بحث ديني علمي عميق الاسلوب مشرق الديباجة مركز العرض كنة ذات الخالق العظيم عز وجل
فضيلة الشيخ هاشم دفتردار احد علمائنا الاجلة الذين امتازوا بغزارة العلم ، وقوة الحجة ، وعمق الفكر ، وسلاسة الاسلوب ، وجمال البيان . . وفي مقاله هذا - الكتاب - يحدث قراءنا حديثا رائعا عظيما قويا عن هذا الموضوع الديني العظيم باسلوب عميق مبسط جذاب . .
" الحلقة الثانية ٣-استحالة معرفة كنة ذات الخالق العظيم في واقع الوحى اليقينى العلم غير الظن:-
من أول يوم أفهمنا وحي الله اليقينى ان . العلم غير الظن ، وان الصدق غير الكذب ، وأفهمنا أن الذين يتبعون الظنون والتخرصات هم الذين اتخذوا لأنفسهم آلهة من أفراد الكائنات من دون الخالق العظيم وهم اكثر البشر .
" وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون " ١٢-١٠٦
" وان تطع اكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ، ان يتبعون الا الظن ، وان هم الا يخرصون " ٦-١١٦ ،
أجل وأفهمنا ان اتخاذهم لها لم يكن طريق العلم بل من طريق الظن ،
"ان هي الا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم ، ما انزل الله بها من سلطان، ان يتبعون الا الظن وما تهوى الأنفس ، ولقد (جاءهم من ربهم الهدى "( ٥٣
وما لهم به من علم ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا " ٥٣-٢٨ ،
وهذا الظن يبدو في تشابه الآلهة المتخذة من أفراد الكائنات ولا تفاضل بينها الا في تقاليد أهلها وأساطيرهم واشباح مخاوفها المستكنة في اعصابهم وخوارقها المتداولة بينهم المخترعة التى تربو وتتكاثر على تداول الحقب..
فهؤلاء يعبدون الأحجار المنحوتة وغير
المنحوتة وأولئك يعبدون الشمس والكواكب وآخرون يعبدون أمثالهم وكثيرا من الحيوان وهناك جماعات آثروا عبادة الملائكة والجن والأرواح العامة والخاصة والأبالسة وكل ذلك تجده في نصوص الوحى الآتية:-
١-ما جاء في الآلهة المتخذة من الشمس والقمر والكواكب:
"ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر . لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن ان كنتم اياه تعبدون " ٤١-٣٨ .
٢-ما جاء في الآلهة المتخذة من البشر والملائكة:-
"ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ، ولكن كونوا ربانيين بما (كنتم تعلمون الكتاب وبماكنتم تدرسون ( ٧٩ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، أيامركم بالكفر بعد اذ انتم مسلمون " ٣-٨٠
"فحشر فنادي فقال أنا ربكم الأعلى " ٤٢ سورة النازعات.
٣-ما جاء في الآلهة المتخذة من الأحجار
"أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ٥٣-٢٠
"وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم . قالوا يا موسى اجعل لنا آلها كما لهم آلهة . قال انكم قوم تجهلون ( ١٣٨) ان هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ( ١٣٩ ) قال اغير الله ابغيكم آلها هو فضلكم على العالمين
" واتل عليهم نبأ ابراهيم (٦٩ ) اذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (٧٠ ) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين " ٧١-٢٦ .
