كنه ذات الخالق عز وجل
بحث دينى علمى عميق الاسلوب مشرق الديباجة مركز العرض
فضيلة الشيخ هاشم دفتردار أحد علمائنا الاجلة الذين امتازوا بغزارة العلم ، وقوة الحجة ، وعمق الفكر ، وسلاسة الاسلوب ، وجمال البيان . . وفى مقاله هذا - الكتاب - يحدث قراءنا حديثا رائعا عظيما قويا عن هذا الموضوع الديني العظيم باسلوب عميق مبسط جذاب . .
١ - قيمة الموضوع .
٢ - حكم الذين يقولون لا نؤمن بوجود الله حتى نعلم حقيقة ذاته ونراها
٧ استحالة معرفة كنه ذات الخالق العظيم في واقع الوحى اليقينى .
٤ - استحالة معرفة كنه ذات الخالق العظيم في واقع العلم اليقينى .
٥ - آثار الذات تدل على وحيدها وصفاتها ، ولا تداء على حقيقتها .
٦ - دلنا آيات الوح التى وردت حول وجود الله وعجائب قدرته .
٧ - دلائل علماء الطبيعة حول وجود الله وعجائب قدرته .
١ - قيمة الموضوع :
سبق أن مر فى بحثى : " من أثر التطورات العلمية الحديثة في عالمى الذرة والالكتروون " سؤال عن حكم الذين يقولون : " لا نؤمن بوجود الله حتى نعلم حقيقة ذاته ،
وقد تعمدت ارجاء الجواب عنه في مقال خاص به لعمقه وسعته . وكم ورد على ، نظير هذا السؤال فى مواطن علمية كثيرة ، وأجبت بما تفضل الله به ، وكان فيه الرضا والاقناع والحمد لله . ولأ أزال أذكر ان حدثا غرا في المعرفة
وأصول البحث العلمي وان كان فسيح العمر - قد تجاوز العقد الخامس . ضخم الجثة ، يكاد يتفقأ شحما ولحما . قال ورعونة التحدى المعاند تقطب ما بين عينيه بزرقة الجحيم ، ونشوزها المرعب :
" أريد أن أعلم كنه الذات الالهية ، هل هى قديمة أو حادثة ؟ ! وهل هى فى مكان او خالية من المكان ؟ ! لأشيد ايمانى على يقين العلم ، لا على وهم الظن والخرافة " .
وأجبته فى أسبوع وايام ثلاثة . وكان الجواب يستنفد الهزيع الاول من كل ليلة من ليالي تلكم الايام .
وفى هذه الكلمة اجمل ما أجبت به مؤثرا الوضوح والسهولة لكيلا يرتاب شبابنا المثقفون ثقافة حديثة ، الذين تتلجلج فى صدورهم امثال هذه الشبه وهم يحسبون ان لا جواب لها ، فيسقطون فى الالحاد ، او الاستهتار ، من حيث يعلمون أو لا يعلمون . .
والحق ان السؤال : عن حقيقة الذات الالهية وعن وجودها ، كلاهما لا يصدران عن فحول العلماء الذين هم شموس المعارف المبتكرة فى كل جيل ، وهداته الى الايمان والحق والرشد . .
ويا حسرتى كم أجدنى اذوب حياء من الله عز وجل حين اوجه امثال هذه الاسئلة وجهتها العلمية الصحيحة ، فى دلائل نصوص الوحى اليقينى : اذ يستحيل ان يكون شىء من العلم اليقينى ، يناقض وحى الله اليقينى : ما ذام خلقه ، وما دام الوحى وحيه حقا وصدقا . .
