( هذا هو الموضوع الذي انعقدت الندوة لبعثة والحوار فيه ، وكانت هذه المرة مؤلفة من الاساتذة : السيد عبيد مدني عضو مجلس الشورى . محمد سعيد العامودى رئيس شعبة المواصلات بادارة شؤن الحج العامة . ضياء الدين رجب معاون مدير الاوقاف العام . وقد اشترك معهم صاحب المنهل )
عبيد مدني - انا لا ارى فرقا بين مهمة الكاتب والشاعر فكل واحد منهما يؤدى رسالة واحدة وكلاهما لازمان لها ومتلازمان فيها .
محمد سعيد العامودى - إن الرسالة الاجتماعية المطلوبة من الشاعر هى ان يبث الدعوة الى الاخلاق العالية ، ويدعو الأمة الى النهوض . . ويبدو لى جليا ان الكاتب لا تختلف رسالته عما اسلفت ، فانا متفق فى هذا مع الاستاذ السيد عبيد . ضياء الدين رجب - انا لا انكر ان الهدف العام بالنسبة للهمتين متحد
اذا نظرنا الى الغاية المنشودة منهما . . غير ان الدقة فى الاداء والتصوير هى التى تعطى لكل رسالة من هاتين الرسالتين شكلا خاصا قد يجعل احدهما ابلغ فى التأثير من الآخر .
عبد القدوس الانصاري - أولا ترون أن مهمة الشاعر هى الدعوة العامة الى النهضة بشكل عام ؟ بخلاف الكاتب فيبدو ان مهمته هى التغلغل في تفاصيل حياة الامة لرفع مستوى كل ما يحتاج الى ذلك منها باسلوب المنطق والدراسة والتوجيه بالاقناع تارة وبالإيحاء اخرى ؟ .
عبيد مدني - انا اقصد بعدم وجود فارق بين الكاتب والشاعر - عدم وجود فارق جوهرى بينهما ، بمعنى ان الشاعر والكاتب يتحد ان فى الغاية وان اختلفا فى الوسائل .
محمد سعيد العامودى- الشعر - كما هو معلوم - لغة العاطفة والشعور .. واما النثر فهو لغة العقل والفكر والمنطق . فطبعي ان تتعدد مناحى القول عند الكاتب ، وطبعي ان يتغلغل بقلمه فى كل ما يتصل بحياة الأمة من سياسة واجتماع اقتصاد وغيرها . ولكن ليس معنى وجود هذا الاختلاف الظاهر بين الشعر والنثر انهما مختلفان فى اداء الممهة المطلوبة منهما .
ضياء الدين رجب - لقد استطعنا جميعا ان نتفق على اتحاد مهمتى الكائب والشاعر فى الغاية بيد أن الذى أميل اليه أن الشعر يقصر كثيرا عن الآماد الواسعة التى يستطيع الكاتب ان يصل اليها ، بالنسبة لمختلف المرافق فى الحياة وبالنسبة لمشاكلها المعقدة ، وانى اعتقد ان الحوافز بالنسبة للشاعر اضيق منها بالنسبة الى الكاتب ، لاننا ما دمنا واثقين بان الشعر هو لغة العاطفة ، فلا نستطيع ان ننكر ان مجال العقل اوسع افقا من مجال العاطفة ، وان مجال العقل . ارحب بمختلف النظريات التى تساير مختلف الشؤون ، فلا يقف بها مجال محدود ، ولا ناحية خاصة ، كما هو الشان فى الشعر .
عبد القدوس الانصاري - يلوح من هذا أن رأى الاستاذ ضياء هو ان مهمة الكاتب اهم من مهمة الشاعر فى تزجية حياة الامم الى ميدان اوسع ، والى افق ارفع ، وان كان يرى ان المهمتين فى غايتيهما واهدافهما واحدة ! عبيد مدني- واذن فهل معنى ذلك انه يوجد فرق بين المهمتين ؟
ضياء الدين رجب - اذا كانت الاعمال بالنتائج فان النتائج التى بوسع الكاتب ان يصل اليها اوسع من التى فى امكان الشاعر المحدود ان يصل اليها . عبيد مدني - نريد مثالا لذلك ؟
ضياء الدين رجب - الدعوات العالمية منذ وجدت لم تقم الاعلى اساس الكتابة المرسلة لأنها التى كانت - ولاتزال- تساعد على التغلغل والتوسع في اداء المقاصد وتصوير الغايات والمبادئ وعرضها . . والشعر فى هذه المجالات لا يعدو استثارة الشعور فى نواحي مخصوصة ، وفي ظروف مخصوصة . . أما بالنسبة للقابلية العامة ويتهيئها للاخذ والتلقي فليس انجح من النشر ولا انجح منه .