"انما تعبدون من دون الله اوثانا وتخلقون افكا ان الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له اليه ترجعون " ٢٩-١٨
"فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور " ٢٢-٣٠
ولست هنا في مجال استقصاء آيات الوحى اليقينية التى وردت في ذكر الآلهة المتخذة من شتى أفراد الكائنات ، وما سطره العلماء الاعلام حولها . . فالمؤلفات المخطوطة والمطبوعة وافرة جدا . وهى محبوسة في المكاتب العامة والخاصة : للدارسين المفكرين الذين يجاهدون في كشف واقع العلم والحق والصدق بكل ما يملكون من طاقات . لذلك اكتفيت بما ذكرت
ولكى يستوعب القراء اتجاه ما بقي من الآيات فليجعلوا نصب أعينهم هذه الآيات الكلية التى هى القاعدة الاصيلة فى هذا الموضوع غير ملتفتين ، الى جزئيات الأرباب المتخذة من دون الله تعالى:
"قل ان صلاتي ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ، قل اغير الله أبغي ربا وهو رب كل شئ " ٦-١٦٤
"وجعلوا له من عباده جزءا. ان الانسان لكفور مبين " ٤٣-١٥
"(قل الله أعبد مخلصا له ديني ( ١٤ فاعبدوا ما شئتم من دونه " ٣٩-١٥
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة " ١٦-٣٦
وابراهيم اذ قال لقومه اعبدوا الله وحده واتقوه ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون " ٢٩-١٦
ان الذين تدعون من دون الله عبادا امثالكم " ٧-١٩٤
وهذا النداء الذى وجهه الله الى خاتم رسله محمد صلوات الله وسلامه عليه وأمره أن يوجهه الى الناس كافة لكى يطرحوا عبادة المخلوقات ويتوجهوا بالعبادة والتأليه الى الخالق العظيم وحده:
"قل يا أيها الناس ان كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ، ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم وأمرت ان أكون من المؤمنين (١١٤) وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين(١١٥) ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك . فان فعلت فانك اذن من الظالمين " ١٠-١٠٦
يكفى أن نفهم أن الفارق كبير جدا بين الخالق ومخلوقاته . فالخالق غير خاضع لإرادة الانسان وعلمه ، تقديراته ، والمخلوقات خاضعة ومسخرة . وهذا ظاهر فى قوله تعالى : " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .٤٥-١٣
وقوله تعالى : " ألم تروا ان الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا كتاب منير " ٣١-٢٠
وهكذا نجد الذين يعبدون المخلوقات هم يعبدونها بغير علم وهدى لأنهم يعبدون أمثالهم بل هم يفوقونها لأنها مسخرة لعلمهم وارادتهم ، ومهما كبرت في الخلق والعظمة
فالله أكبر وأعظم وأحق بالعبادة واجدر.
والسبب الذي جعلهم يسقطون في تأليهها وعبادتها هذا السقوط المزري بشرف الفكر والعلم والانسانية محصور في ظنهم أن الموجود في الواقع هو الذى يرونه ويعلمون حقيقة ذاته. والذي لا يرونه ولا يعلمون حقيقة ذاته فليس بموجود
ورفع اعتناقهم لهذه الظنون تداول الحقب وتقلب الأجيال الى يقين العلم المسلم به.
وهذا هو داء العقلية البدائية المزمن وعدواه في الأجيال ذريع مستطير . وكان كلما عالجه رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم ، وأبلت منه الشعوب ، وصح ايمانهم بالله الخالق العظيم الحق ، وطهرت عبادتهم له من كل أوبئة الوثنية والاشراك عاودتهم وانتكست بهم الى حال أردى من الحال السابقة: تضخم أوهام وتفاقم شرور،ورصد غلو ، وتنسكا مفتعلا للاستغلال والربح
وانا نجد خاتم الكتب السماوية - القران المجيد شخص هذا الداء العضال ، بألوان من البيان المعجز ، لدى سرد قصص الأنبياء وما جرى لهم مع شعوبهم
وقد كشف بواعثه وأعراضه ، من تعطيل للفكر.وايمان بالتقليد ومقاومة للحرية ، وكراهية للحق وجحود لدلائله وظمأ الى الدنيا وسلطانها ، ومتعها الزائلة .
ويكفى في هذا الموقف ، ان نعرض ما جرى لأبى الأنبياء سيدنا ابراهيم الخليل مع قومه ، حين أخذ يطبب وهن عقولهم التى اتخذت آلهة من أفراد الكائنات ، ويوقظ وعيهم الخامد الى أن في أفراد الكائنات ما هو أكبر وأقوى وأوجه وانفع وأخلق بالتأليه والعبادة والضراعة مما اتخذوا ما دام الدين
في واقع معارفهم وأعمالهم هو : " عبادة مخلوق لمخلوق مثله.