ولولا جهل الدارسين الشطريين بيقين العلم والوحى معا ، وانخداعهم بأوهام الظنون والتقاليد والمفتريات التى تندس حولهما ) ١ ( لما استطارت الشبهات وعمت وطمت . والذي روجها فى نفوس الشباب ، هؤلاء استعار النزوات هذا الاستعار الجنونى الذى اعمى الابصار والبصائر وحول بواعث غريزة الايمان الى حيازة المال للوصول الى متع النزوات الجنسية ، وانحلت اراداتهم عن الاخذ بتوجيهات وحى الله العملية
الخيرة ، وتحولت الى ايماءات برؤوسهم وتمتمات على ألسنتهم وحركات جوفاء خالية من الرشد والهدى والروح والنور والحق . . وأقول بصراحة : لو لم يكن كتمان حقائق وحى الله عن السائلين ، يوجب مقت الله وسخطه ، ويكثر سواد الملحدين المستهترين بمثل الانسانية العليا ، والاعراض عنها لعزلت يراعى عن الناس كما عزلت نفسى ، وأعلنت الصوم . . !
ويل لهم ها هى ذى العوالم كافة سواء أكانت من المادة أو الطاقة ، وسواء أكانت عاقلة أو غير عاقلة - ما تفتأ مدومة بتقديس جلال الله ، وتنزيه خلقها عن سواه : مما يتخذون من آلهة من افراد الكائنات .
وفي تقديمها وتنزيهها هذين ، آيات بينات للسامعين المبصرين أهل المعرفة والايمان الذين يعلمون ويعملون .
وهل يمكن ان يوجد كاثن ما ! - بكل ما يشتمل عليه تكوينه من علم ماثل فيه ، وارادة رائعة فى تصميمه وقدرة فى صنعه بدون موجد عالم مريد قادر .
١ - وعلم من ! - اذا لم يكن علم الموجد العليم - هذا الذى يقوم عليه ابداع العوالم الكونية بموجب تخطيطه : على عجائب صنعها وغرائب تركيبها - العلم الذى يكتشف العلماء منه ما يكتشفون ، ويزيدون به معارفهم على تتابع الاجيال ، وينسخون به ظنون الجاهلين وأوهامهم وخرافاتهم في ذات الله وصفاته ، وفى رسله وكتبه وفى اليوم الآخر ، وفى حقائق تكوين الكائنات . . .
٢ - وارادة من ؟ ! - إذا لم تكن ارادة الموجد المريد - هذه التى خصصت لكل كائن من كائنات الطاقة او لكل كائن من
كائنات المادة خصائص تصميمه ودقائق تكوينه المتجلية فى أفانين تركيبه ومدهشات تنسيقه ، بكل ما يعجز التحدى واحاطة المعرفة .
٣ - وقدرة من ! ؟ إذا لم تكن قدرة الموجد القادر - هذه التى خلقت الأكوان بعد أن لم تكن واظهرتها وامدتها وتمدها باستمرار البقاء وأدواره واطواره بكل ما تشتمل عليه من امكانات ووظائف وأعمال مدهشة . أبعد من المدى الذى يمكن ان يبلغه اهل العلم المتفوقون فى كل العوالم . . الى نهاياته المحترمة . .
وما عسى ان يقول مخلوق ضعيف ضئيل مثلى - فى حق خالقه القوى الكبير - دنياه التى يعيش بها - هو وامثاله اتربة الارض ذوو الاعمار القصيرة - هى نفسها على اتساعها وضخامتها لا تزيد عليه فتيلا . .
أنى تزيد ؟ ! ! وهى لا تعدو حجم البعوضة فعلا ، بالنسبة الى اجرام الفضاء الهائلة : البعيدة القريبة فى عيون مراصده ، بل وما عسى أن يقول اهل العوالم العاقلة كافة فى ذلك - لا شىء لا شىء - سوى التسبيح والتقديس ، والاعتراف بالعجز والتقصير
يا الله وهل العوالم كافة الا ذرة ، أو دونها فى ظاهر العلم بجلال القدرة الالهية . فما حالها بواقعها فى باطن العلم .
أرأيتم - سادتى - لماذا يداخلنى الحياء ؟ ! حين أجيب على أمثال هذه الاسئلة .
