الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

بدون وجه

Share

أقف جامدة ، مشلولة الحركة الى النافذة . . أدعو عالمى السحرى الهارب فى ظلام السماء . . أدعو طيوري الهائمة فى أدغال الليل . . أظل منغرزة العينين ، معيدة لتعاويذى ، مصلية لعودة ملائكتتى بصورتى الى . . ولكنى أبقى ظلا وراء بلور النافذة ، لا يرى غير فراغ الطريق بعد منتصف الليل وانغلاق النوافذ والابواب ولا يسمع غير صفير الريح فى فراغ الذات . .

الزمان صار ضحكة ساخرة دائمة . . تقف دوما فى القفر فالظل يبقى ظلا . وفراغ الذات يبقى فراغا . . وجمودى يبقى جمودا باردا ، عاجزا . . يضحك ولا يبكى . . لا يصيبه البرد ، ولا يحرقه اللهيب . . فقط طعم الطين والوحل يملأ حلقي . . يتكدس فى امعائى . . يهولنى أنى لا شىء الا تراب ووحل ٠٠

يهولنى القفر . . لم تطلع نبتة خضراء . . لم تمطر سحابة . . لم يحم طائر . . خراب وبشاعة . .

أهز رأسى المسند الى بلور النافذة . . أستدير أنظر الى المرآة المواجهة لى . . دوما لا أرى الا ظلا أسود لامرأة . .

أبحث عن وجهى . . لا أجده . . فقط فى ظلام المرآة أرى عينين ، كعينى قط فى ليلة مظلمة يلمعان فى الظلام ، لمعان حجر اسود ملغم يوشك على الانفجار . .

وحين تطلع شمس النهار وتستيقظ المدينة ، وأهم بالخروج ، تقابلني المرآة بالقناع على رأسى ، جواز الخروج الى المدينة والتعامل مع الناس ..

حتى ندر ، يعجبه قناعي ، يقبله ، يصفق له . . والقناع يغوص يوما بعد يوم في عنقى ، وزمان الجمود الساخر طال ، حتى أصبح القناع جلدتي الثانية وحتى ضاعت الحقيقة . . .

وأظل في كل ليلة ، كمريض يمارس جنونه فى الخفاء ، أعيد تعاويذي . . أنبش ذاتي . . أدعو طيورى المهاجرة . . وأحيانا أقدر على قدح النار فى موقد ذاتي ، فأتدفأ ، وأسقى أرضى ، وتضوع روائح الورد والياسمين ، وتغنى لى طيورى الهاربة وتعود الطفلة الساكنة الاعماق ترتاح فى أحضاني ، قبل أن تبدد الشمس ما بين يدى ليواجهنى القناع على وجهى يتقن التمثيل بين بقية الاقنعة التى صارت وجوها ثانية .

والليله . . لا شئ على الاطلاق ، والليل انتصف منذ زمان ، وانا تحولت الى مقبرة لكل ما هو حقيقي وحي . . أطفئ الضوء : أب الاقنعة والزيف والخداع ، وأحاول اعادة الاشياء الى حقيقتها ممتزجة بالوحدة والظلام .

أرفع يدى تتحس ملامحى . . تضيع أصابعي فى الظلام . . تغوص فى اللاشئ . . لا أجد لي وجها . . ينغرز الخوف كخنجر فى صدري . . أخاف . . أخاف . . هل أفقدني القناع وجهى تماما ؟ . أفتح عينى . . أبحث عن شئ ، أى شئ . . أحاول فتح باب الذاكرة المغلقة المغبرة ، وأنا أحدق فى اعماف الليل .

أين الحرارة في نفسي ؟ لم كل هذا البرد ؟ ! . والسماء رمادية خالية من مراكب الغيوم التى ترحل بي ، من طيورى الخافقة الرحيمة . .

أين النيران المتقدة اللهيب تكوى ؟ . . لا نار ولا رحيل . . صقيع  مخجل يمتد . . وعالمى يتقوض ، وأرضى تبقى عتمة خالية . أحاول بعث الحركة فى الارض البوار . . أضرب يمنة ويسرة . . لا حركة . . لا حياة . . جمود قاتل يبعث على الحزن . .

الحزن . . قلت الحزن . . أفرح . . أفرح فجأة . . هاهو الحزن يطل جمرا ورديا من تحت الرماد . . ها هو الحزن يبعث خيطا من دفء ومن دخان

يضوع طيبا ، يصعد نشوان الى السماء . . ليذوب الثلج فنرى حقيقة الارض بدون زيف او قناع كاذب خداع . . تتصاعد خيوط الدخان ، تحلق فى الافق . . والحزن ينمو فى الاعماق ، ويتصاعد داعيا كل الطيور المهاجرة ، و كل المراكب الهائمة التى تنوء بالدموع .

تتداخل الخبوط وتتشابك ، وتحلق غيمات زرق فى ظلمة السماء ، وتسير فى موكب مسحور هائم . . وظلال الحزن تمتزج بى . . وعيناى ترحلان . . ترحلان . . ومن بين خيوط الغيوم تمد الطفلة وجهها ، والليل فى عينيها عتيق ، عتيق يسافر في أوراق الكتاب المحتضن . . يعانق الجزر والبحار والمدائن والقارات . . تسير الغيوم . . عالما ثانيا غريبا . . وتدمن العينان على الغرق في صفحات الكتاب وقطرات مطر ترش أرضى ، صفاء نقيا مطهرا . . تتكاثر خبوط الدخان المتلوى . . تتزاحم السحب . . ويقترب منك يا طفلتي شخص ما . . هامة بشرية مظلمة . .

ترتفع عيناك الحالمتان ، ترقص فيهما فرحة اللقاء ، وفرحة الرضيع بالثدى يحنو عليه مدرارا . . تمتد يدان مغروزتان بالشوك . . تقتربان بسكون . . تفتكان الكتاب . . ترميان به كسهم ينغرز فى جوف الارض العقبة . . تفزع الغيمة الهائمة . . تجرى الغيمة هاربة . . هاربة . هاربة . . وتزداد السماء ظلمة .

أغمض عيني تحت وجع الاحجار تتزاحم على رأسى . . تفتح فيه جروحا قديمة . . تجرى الدماء متدفقة متمردة . . تمتصها الارض البوار . . أحس النبتة الجنين تتحرك في أرضى ، ولا تريد مد رأسها بعد . . شحيحة أرض ودمى يسيل ، ينسكب واهنا منتظرا لحظة الانبثاق .

السحب تجرى مبتعدة كطيور نافرة . . ووجهك يا طفلتي الضائعة يطل من بين الثنايا الهاربة ، مستنجدا ، فزعا . . والريح تحملك الى البعيد البعيد ، معبقة بروائح الحزن ، خلفك ، تطل عيون كبيرة حمراء . . ووجوه بلا عيون ، سوداء ، بها نتوءات مخيفة . . وتبدرين تجرين ثوبك الابيض الطويل هاربة . . هاربة . . هاربة . . تطير العيون اليك كالمناقر والانياب تعضك وتمتد الايدى سوداء تحاصرك . . صرت فى شبكة الايدى السوداء واليدان المنغرزتان شوكا تمتدان اليك مخيفتين . . تمسسكان بذل ثوبك . تجذبانك الى العيون المناقر ، والايدى المحاصرة .

اشترك في نشرتنا البريدية