أجل اجتهد سيدنا ابراهيم الخليل عليه السلام أن يوقظ وعيهم الخامد ، وتفكيرهم المعطل الى الايمان العلمي الصحيح بالتجربة والمشاهدة المحسوسة التى يبنى عليها كل علم يقيني . . ولكن أعمتهم ظنون التقاليد وخرافاتها التى حلت محل يقين العلم ، ولا أدرى كيف تتفاقم ظنون التقاليد ، وأشباح خرافاتها الى حد تعطل تعطيل الموت بكل استهتار وعناد وقسوة ، حقائق العلم ، ومشاهد الواقع ، ومدركات الفكر وحريات العقيدة وشرف الانسان المتحضر .
واليك بعض الآيات المعجزة التى وردت في صدد قصة سيدنا ابراهيم عليه السلام:
واذ قال ابراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة اني اراك وقومك في ضلال مبين ( ٧٤ ) وكذلك نرى ابراهيم ملكوت (السموات والأرض وليكون من الموقنين (٧٥ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ، قال هذا ربي فلما أقل قال لا أحب الآفلين ( ٧٦ ) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أقل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين (٧٧)فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي . هذا اكبر ، فلما أفلت قال يا قوم اني برئ مما تشركون (٧٨ ) اني وجهت وجهى للذى قطر السموات والأرض حنيفا وما انا من المشركين " ٦-٧٩ ،
فانظر اليه - عليه السلام - كيف أرشدهم الى توجيه مجموعاتهم النفسية الى طلب الواقع اليقيني ، وطرح الأوهام والظنون ، وان تسلحت بالتقاليد الراسخة
وطمأنينة الجماهير المستسلمة ومصالح العيش المتحكمة.
واذا كنت من الذين يطلبون سعة المعرفة فاتل سورة يوسف أو هود أو الانبياء أو القصص او سواهن من السور التى تشتمل على نواح من قصص الانبياء حول الدعوة الى الايمان . . فانك تلمس الحقيقة التى أضلها أكثر الناس في مجاهل الظنون والاوهام .
وما أشبه طلب العلم بكنه ذات الخالق العظيم بادعاء العلم به كلاهما زيغ وجهل وكفر
كيف يدعى مخلوق أنه أحاط علما بكنه ذات الخالق العظيم أوكيف يطلب ذلك . . والله عز وجل يقول في محكم وحيه اليقينى "يعلم ما بين أيديهم ، وما خلفهم ولا يحيطون به علما " ويقول : " ليس كمثله شئ وهو السميع البصير " . " قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولو يولد ، ولم يكن له كفوا أحد".
يا هؤلاء انا نؤمن بوجود الله عز وجل لقيام العلم اليقيني في شواهد آثاره ، دون أن نلحد في كنه ذاته وصفاته ، ودون أن نعطل أو نؤول . . فما اثبته فى محكم وحيه اليقينى لنفسه أثبتناه ، و ما نفاه عن نفسه نفيناه. لأن وجود الله عز وجل هو واقع العلم ، ولأن عدم الاحاطة بكنه ذاته هو واقع العلم أيضا ، فهو وحده خالق العوالم كافة ، والمتصرف فيها كافة . كما يشاء لا معقب لحكمه وليس له من ظهير أو ند أو شريك أو مثيل وما أتقن من مصنوعات في محيط الوجود مهما سمت وعظمت ودقت فلن تكون عين ذاته أو نده أو مثيله حتى تستحق الألوهية ومشاركته في فريضة العبادة لها أيضا.
وكم من ظلم ارتكبه الذين جعلوا بين ذات الخلق العظيم وصفاته نسبا موصولا فى المشابهة بعوالم الطاقات الروحية الخفية من الملائكة والجن وسواهم . الذين ألهوهم وعبدوهم ، ولو علم هؤلاء المؤلهون العابدون ان هذه الطاقات الروحية الخفية ستحضر للحساب بين يدى الخالق العظيم كما يحضرون ، وانه سبحانه وتعالى منزه عن أن تكون صفاته مثل صفاتها ، لعدلوا عن تأليهها وعبادتها ولما وصفوه بها : " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ، ولقد علمت الجنة انهم لمحضرون ، سبحان الله عما يصفون " ٢٧-١٥٩
وهل تسربت العقائد الوثنية والاشراك الى صميم العقائد السماوية الصحيحة الا من جراء نسبة المثليه والمشابهة فى ذات الله وصفاته وأفعاله ، بذوات مخلوقاته وصفاته وأفعالها.