بالله عليكم ، فكروا وتأملوا وقولوا بلسان العلم : " ما يصنع اهل العوالم كافة . . حتى لو وهب الله كل فرد منهم بالذات كل ما وهبهم اياه مجتمعين : من امكانات ومعارف وفنون وذكاء . . ما يصنعون ، بالنسبة الى مقامه جل جلاله : لو آمنوا به
جميعا أو كفروا به جميعا ؟ ! " لا شئ لا شئ " . . .
تالله لو اجتمعوا جميعا فى صعيد واحد ، وتحولوا جميعا الى كائن واحد ولهم فوق ما ذكرنا من القوى والعلوم والفنون والذكاء . . وصمموا بعناد واصرار ان يسكنوا هباءة يريد الله تحريكها ، أو يحركوها . والله يريد تسكينها لاخفقوا واخفقوا وتساقطوا دون ذلك عجزا . .
والآن لا يسعى الا أن أرفع أكف ضراعتى وضآلتى وجهلى وضعفى الى عزة ربى جل جلاله ، واسأله المعونة والتوفيق واستلهمه استقامة العلم وسداده والبعد عن ضلال الانحراف عنه وفساده . وأنا ارفع هذه الكلمة التى هى نفحة من محراب قدسه . الى اخوتى فى الانسانية دون ما غرور ورعونة وادعاء . .
٢ - حكم الذين يقولون لا نؤمن بوجود الله حتى نعلم حقيقة ذاته ونراها :
ان هذا القول اكثر ما يردده البدائيون وأشباههم من انصاف المتعلمين . وباعثهم عليه تصورهم أن الموجودات محصورة فيما بين أيديهم ، أو فيما يبصرونه منها ، مما بعد عن لمسات أيديهم : كالشمس والقمر وبعض الكواكب . .
وتصورهم هذا هو الذى جعلهم يتخذون منها آلهتهم ، ويعبدونها من دون الله تعالى ، كما جعلهم يعجبون للدعوة الى الايمان بالله وحده . وفي ذلك يقول الله عز وجل : " وعجبوا ان جاءهم منذر منهم ، وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ) ٥ ( أجعل الآلهة الها واحدا ان هذا لشئ عجاب ) ٦ ( " ٣٨ . . ومثل ذلك يقول سيدنا يوسف :
" يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير ، أم الله الواحد القهار " ١٢-٤٠ .
ولولا ان البشر يؤثرون أن يؤمنوا بالآلهة المنفرقة التى يتخذونها مما يرون على أن يؤمنوا بالله جل وعز بحجة انهم لا يرونه . لما طلب قوم موسى رؤية الله جهرة حين طلب اليهم الايمان به سبحانه وتعالى ، وفي ذلك يقول الله فى وحيه : " واذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون " ٢-٥٧
وقد استغل فرعون هذه الظاهرة فى الاجيال القديمة ، فأعلن فيهم انه ربهم الاعلى فقال : " أنا ربكم الاعلى " . . أى رب الارباب . .
والذى يظهر من أعمال فرعون انه لا يؤمن بوجود الله ، ولا بالآلهة التى اتخذوها من أشياء الكائنات ، ومن جراء ذلك مكر بهم وأضلهم عما جاءهم به سيدنا موسى من المعجزات الناطقة بصدق رسالته . .
ألا تجده - على مسمع من قومه - ينادى وزيره هامان لهذه الغاية : " وقال فرعون : يا هامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الاسباب ، أسباب السموات فأطلع الى اله موسى وانى لأظنه كاذبا ، وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون الا فى تباب " ٤٠-٣٨
وجه الكيد فى طلب فرعون هذا هو ما تم له من صرفهم عن الايمان بالله عز وجل حيث أثار ما فى انفسهم من تقليد موروث هو ان الاله الموجود حقا لا بد ان يرى وان موسى يدعو الى الايمان باله وهمى لا وجود له ، ولو كان موجودا حقا لأراهم اياه . وللتظاهر بان هذا التقليد الموروث هو
الحق وانه مؤمن به وكذلك أمره بتشييد الصرح .
