الوجود قطرة الى تلاش ، شرارة الى انطفاء ؛ فسحة وامتداد ، ديمومة واستمرار فى آن معا .
الوجود سجن مضيق ، مأزق عضال . أن تجد نفسك بين أمرين لا يتفقان .
ان تحس بذاتك احساس العز والقوة ، والنشوة والروعة حتى كأنك تملأ الكون على وسعه ومداه ، وتبعث النور فى أرجائه وأعماقه فاذا هو مألوف مأنوس مستسلم مطمئن
أن تمتلىء بذاتك الطافحة وتسكر بها لذة صافية جبارة كاليقين ثم . ثم ترتد أو تنحط وتتفسخ وتذوب في طرفة عين فاذا أنت الكائن العابر المحدود المهدد من جميع الآفاق فى كل لحظة
واذا أنت صغير ضيق ضئيل حتى تشك فى ذاتك ووجودك وتنكر حقيقتك مألوف أمرك واذا كل شىء يجبهك ويتهمك وينفيك ويتنصل منك ويفرغك من معناك و لزومك ، من حقك وضرورتك ، من أصالتك وكيانك ؛ فانت الطفيلى المكدى وأنت الدخيل المتلصص . والمأدبة حافلة أبدا قائمة دونك قد دفع بك فيها من حيث لا تدرى ولا يدرى غيرك
فأين أين الديمومة والابد
أين أين السورة والعزة
أين الطول والحول . هيهات . ضدان - الوجود والعدم - لا يلتقيان . فأين المفر ؟ بهذا الكون أجمع ، هذا الوجود بأكمله ، هذه الكائنات جميعا ، كل يستمد معناه وحقيقته وروعة سره وخفائه وبقاءه وخلوده منى أنا . أنا " وحدى . أنا القزم الانسان . انا الذبابة الحقيرة . أنا النقطة الذرة . . قوام هذه الاكوان حوالى . ومركز الدائرة من اللانهاية
أنا المرآة بل أنا المسرح . أنا التربة أنا اللقاح . أنا كل شىء ولا شىء . اذا أورق الربيع وافتر عن زهره فانما نفسى التى اورقت وانبثقت زهرا وريحانا
واذا أظلم الشتاء وعبس وكشر وأنشب أظافره فى جسد الطبيعة الحى وجثم عليها يمتص دمها كالحية النهوم . فأنا الشتاء ، وأنا الشجرة الشعثاء المتهدلة الاغصان ، أنا التربة المتصاغرة المقرورة ، أنا البحيرة المقشعرة الباكية
أنا الصورة أنا العين . أنا الصوت والبوق
كل ما فى العالم من نطفة قوة . كل ما فيه من بذرة امكان . كل ما يطلب السفور والاعلان . كل ما يهوى الفعل والحركة . كل ما يجهد الى النور يمر بى حتما يخترق كيانى ويلتمس منى أنا الشهادة به والاقرار
أنا كل شىء حين ألبس اللحظة وأملاها فتحتوينى شهوة ووئاما أنا كل شىء حين امتطى الزمن قد كبحت جماحه وقهرت شكيمته اشد به على صهوات السحب ومجاهل الافلاك وأعماق البحور . مهمازى الفكر وغايتى المستحيل
أنا كل شىء حين يصافحنى الحب . ويتحفنى بضحكه وزهره . بظرفه وحلاوته . يمين صدق وصفاء . فأتعاظم وأمتد واذا أنا انهل من مصب الحياة وأعب . وأقبض كالساحر العظيم على سر فريد من أسرار الوجود أنا كل شىء حين أرانى وأجدنى فى كل شىء . فى الزهرة الناضرة فى الورقة الذابلة . فى الطفل الصغير والشيخ الضرير . في الفتاة الغضة والعجوز الدميمة . فى الجد البعيد والولد الجنين . فى أخى المواطن والغريب الدخيل . أجد وجهى فى كل منهم وصورتى حيثما تلفت . كيان مشاع مديد لاحد له . تمام الاخوة ومطلق المحبة الوجود قطرة الى تلاش ، شرارة الى انطفاء
لاخلاص الا بأن نموت ونحيا فى الغير ، أن نشع من خلاله ونتخذه سلما الى الخلود .
هى الحيلة الكبرى . نتخطى الهاوية نتشاير من فوقها جسرا . نتخذها لعبة هزؤا . ونتداول الكلمة السر على الدوام قهرا
بالفكر المتواضع الجبار . بالفكر اللبق الجسور ننفلت من كوى مطبق الوجود . ونتبدد وتتكاثر ونشيع ونستمر لقاحا خصبا ، بذارا متجددا فى كل آن .
هى " حلقة " الفكر أعيت الموت والغته الغاء . عبثا يتمرس بها يدقها بأنيابه فيرتد خاسئا مدحورا .
الوجود قطرة . نعم . قطرة من النغم تتردد فى أختها اللاحقة وتتجاوب ، وتنضم اليها وفيها تذوب . كذا تتم السنفونية الانسان وينهض بناؤها شامخا مشرقا . . صرخة فى وجه الاقدار مدوية أبدا