لاريب فى ان الذين يعلنون انهم يعلمون حقيقة ذات الله وصفاته هم الذين يحكمون عليها بالمثلية والمشابهة لذوات الحوادث وصفاتها اى الذين يزعمون ان ذات الله ، هى كائن من كائنات الطاقة ، أو كائن من كائنات المادة ويزعمون بالتالي ان صفاتها هى صفات الكائن الحادث الذي اختاروه وألهوه وعبدوه بحكم العقائد المتوارثة وأشباحها المتغلغلة فى أعماق أعصابهم سواء أرادوا او لم يريدوا . . ما نامت أوضاع مجتمعهم وتقاليده ومعايشه وثقافته تركزت على ذلك . والعلماء الذين لم يطرحوا الظنون وأساطيرها جانبا ولم يتسلحوا بسلاح العلم اليقينى ، والوحى اليقني . . ولم يتعمقوا دراسة المحكم والمتشابه ، والمطلق والمقيد
والناسخ والمنسوخ والعام والخاص في وحي الله، ولم يميزوا بين وحي الله اليقينى وبين خرافات المخرفين ودسائس الدساسين فانهم لابد ان يقعوا فى أحد امرين:-
١-أمافى أعاصير مذاهب الفلاسفة المختلفية..
٢- واما في مهاوى الوثنية والاشراك . وقد ورد ذكر الفريقين فى وحى الله اليقينى
الفريق الاول-:
هم الذين اكبروا عقولهم ومعارفهم ، عن أن تذعن لهذه الآلهة التى اتخذها اهل النحل الوضعية من أفراد الكائنات ورفضوا أن يصدقوا أن آلها من تلك الآلهة أو جميعها -سواء أكان من عوالم الطاقات ، أم من عوالم المواد - انها هي التى خلقت العوالم وأدعتها بعلمها واراداتها وقدرتها وانها بها مستمرة على القيام بأعمالها وتطوراتها حسب سننها العامة والخاصة فى مراكز من الفضاء . كما رفضوا التظاهر بالايمان بما عليه أهل النحل الوضعية . . وعقولهم ومعارفهم فى يقين من بطلانها خشية أن يضيفوا إلى انفسهم التدليس فى العلم والنفاق فى القول والعمل وأخذوا يخترعون أسبابا الحادية لخلق الكائنات حسب ما تصل اليه معارفهم وتطمئن له عقولهم واهواؤهم . . ولم يلتقوا بمن يكشفون لهم واقع الايمان العلمى الصحيح ، كما أنزله الله فى منبعه الاول سماويا صافيا غير مختلط بشوائب الاهواء الأرضية الضيقة وتأويلاتها المنبعثة عن تباين نعرات النحل والمغالاة في الحب أو البغض ، وما يكون من جراء ذلك من زيادة او نقصان
تدليس وكيد ودس وافتراء ، كما انهم من أنفسهم لم يبحثوا عن ذلك ولم يهتموا به .
ومن أجل ذلك كانت تبعتهم لا تقل عن تبعة العابثين الاول الذين دسوا الخرافات فى واقع وحي السماء لعلل ونزوات رعناء ضيقة لانهم الحل علم وفلسفة وفكر وفى امكانهم كشف الحقيقة لو جاهدوا لها بدلا من طمسها بالالحاد والانتصار له ، وتأليه أهوائهم والركون الى غرورهم وكبريائهم. وفى هؤلاء الناس وامثالهم قال الله عز جل:
"أفرأيت من اتخذ الهه هواه وأضله الله على علم ، وختم على سمعه وقلبه . " ٤٥-٢٢ وقوله تعالى وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا الا الدهر وما لهم بذلك من علم ان هم الايظنون " ٤٥-٢٤ وقوله تعالى:
"ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه سيجزون ما كانوا يعملون " ٧-١٧٩ .