وكل قصده الذى يتوخاه من وراء ذلك ، هو أن يجعل قومه يؤمنون تلقائيا بان موسى كاذب فى رسالته . وان لا رب سواه ، لأنهم يرونه حيالهم . واله موسى لا يراه أحد منهم
وهكذا يكون حكم الذين يقولون لا نؤمن بوجود الخالق العظيم حتى نعلم حقيقة ذاته ونراها ، هو الكفر الصراح . لان ذات الخالق العظيم ازلية لا أول لها ، وليست من جنس الذوات الحادثة التى تخضع لعلم الانسان وتجاربه المحدودة ، وتصورات حواسه المنعكسة عنها .
ومهما يكن فهذا الطلب المأفون كان مقبولا لدى البدائيين الذين كانوا يعتقدون ان الارض هى قطب الوجود وما عداها أطراف لا وزن لها ، وان الدعوة الى الايمان بالآلهة المتخذة من افراد الكائنات المشاهدة هى الحق . وان الدعوة الى الايمان بالله العظيم ووحدانيته ، شعر وجنون : " انهم كانوا إذا قيل لهم لا اله الا الله يستكبرون ) ٣٦ ( ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون " ٣٧-٣٧
ولما كانت رؤية هؤلاء الوثنيين لآلهتم تقتضى الحيز والمقابلة ، تصور المعتزلة أن الرؤية محصورة في ذلك ، فأنكروا رؤية الله فى العالم الثانى على الرغم من ثبوتها فى نصوص الوحى القطعية . . .
لذلك رأيت من واجبى ان اكشف حقيقتها ، خشية أن يلتبس أمرها على بعض المطالعين التباسها على المعتزلة بالامس وقد كان . .
حقيقة الرؤية وحكمها :
لا بد لمن يريد أن يقف على حكم رؤية الله عز وجل أن يفهم حقيقتها ، أولا . . . وحقيقتها تختلف فى اشياء بينة :
١ - فى ذات الرائى . ٢ - وفى ذات الموقع الذى يرى منه الرائى . ٣ - وفى ذات الآلة التى يرى بها الرائى . ٤ - وفى نوع الذات المرئية .
وهذا الاختلاف واقع ملموس لانه نتيجة التقدم العلمى الصاعد وتطور المخترعات الحديثة المدهشة اى ان الرؤية بالعين المجردة غيرها بالمجاهر والمراقب وأشعة اكس وأشعة الصور المرسلة من محطات الفضاء وسوى ذلك . .
والرؤية وأنت على سطح الجاذبية فى الفضاء الخارجى ، سواها وانت على سطح الأرض .
واذا تمكن العلماء من أن يخترقوا اجواء الاجرام المترامية فى أبعاد الفضاء فان الرؤية تختلف عما هى عليه الآن وهم على سطح الجاذبية .
وهكذا تختلف الرؤية باختلاف العوالم التى يرى منها الرائى .
والمقابلة والحيز اللذان كانا قيدين للرؤية فى عالمنا هذا قديما باتا غير داخلين فى نطاقها حديثا . واذا كان هذا الاختلاف الهائل فى الرؤية نشاهده قد تم فى عالمنا هذا ، فما بالنا بما سيكون عليه واقعها فى عوالم الآخرة . يوم أن تبدل الارض غير الارض . والسموات لا ريب ان ذلك مما لا يدخل فى نطاق علمنا الآن
وكذلك تختلف الرؤية باختلاف الرائين ،
فرؤية الملك - بفتح الميم واللام - سوى رؤية الانسان ، والانسان نفسه رؤية بصره غير رؤية بصيرته ورؤيته وهو مغشى بظلمات نزوات الجسد ، سواها وهو مصفى منها ، وقد جاء بيان ذلك فى الحديث القدسى الذى رواه البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه : " قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ان الله تعالى قال : " من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب الى ، عبدى بشئ أحب الى مما افترضته عليه ولا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها ولئن سألنى لأعطيه ولئن استعاذنى لأعبدنه .
ومثل ذلك يقال فيما شاهده رسول الله صلى الله عليه وسلم من قطاف عالم النعيم وهو يصلى فى مسجده ، والاحاديث الصحيحة فى هذا الباب لا يسعها مثل هذا المقال . .
