الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

براعة استهلال .. وفاتحة نضال

Share

كان الوقت صيفا - فيما أذكر - وكانت العطلة المدرسية ما تزال مغنم استراحة للكثير منا - معشر الاساتذة والمربين - فيها من المتعة و « الخلاعة » ما يخفف العبء ويهيئ للنشاط ، وكانت عند البعض منا فرصة انجاز لأعمال متبقية أو متواصلة أو فرصة استعداد لأعمال مستجدة . وكنت - والحمد لله - ضمن تلك القلة التى كتب - لها أو عليها - أن تلتذ بنوع من الشقاء ، وأن تنشط لنوع من التعب أبى أبو الطيب المتنبى الا التنويه به .

فى ذلك الوقت كنا جمعا من شباب التدريس وشداة الادب والفكر نتطارح الافكار ، وندعو الى عمل . وكانت ردهات المدرسة الخلدونية وبعض النوادى الادبية خير ما ينتهزه أولائك الشداة لاستنهاض الهمم ، والتحريض على الانجاز . والحق أن واحدا منا كان أكثر حماسا وإقداما لخوض المغامرة . وكانت مخايل علو الهمة تبدو فى أعمدة ما كتب ، وعلى منابر ما حاضر ، وعلى مجالس ما تحدث .

وذات يوم - لا أذكره بالضبط ، لكنه كان يوما من تلك العطلة على كل حال فيه الشغل المحبوب والتعب الممدوح - كنت فى مطابع الشركة التونسية لفنون الرسم الكائنة - اذ ذاك فى نهج سيدى البناء . وكنت مشغولا بنشر كتاب مدرسى . وعندما كنت خارجا من المطبعة لمحت من بعيد الاستاذ محمد مزالى يحمل محفظته المعتادة . وما ان اقترب منى حتى حيانى مبتسما . وقال لى : لقد شرعنا فى العمل . وقد أتيت بالمواد الاولى لاول عدد من مجلة « الفكر » . وفعلا صدر العدد الاول من مجلة « الفكر » فى شهر اكتوبر 1955 . وكانت افتتاحية ذلك العدد شحنة من العزم والامل ، و « براعة

استهلال » لعهد كان من حسن طالعه تحقيق الخطوات الاولى للوصول بالشعب والانسان فى هذا القطر الى التخلص من كبت الاستغلال ، والى نوال العزة والحرية . ولن يتم ذلك الا اذا أدرك الانسان « المعرفة » معرفة النفس قبل كل شىء . ولهذا قالت : « براعة الاستهلال » فى العدد الاول من مجلة « الفكر » : « .. ان المجتمع التونسى اليوم يجتاز مرحلة دقيقة فى حياته هو أشد الحاجة فيها الى أن يعرف نفسه . ويعي منزلته ، ويوضح أهدافه . ويضبط سبلها » (1) .

وتحدد « براعة الاستهلال » رسالة مجلة « الفكر » بأنه : « إذا امكن لهذه المجلة أن تكون ملتقى المثقفين فى هذه البلاد حتى يعالجوا مشاكلهم على ضوء الفكر فانها تكون قد قامت بنصيب متواضع من عمل انشائى أكيد » (1) ولن يتم ذلك ويؤتى مفعوله المرتجى الا اذا تحرر المجتمع من ربقة الاستغلال والعبودية « .. لاننا نعتقد أن الحرية هى أقدس حقوق الفرد وأعظمها قيمة ، وأدلها على كرامة الانسان وحرمته . وهى ضرورة له وللجماعة ضرورة الهواء للرئة » (2) .