وقوله تعالى:
"ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن " ٢٣-٧٣
الفريق الثاني:-
هم الذين يؤمنون بوجود الخالق العظيم ، وهم قسمان:
١- قسم جعلوه هو بالذات شيئا من أفرد الكائنات : من طاقة روحية محضة كلية او جزئية ، او طاقة روحية تحل فى جسم عادى من حيوان أونبات أو جماد حسب تصوراتهم وتقاليدهم ، وما وضعوا لذلك
ومن هؤلاء من جعلوا له من هذه الاشياء ندا وشريكا له حق العبادة والضراعة ، والقدرة على قضاء الحاجات والغفران والاحياء والاماتة والخلق.
وايمان هذا الفريق بقسميه هو الايمان التقليدى البدائى ، للتغلغل فى اعماق المجموعة النفسية موجها فعالا بحكم سلطان الوراثة ، وبحكم تأثيره على ايحاءات العقل الباطنى وانبثاقات العلم ، وقد تصل انفعالات كل ذلك فى الاعصاب الى حد الرعونة الباطشة ورفض واقع التطور العلمي وحقائقه ، ولو طار الى المريخ لقالوا انما سكرت ابصارنا.
والذى دفع الناس قديما الى تأليه الطاقات الروحية على اختلافها هو مشاهدتهم آثار قدرة الله فى الاكوان القريبة التى امكن معرفتها ، معرفة سطحية بدائية فلم يجدوا لها تفسيروا لوجودها واعمالها المدهشة يطمئنون اليه سوى تأليهها وعبادتها .
ومن هنا جاءت الالهة المتخذة من افراد الكائنات متعددة ومن عوالم مختلفة ضرورة تعدد افراد الكائنات واختلاف عوالمها .
ألا ترى قريشا كيف اتهموا رسول الله بالسحر والافتراء وانكروا عليه أن يكون الخالق العظيم واحدا ، بل أصروا على التعدد وما ذلك الا نتيجة تعدد الكائنات وتعدد الالهة المتخذة منها ، وبمقتضى التشابه الفكرى الانساني وتطوراته نجد ما كان فى الامة العربية كان في سواها شرقا وغربنا ، وقد جاء بيان كل ذلك فى القرآن المعجز ، تأمل الآيات الآتية:-
الكافرون هذا ساحر كذاب (٤) اجعل الالهة الها واحدا ان هذا لشئ عجاب ( ٥ ) وانطلق الملأ منهم ان امشوا واصبروا على آلهتكم ان هذا لشئ يراد (٦ ) ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة ان هذا الا اختلاق " ٣٨-٧ .
وهذا ما كان من ارشاد سيدنا يوسف حين كان فى السجن:-
"يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (٤٠ ) ما تعبدون من دونه الا اسماء سميتموها انتم وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان ، ان الحكم الا لله امر أن لا تعبدوا الا اياه ذلك الدين القيم ، ولكن اكثر الناس لا يعلمون " ١٢-٤١
والخلاصة ان الذى اضاع واقع الايمان اليقينى الذى أوحاه الله فى كتبه السماوية الى رسله جميعا هم صنفان من اللبشر:-
١-الذين يكذبون على الله بالزيادة او النقصان فى وحيه سواء أكان الباعث لهم المغالاة في الحب أم المغالاة فى البغض
٢-والذين يكذبون بوحى الله جملة ويرونه بعض الاساطير ويلحدون ،
فى حق الفريقين معا نزلت الآيات قال الله عز وجل:-
"فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا . أو كذب بآياته " ٧-٣٧ وقال ايضا:
فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ، انه لا يفلح المجرمون " ١٠-١٧
"ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا او كذب بالحق لما جاءه " ٢٩-٦٨
وكم لاقى رسل الله عليهم الصلاة والسلام فى توجيه هؤلاء واولئك الى الايمان اليقينى الصحيح بالخالق العظيم ، وتحرير العبادة له وحده - من آلام فادحة وألوان من الاذى شاقة تنوء بحملها الجبال..
ويسعدنى فى نهاية هذه الكلمة ان أنقل الى المطالعين خلاصتها الماثلة من كلمة الامام الجليل محمد بن ادريس الشافعي رضوان الله عليه:-
" من انتهض لطلب مدبره عز وجل : فان اطمأن الى موجود ينتهى اليه فكره فهو مشبه ، وان اطمأن الى نفى محض فهو معطل . . وان اطمأن الى موجود واعترف بالعجز عن ادراك كنهه فهو موحد.."
