي " استاذ الفسيولوجيا ورئيس قسم العلوم الكلينيكية بكلية الطب بجامعة شيكاغو يقول : " ان الاعتقاد بوجود الله عز وجل هو الوسيلة الفكرية الكاملة الوحيدة التى تجعل لهذا الوجود معنى . وهذا الاعتقاد هو الذي يجعل لوجود الانسان معنى أكثر من انه مجرد كتلة من المادة والطاقة " .

ثم يكشف خطا الملاحدة العلمى حيث لم يفرقوا بين البرهان الذي يدل بالذات على الذات لاثبات وجودها كعنصر الأكسجين الذى يستدل به عليه . والبرهان الذي يدل بأثر الذات على الذات كقطع الحديد التى يشدها المغناطيس اليه لتدل على وجوده . فيقول :

" والبرهان الذي يطلبه الملحدون لاثبات وجود الله . هو نفس البرهان الذي يطلب كما لو كان الله تعالى شبيها بالانسان أو شيئا ماديا أو حتى تمثالا من التماثيل أو صنما من الأصنام . ولو كان الله مثل أشياء هذا الوجود المادى لما وجد هنالك مجال للشك فى وجوده " . .

لانه حينئذ يكون خاضعا لسلطة المختبر وآلاته وعلمائه . . وهل يصح فى العلم اليقينى ، ان يكون خالق هذه العوالم الكبرى المترامية في أبعادها السحيقة ، خاضعا لمختبر فى ارضنا هذه التى نسكنها ، وهى لا يزيد حجمها عن حبة رمل بالنسبة لحجم العوالم الاخرى امثالها .

ولكن ليس معنى عدم خضوع ذاته عز وجل للمختبرات العلمية ان لا تخضع آثاره التى هى العوالم لذلك ، اجل تخضع ومن هنا كان البرهان العلمى اليقينى الدال على وجود ذاته عز وجل . .

وخالق العوالم هو الذي سخر العوالم لذلك :

" وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم  يتفكرون " ٤٥-١٣ ،

وهو الذى أمرنا بالنظر فيها :

" قل انظروا ماذا فى السموات والارض . . " ١٠ _ ١٠١

" وقل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق . . " ٢٩-٢٠

وهل يستطيع الانسان أن ينظر ما في السموات والأرض ، الا بنظر العلم الباحث الدقيق المنقب الكاشف وكذلك أن ينظر الى كيفية بدء خلق الكائنات .

ومن هنا ندرك فضل العلماء المحدثين الذين يطلبون منا أن نطرح الهة الاساطير ونسبة خلق العوالم اليها ، ونؤمن بالله الخالق العظيم الايمان الذى كشفه العلم بعد كشف العوالم ومحاولة معرفة كيفية بدء خلقها . الايمان المبنى على العلم والفكر والذكاء والوعى والمقارنة . .

وهذا ما أعلنه في ص ١٤٦ أندرو كونواى حيث يقول : " فأنا لا استطيع أن املك الايمان والآمل والمحبة الا اذا كانت كلها قائمة على أساس العقل ، ولا يجوز للانسان أن يتخلى عن عقله . بل لابد من استخدامه استخداما قويا دقيقا ، والايمان الذى لا يسبقه العقل يعتبر ايمانا ضعيفا هزيلا ويكون عرضة . للهجمات الفتاكة والهزيمة الساحقة " .

والايمان الديني الذي لا يقوم على العقل يؤدى الى الاخلاق السيئة والسلوك الشائن .

وكذلك يبنغى أو لا يتخل الانسان عن عقله أبدا ، ولا عن المبادئ العلمية التى تقوم عليها الاعمال والافكار التى يستخدمها الناس في خياتهم اليوم اليومية ، والتي يقوم عليها جميع ما احرز علماؤنا من انتصارات

فى الميادين العلمية .

ويقول فى صفات الكمال التى تليق حقا بالخالق العظيم جل جلاله من الوجهة العلمية : " لقد درست صفات الله دراسة مطولة على اساس المنطق الذى قام به الفلاسفة وأمكن استخدام المنطق للوصول الى أن لله صفات معينة .

" وفيما يلى مجموعة غير كاملة ، منها : الله أبدى خالد لطيف ليس حادثا قدوس عليم حق محب منزه عن النقائص " .

وأخيرا ينقل عن العالم الطبيعى الذى فتح الطريق الى أسرار الذرة " ماكس بلانك " " ان الدين والعلوم الطبيعية يقاتلان معا في معركة مشتركة ضد الشك والجحود والخرافات ولقد كانت الصيحة الجامعة فى هذه الحرب ، وسوف تكون دائما : الى الله " .

والآن ادرك شبابنا المثقفون ثقافة حديثة ان دعوى أن الايمان بالله الخالق الحق لا يكون علميا الا بعد معرفة كنه ذاته هى الحماقة التى أعيت من يداويها والجهل الذى يبدو في ثوب العلم .

ولو كانت هذه الدعوى لها نسبة الى العلم ، لكانت آلهة الهند من اناس وحيوانات وجمادات هى الالهة العلمية الحقة ، لأن ذواتها معروفة الكنه " للمختبرات العلمية "

وحينئذ تكون هذه العوالم الهائلة المتناثرة فى ابعاد الفضاء الشاسعة هى من صنع الطاقة الروحية التى تدعى كل جماعة انها حلت فيما اتخذت من اله ، منه .

قد تكون هذه الاساطير واشباهها مقبولة لدى البشر القدماء الذين كانوا يعتقدون ان الأرض يحملها ثور على صخرة ، تلك الصخرة فى بحر قد يكون هو البحر الابيض المتوسط أو المحيط الهندى أو سواه . وانتهى الامر .

اشترك في نشرتنا البريدية