والواقع ان ما يعلمه العلماء عن الرؤية اليوم ، خلاف ما كانوا يعلمونه بالامس ، وما سيعلمونه غدا وما بعده ، اذا ظل العلم فى تقدمه الصاعد مطردا على هذا المنوال .
واذا كانت هذه حقيقة انواع الرؤية التى حدثت فى عالمنا هذا ولم تكن فى الحسبان فما بالك بأنواعها فى عوالم الآخرة .
والنتيجة التى ننتهى اليها هى ان رؤية الله حق فى عالم النعيم يتفضل الله بها على من يشاء من عباده بالكيفية التى يريدها هو لا نحن ، وبالطريقة التى يعلمها هو لا نحن . وحرام ان نزن علمنا بعلمه جل وعز فنعترض على ما نجهل اعتراض المجانين .
وانى أرى تحكمنا على ما نجهل من حقيقة رؤية الله فى عالم النعيم ، بمقتضى علمنا القاصر المحدود ، أشبه بتحكم الوثنيين فى حقيقة ذات الله التى جعلوها تارة طاقة روحية جزئية او كلية ، وطورا مادة مجسمة مما يشاهدون ، واشباه ذلك حسب ظنونهم الواهية ، وتقاليدهم الخرقاء . .
ولو انهم فوضوا العلم بحقيقة رؤيته وكنه ذاته اليه جل وعز واكتفوا هم بالايمان لكان ذلك عين يقين العلم وواقع وحى الله الصحيح . .
يا اخوتى ، يكفى ان نعلم ان رؤية الله جل وعز ونحن فى عالمنا الارضى هذا مستحيلة وكيف نريد من ابصارنا التى تعجز عن رؤية القمر - فى وضعه الحقيقى - وهو منا على انطلاقة صاروخ ، أن نرى ذات الله ولله المثل الاعلى ؟ ! . . .
بل هذه الجاذبية التى تشدنا على الارض ولولاها لتناثرنا فى الفضاء كالهباء . . هل نراها ونعلم حقيقتها ؟ . . اذن فكيف يزعم بعض الممرورين انهم يبصرون ذات الله عيانا - هذا الزعم كفر ولو كان فى الامكان أن يبصر الانسان ذات الله عيانا وهو فى أغلفة جسده المادى المكون وفق سنن الحياة على الارض لأجاب الله كليمه موسى عليه السلام ، حينما طلبها ، كما جاء ذكر ذلك فى التنزيل : " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه اربعين ليلة ، وقال موسى لاخيه هارون اخلفنى فى قومى واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ، قال : رب ارنى انظر اليك ، قال : لن ترانى ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف ترانى ، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ، وخر موسى صعقا . فلما أفاق قال : سبحانك تبت اليك ، وانا أول المؤمنين " .
وهكذا أراه سبحانه وتعالى أن رؤيته غير ممكنة فى هذا العالم الارضى لما قدمنا من مقتضيات الرؤية البصرية ، وأوضاع سننها التى لا تنفك عنها .
والمقصود ان رؤية الله فى عالم النعيم حق وهى ممكنة فى حد ذاتها ، ولولا ذلك لما طلبها سيدنا موسى ، وهى الحكمة الظاهرة فى طلبه . . وما جرى له بعد ذلك هو ان نعلم ان مقتضيات الرؤية فى أرضنا ، سواها فى عالم النعيم
ولو عاش الزمخشرى الى عصرنا هذا ، أو كان من أهله وشاهد كل ما جد من كيفيات الرؤية ، وأنواعها الهائلة المختلفة باختلاف المكان والرائى والمرئى وآلات الرؤية ، لما حكم بموجب علمه المحدود بأن الرؤية لا تكون الا بقطعة اللحم العالقة فى رأسه ، وأنكر رؤية الله في عالم النعيم مستدلا بقوله تعالى : " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير " .
وقوله لسيدنا موسى : " لن ترانى . . جاعلا النفى بـــــ " لن " للتأبيد وقد أول النصوص التى تثبت الرؤية كقوله تعالى : " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " والاحاديث الصحيحة .
وفات الزمخشرى ومن كان على شاكلته من المعتزلة . أن وحي الله كما يتحدث عن عالمنا الأرض وأوضاع خلقنا فيه الموائمة لمقضيات سننه كقوله تعالى : " لن ترانى . . " وقوله : " لا تدركه الابصار . . " يتحدث عن العالم الثانى وكيفيات نشأتنا فيه وفق موجبات سننه كقوله تعالى : " وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة " . وهناك جملة من الاحاديث الصحيحة
وردت فى صدد الرؤية . . نذكر منها الحديث الذى رواه الشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه : " اناسا قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ . . قال : " هل تضارون فى الشمس ليس دونها سحاب . . قالوا : لا قال : فانكم ترونه كذلك " . .
والحديث الذي رواه مسلم والترمذى والنسائى :
" إذا دخل أهل الجنة ، الجنة ، يقول الله عز وجل : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ! ألم تدخلنا الجنة ، وتنجنا من النار ؟ ! قال :
فيكشف الحجاب فما اعطوا شيئا أحب اليهم من النظر إلى ربهم . ثم تلا هذه الآية : ) للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " .
أجل وحى يتحدث عن أوضاع العالمين بما يكون فى كل من الخصائص فلماذا نلجأ الى التأويل ومصدره الجهل بفوارق النواميس بين حقائق العوالم ، والتحكم بمدلولات الالفاظ المحدودة الموضوعة لكائنات عالمنا هذا والتفاخر الاجوف بدعوى العلم ، بكل ما كان ويكون ودافع الغرور المنتفخ .
يا حسرتى ! مسكين هذا الانسان ، لا ينسلخ عن أنانيته وغروره وكبريائه وبواعث غرائزه الخاسرة حتى ينسلخ من جلده ويعود جسده الى التراب وتنطلق روحه خارج جسده . . وحينئذ يشاهد عين اليقين ما كان يجهله فى دنياه الفانية من علم اليقين !
والآن - ما دام القراء ميزوا بين رؤية البصر المحدودة بحدود تركيبه العضوى المخصص لعالم أرضنا هذه ورؤية البصيرة
المنطلقة عن سر الروح ، وما يتصل بهاتين الرؤيتين من أوضاع وكيفات لا يزال العلم الحديث فى بداية التعرف اليهما . . فانهم يدركون ان هذا البحر اللجى الصاخب من معارك المعتزلة حول رؤية الله فى الدنيا والآخرة ما هو الا مجاجة آسنة فى كوب ، لانهم اداروها وفق ما يعلمون من وضع التكوين العضوى للعينين فى عالمنا الارضى هذا ، وتعين الرؤية بهذا التكوين ذاته فى عوالم الآخرة
وأغرب ما سمعت محاضر صديق يقول مصرا اصرار العنزى ) ١ ( : " ان رؤية الله في الآخرة ستكون بذات العين المجردة التى تبصر بها كائنات عالمنا هذا دون تبديل فى التكوين يومئذ " ، واعترضت وقلت قول الرائد المكتشف : " يا صديقى قد يكون قولك عين واقع العلم ، لو لم يقل الله عز وجل : " على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون " . . ويقول : وما تدرى نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاءا بما كانوا يعملون " .
يا صديقى اذكر ما رواه الامام احمد عن ابن عمر : " أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر مسيرة الف سنة " فهل يدخل فى طاقة التكوين الدنيوى للعين ان يبصر بها أكثر من أميال ؟ ! هب اننا جميعا أوتينا قوة بصر زرقاء اليمامة ، فهل نشاهد مثل هذه المسافة ؟ طبعا : لا . .
اذن فيجب ان نعلم أن وحى الله حق . وأن الرؤية حق . وان ترك واقع الرؤية هناك الى علم الله ، ولا نجحد بعلمنا القاصر ما نجهل
للبحث صلة