ومنذ ذلك العهد انطلقت مجلة « الفكر » - بقيادة مؤسسها - تسد الفراغ ، وتكون المدرسة ، وتحدد معالم الطريق . واذا كان لى شرف أن أكون ضمن أسرة تحرير مجلة « الفكر » منذ صدور عددها الاول ، فان هذه المجلة أدت لى خدمات لا أنساها فى بداية عملى الديبلوماسى بعيد الاستقلال ، سواء بحكم عملى مستشارا ثقافيا وصحافيا بالقاهرة ، أو بحكم اتصالاتى وميولى الفكرية والادبية وأنا سفير فى كل من المملكة العربية السعودية والجمهورية العراقية ، ذلك أن التبشير بالفكر والادب التونسيين فى بلاد المشرق كان محتاجا إلى زيادة جهود كبيرة . وكان تبادل التصور والمعلومات بين المغرب والمشرق العربيين غير متكامل وغير متواز . ولهذا كان توزيع مجلة « الفكر »  والتحاور حولها خير مساعد لى على التعريف بالادب والفكر التونسيين خاصة فى المرحلة الاولى من ذلك الاتصال والتواصل بين تونس والمشرق العربى . وهو ما كان محل التعليق والاشادة فى الصحافة والمحافل الخاصة .

وواصلت مجلة « الفكر » نضالها دون انقطاع رغم الصعوبات والعقبات التى كانت تعترض الطباعة والنشر فى تلك الايام . وأمكن لهذه المجلة أن

تصمد وتستمر مما جعلنى أكتب عنها بمناسبة مرور ربع قرن على صدورها - قائلا : « وقد استطاعت هذه المجلة أن تعطى بوضوح الابعاد السياسية والفكرية والاجتماعية لمن آمنوا باصالة هذا البلد وعروبته ، وآمنوا بضرورة الحفاظ على مقوماته ربطا أمتن للسلك الحضارى العربى الاسلامى فى هذه البلاد . وهو السلك الذى تصدى لأشد العواصف عنفا ، وأقسى التيارات جرفا ، فلم ينله الوهن أو الترهل ، ولم يصبه التمزق أو التقطع .

ويعرف أولئك « المدركون » مدى الصعوبة التى كانت تلقاها أمثال مجلة « الفكر » من عزوف ومن اعراض ومن منافسات متعددة الجوانب مختلفة الاهداف والمقاصد . ولهذا فان التغلب على تلك السلبيات يعتبر شيئا هاما جدا . الا أنه ينبغى ان يسجل هنا وبكل تأكيد أن شيئا من ذلك لا يحصل لو لم تكن عزيمة صاحب « الفكر » ونضاله وصموده اللبنة الاساس لكل ذلك النجاح . وذلك ما ينبغى أن ينوه به الاستاذ المفكر محمد مزالى الذى جعل مجلة « الفكر » جزءا من وجوده . وذلك سر استمرار مجلة « الفكر » طيلة هذه المدة وفى هذه الرقعة من الوطن العربى بالذات (1) .

واليوم اذ تحتفل مجلة « الفكر » بمرور ثلاثين سنة على انبعاثها دون انقطاع أو تعثر فانما ذلك تنويه آخر . وبرهان جديد على ما يكنه الاستاذ المفكر محمد مزالى للفكر وللادب من تقدير دائم . وما يبذله من جهد متواصل جاعلا من رسالته تلك الرسالة الاقوى والابقى . ولهذا فان أعلى المناصب الادارية والسياسية ( وزارة أولى .. أمانة عامة للحزب .. الخ ) لم تلهه لحظة عن مجلة « الفكر » ، ولم تبعده قيد أنملة عن محيطها وحركيتها . وذلك مظهر آخر من مظاهر العظمة وقوة الشخصية ، وطاقة الاستيعاب .

واذا كانت التهنئة بوصول مجلة « الفكر » لهذه المرحلة من سنوات الجد والاثمار تشمل الاجيال والعقود من السنين بما فيها مئات ومئات من الكتاب والمحررين ، وآلاف وآلاف من القراء فى المشرق والمغرب والشرق والغرب فالمعذرة اذا أنا خصصت التهنئة الحارة الممتازة لمؤسسها الاستاذ محمد مزالى ولصفيه رئيس تحريرها الاستاذ البشير بن سلامه وزير الشؤون الثقافية وهما من هما : طيب عشرة وصدق مودة وصحة عزم وسمو بذل . وكل سنة وكلكم طيبون .

اشترك في نشرتنا البريدية