عبيد مدني يقول الاستاذ : ان الدعوات لم تقم الا بالكتابة ، لانها اوسع للتعبير عن الاهداف التى يضطلع باعبائها . . ولكننى ارى ان للشعر - فى مثل المقام تأثيرا قويا فى الدعوات على اختلاف انواعها . . وحسبنا مثلا لذلك اثر الشعر فى الدعوة الاسلامية ، فقد كان حسان بن ثابت - رضي الله عنه - لسانها النطيق ، فى نشر الدعوة والقيام بالدعاية لها ، وفي مجابهة الخصوم ، ومقابلة
الوفود . ولواردنا الاستقصاء وايراد الامثال على مالك للشعراء فى هذه الميادين ، فيما تلا ذلك من نهضات اجتماعية ودينية وسياسية - لضاق بنا المجال ، ولسنا لآن فى مقام المؤرخين وانما نكتفى بمثل واحد وبشاهد واحد عن كثير من الامثلة والشواهد التى حفل بها تاريخ العرب والاسلام وغير العرب والاسلام .. ويبدو من ذلك ان تأثير الشعراء فى مثل هذه النهضات لم يكن مقصورا على التاريخ العربي ، بل " وكذلك فى النهضات الغير عربية . !
ضياء الدين رجب - الحقيقة أن للشعر اثره الخالد على كل حال ، ولكن الشعر فى نظري كالباقة فى الحقل الجميل الواسع . . ومعنى هذا ان الشمول والاستقصاء لا يتمان الافي الافق الرحب .. هذا الى ان الشعر قد اختلفت مهمته فى الأداء والمعرض بالنسبة للظروف والعصور واختلاف الاتجاه العام . . فالعصر الذي كانت اغراض الشعر واساليبه تؤثر فيه غير العصور المتعاقبة التى فقد فيها الشعر تأثيره فيه .. والذي يبدو لى أن التطور الزمني واختلاف الوسائل فى الامم ومحاولاتها للاجدى والاسرع فى التأثير - قد اوجد تقلصا فى مهمة الشعر وما زال هذا النقلص يزداد حتى انتهى بالشعر الى الانكماش فى هذا العصر الذى اصبحنا نلمس ضعف الشعر وضعف اثره وصداه وتأثيره ، وقد بلغت حالة المجتمعات البشرية الآن الى الحالة الراهنة التى لم نر فيها غير علاج الاقلام المرسلة هنا وهناك . . انها ( اى الاقلام المرسلة ) تعالج فى عصرنا هذا ، المشاكل المختلفة وتصل الى صميمها ، حتى اصبحت لغة الحياة بمختلف شؤونها واساليها ؛ ولغة السياسة بمختلف ظروفها واوضاعها ، ولغة العلم والفن بمختلف شؤونهما واشكالهما ونزعاتهما . . وهذه الأسباب كلها تتضافر فى نظرى على ترجيح مهمة الكاتب فى الحياة عن ممهة الشاعر فى الحياة ، لأن الحياة أقبل لها ، واكثر تهيؤا لتلقيها منه .
محمد سعيد العامودي - اذا كان النثر قد اصبح له ميدانه الواسع ، ولاشك فهذا يعود - كما قلت سابقا - الى ان مهمة الكاتب تتصل بالحياة الواقعية ، وكل ما يتناول شؤون الآمة واحوالها . . واذا كان الشعر - كما يقول الاستاذ ضياء الدين-
قد تقلص ظله منذ ازمان ، واصبح مكانه فى هذا العصر ثانويا ، كما يبدو لى من حديث الاستاذ ، فهذا يعود الى ان هذا العصر قد طغت فيه المادة ، وتغلغلت فيه الحضارة ، وزاد فيه التنافس ، وتعددت فيه الازمات ، سواء بين الدول ، او بين المذاهب الاجتماعية ، او بين الافراد . . وقد اوجد كل هذا اتساعا فى الموضوعات التى هى من مهمة الكاتب . . وليس معنى هذا ان الشعر لم تعدله مهمة ، بل معناه ان الظروف الحاضرة ، ومطالب الحياة المادية قد جعلت مهمة الكاتب اكثر جولانا واكثر انتاجا . . وفى رأيى أن الشعر ما دام لغة العاطفة والشعور والوجدان ، فمكانته لا يمكن ان يعتريها نقصان .
