تعليق : عبد السلام الدبابي
تعتبر المقالة فى الادب التونسي اللون السائر للتعبير عن الخواطر والاراء ولمعالجة مختلف المسائل والمشاكل ونجدها فى الافتتاحية المعبرة عن المبدأ الجوهرى وفي الخاطرة الموضحة للمواقف الخطيرة وهى تشاكل أصحابها فى الصحف والمحلات وامكاناتهم في استعمال النثر العربى أو فى اخضاعه لاغراض مختلفة وحاجات متجددة
وانك تطالعها فى الاحاديث العامة والخواطر العابرة ولا تفرز منها الجيد المسبوك إلا فى بعض الدراسات التحليلية المركزة أو النماذج الادبية التى تعالج جواهر الامور فى أسلوب دقيق وسبر عميق
وقد تعثر أثناء تصفحك لبعض الكتب على نثر فنى غير مألوف يذكرك بالرسائل القديمة والمقولات الفلسفية لكنه يتخذ صبغة معاصرة فى قلة صفحاته وغزارة معانيه وتنوع موضوعاته .
ولئن قرأت " بذور " للبشير المجدوب وجدت نفسك بازاء مقالات وليست بمقالات مركزة أو بازاء خواطر شاعر وما صاحبها بشاعر وانما تبدو لك ملتقى بين صفاء التحس البديهى والشرارات الفكرية .
واذا ما رغبت فى التعرف على هذه الخواطر أو التأملات فانك تميل الى حصر موضوعاتها وكشف أسلوبها لتمهد الاجابة عن هذا السؤال : هل نجني من " بذور " امتاعا ومؤانسة " أم تعليلا لموقف الكاتب الانسانى من عجزه أو قدرته على " إرغام المستحيل على الامكان "
لم يرتب المؤلف " خواطره وتأملاته " فى القسم الاول من كتابه بل جمعها كما تجمع الارتسامات التى تنشأ بصورة عفوية لانها نتيجة تفاعل مع المحيط الذي عاش فيه لكن رغم تنوع العناوين وتعدد الأغراض فانها تتصل بشخصية الكاتب وبانتقائه لخلجات نفسه المتأملة المتألمة من قلق العزلة أو الغربة الروحية التى دفعته الى سبر منزلة الانسان فى الكون فهو يشعر بعد الفحص النفساني رضيته وضآلته ويقدرته وعجزه فيبقى معلقا فى سماء الحيرة بين المتناقضات قد يستسلم في بعض الاحيان الى حتمية الفناء فيبدو رافضا للعبث المزعج مؤمنا بصمود العقل واستمرار لقاحه الخصب واذا ما حاولت حصر المراحل الرئيسية فى تجربة الكاتب فانك تتصيد ثلاث حالات فى فحص النفس واستبطان النواميس الانسانية : الواصف الوجودى ، المتأمل فى الماورائيات والفنان والمنتشي بمفاتن الطبيعة والجمال .
فكانك يازاء مفكر وجودى يجهد نفسه فى وصف لحمه الشعور وسداها فيقول " وتشعر بأن كل الاشياء تنعكس فيك وأنك تحتويها وتتسع لها جميعا " ويزيد المعنى استقصاء فيتصيد اللحظة التى يعيشها " لكأنى احتوى الكون أشده أو كانما انغرز فيه الى الصميم تأصلا ورسوخا إذ أفكر فيه فى هذه اللحظة بالذات " .
وتسأله عن طريق المعرفة فلا يزيدك الا حيرة أمام حدود الادراك ولكن أنى لك أن تدرك ما يعتمل في النفوس ويختلج فى لحمة الشعور ادراكا مباشرا دراك الحدس تقبض على الشئ بل تعضه عضا بلا شاهد ولا برهان
ثم تأمل أنك تحد فى استنتاجاته ما يطمئن اليه العقل فى كشف الحقائق الماورائية فيفاجئك بتلاشى كل شئ فى شك يهدم اليقين وسخرية تبدد الزعم لا شئ إلا الوهم نسيج من الاوهام وهم الجمال وهم القوة وهم الحقيقة خدعة سراب .
وقد يتضاعف هذا القلق عندما يصطدم الكاتب بالواقع الاجتماعى والسياسى فيصف خضم المتناقضات الشنيعة التى تهدد ما عز عليه من نواميس مقدسة كالعدالة والحرية والخبر فيلمح اليها فى خواطره النابضة حر بنا المقبلة - ساعة مع الاكواخ - بشرية منبوذة - ارض عادله وبشرية محرومة " وتطغي عليه فى ذلك نشوة التفاؤل بقدرة الانسان على تحطيم ما يهدد مثله العليا وبطمئن الى تحقيق الحرية . وإن ما يلفت انتباهك فى بذور مع انتشاء الكاتب الفنان بالطبيعة وجمالها وكأنه يجد منقذه فيها من مغلقات
النفس المعقدة وحيرة الفيسوف الحادة فيقتحم عقبات الفنون المختلفة ببيانه الكلاسيكى الظاهر فيقتبس من الرسم الانطباعى فى وصف العيون وينتقى اللقطات الطريقة الشبيهة باللقات السينمائية فى همس الجفون فان استغلال الكاتب للامكانات التى تتداخل بين وسائل التعبير فى الفنون يستوجب دراسة مركزة وبحثا دقيقا فى استعمال اللغة الصافية والحرص على سلامتها وفي التصرف فى اختيار الجمل وتنسيقها فيفجر عيون النثر والشعر ويمازجها بصدى الايقاع والموسيقى الهامسة .
وإنى أخالك تتساءل عن النتيجة وعن غاية الكاتب بعد هذا التعريف السريع لأغراض " بذور " وخصائص أسلوبها فاننا لم نقم الا بمحاولة التعرف على الخواطر والتأملات فى نفس الانسان ووجوده ومنزلته من خلال تجربة البشير المجدوب وتفاعلاته مع شتى المؤثرات الوجودية ولم ندرك صميم موقفه إلا عن طريق البيان الفنى والايحاء النفسانى وأظنك قد تجاوبت معه فى حيرته أمام القدر والزمان والوحدة والشمول والقدرة والعجز . وتذوقت سبره السيكولوجى الطريف وإبداعه الفني في رسم بعض الومضات الخاطفة لروعة الطبيعة الطبيعة الطبيعة وجمالها وتفاعلها مع خلجات النفس واهتزاز الشعور وتبين لك انه اديب يعبر عن القصد وفنان يوحى بصدق الحدس فلا يمكن لك بعد ذلك ان نحاسب البشير المجدوب محاسبة الفيلسوف الذي أراد أن يدعم منهجه أو يعدل اراءه تعليل الافكار المنسقة والاستنتاجات المركزة على مبادئ أولية وإما تتبع اداة النثر الفنى وتصرف فيها تصرف الفنانين ليخلق عالمه الزاخر بالاحاسيس الرائعة والشرارات الفكرية اللامعة .
واذا ما سألته عن الفعل والعمل فى الأثر الأدبي أجابك بقوله " ما الفعل ما العمل إن لم يكن ينبع مع التأمل الصامت والفكر المركز الصادق العميق " .
وما " بذور " إلا وحى ببذور الفكر التى يلقى بها فى الطبيعة لتكون لقاحا خلود الانسان .