عبيد مدني - واذا استعرضنا النهضة العربية الحديثة فهل نجد تأثير الشعر فيها اكثر واقوى ? ام تأثير النثر ?
محمد سعيد العامودى - الشعر والنثر كانا فرسى رهان فى هذا الميدان ، فكما كان اثر " جمال الدين " و " محمد عبده " فى اوائل النهضة الحديثة - كان اثر " البارودى " . . وكما كان اثر " سعد زغلول " فى الثورة المصرية - كان اثر " شوقي " و " حافظ " وغيرهما . . وكما كان اثر كتاب العرب فى النهضة العربية والدعوة الى التحرر من براثن الاستعمار . كان آثر شعراءهم ... كل من النثر والشعر ادى اجبه الاتم ، وقام برسالته المنشودة ، مع اختلاف الاسلوب واختلاف ميدان كل منهما طبعا .
ضياء الدين رجب - فايهما اهم ؟ هما طرفان ، فاما ان تجمع على مساواتهما او نجمع على تفاوتهما ؟
محمد سعيد العامودى - رأيى ان كليهما متساويان ، ولا يمكن ان يتدخل الشعر فى مهمة النثر ولا النثر فى مهمة الشعر .
عبيد مدني - اذن انتهينا من حيث ابتدأنا . ولكن لابد لى من كلمه حول تقلص الشعر فى هذا العصر . . فانا لا اعتقد بهذا التقلص ما دمت اعتقد ان الانسانية زاخرة بالشعور الحساس ، وبالعواطف المرهفة . وليس معنى هذا
فتور شئ ما في ناحية من النواحي لاسباب طارئة ، حكما عاما بالضعف والتدرج الى التقلص ... فالشمس حينما تغرب في مكان فهى مشرقة فى نفس الوقت في مكان آخر ، فهى هى لم يعتر نور هاما يضعفه ..
ضياء الدين رجب - أوجه الى الاستاذين سؤالا واحدا . . فاذا قنعت بجوابهما عليه قنعت في موضوعي نهائيا . . أليست الحياة حقيقة وواقعها ؟ لو ليس الشعر خيالا ، او يقوم اكثر ما يقوم على الخيال ؟
عبيد مدني - الخيال من حيث هو خيال يتطرق الى النثر ، ويتطرق اليه النثر كما يتطرق الى الشعر وكما يتطرق اليه الشعر . . ولا يختص الخيال باحدهما عن الآخر . . ألست ترى الكاتب الذى يحاول اقناع الجمهور بمبدا ما يسبغ على اسلوبه النثرى ، سدولا ضافية منمنمة من الخيال الجذاب للاسماع والابصار والقلوب ... ويهدف الشاعر الى حقائق ناصعة ، عندما يقرر الوقائع ويرسل الحكم ويتغلغل في الفلسفة .. حقائق ناصعة لا تخضع للخيال- وليس للخيال عليها من سبيل . . ويمكن ان يلخص من هذا أن الكاتب والشاعر يكونان خياليين حينا إذا لزم لهما التخييل ، ويكونان حقيقيين حينا آخر تبعا للموضوع الذي يجولان فيه .
محمد سعيد العامودى - من اقوال النبى عليه السلام : ( ان من الشعر لحكمة ) ولاشك ان فى هذا القول الصادق الحصيف بيانا رائعا يدل على ان الشعر الرصين إن لم تزد مكانته على مكانة النثر فهي لا تقل عنه على كل حال .
ضياء الدين رجب - وأول الحديث الشريف . ( ان من البيان لسحرا ) والسحر ابلغ تأثيرا .
عبيد مدني - وهل البيان خاص بالنثر ? او يتناول الشعر والنثر معا ?
ضياء الدين رجب - البيان عند اطلاقه يتناول الناحيتين . . ولكن التقسيم فى الحديث يشير الى مفهوم جديد ؛ هو مغايرة الأول للثانى ، والعطف يقتضي المغايرة .

