الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

برقيتان من محمد الصادق باشا، الى الصدر الاعظم باستانبول

Share

اذا كانت حادثة توقيع معاهدة الحماية يوم 12 ماي 1881 ، قد تحددت معالمها بصورة اجمالية ، عن طريق ما قدمته لنا الوثائق الفرنسية ، فاننا مازلنا نحتاج ، وسنحتاج دوما ، الى تقنين تلك المعلومات بما يتوفر لدينا من وثائق جديدة صادرة عن الاشخاص الذين صنعوا تلك الاحداث وكتبوا عنها فى حينها

واذا كانت مواقف الدولة التونسية قد تدارسها بعض المتخصصين وفقا لمراسلات الباى مع فرنسا ، غير انه وجب ان لا نغفل عن القول ، ان مراسلات باي تونس مع الباب العالي ، لم يقع نشرها ودراستها ، دراسة هادفة ، ) * ( خاصة إذا علمنا مدى اهميتها وتنوع مادتها التاريخية بالنسبة لتاريخ بلادنا .

ويطيب لى ان انشر نص برقيتين كان قد وجههما محمد الصادق باى الى الصدر الاعظم باستانبول خلال اليومين التاليين من توقيع المعاهدة . وقد كنا عثرنا عليهما ، من ضمن عدد كبير من البرقيات الاخرى . بأرشيف رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية العثمانية باستانبول ، وتتناول هذه البرقيات كلها أحداث ما قبل توقيع المعاهدة وبعدها بقليل . وتصور هاتان البرقيتان الملابسات التى تم فبها عقد المعاهدة ، فضلا عن تقديم تسجيل جيد وأمين للحوار الذى دار بين الباى والقنصل الفرنسى والجنرال بريار ، قائد الحملة الفرنسية على تونس

وقد كشفت هاتان البرقيتان عن معطيات تاريخية من شأنها أن تعمق ابعاد وخلفية التدخل الفرنسى ، واكتفى هنا باشارة هذه النقاط في المحاور التالية

- على الرغم من ان نص المعاهدة لم يثر او ينص صراحة على مضمون الحماية فان الباى فى برقيته الاولى يصرح بها لاول مرة بعد يومين فقط من امضائها وجاء حرفيا فى نص البرقية التى وجهت باللغة الفرنسية : < ( Le General ) a soumis a ma signature un traite de protectorat

- ان البرقية الثانية التى تنشر لاول مرة ، تبين ان القنصل الفرنسى قد اثار مع الباى قبل عقد المعاهدة بفترة طويلة ، اخذ نفس الالتزامات السياسية وتحسيسه لعقد اتفاق مع فرنسا بنفس شروط معاهدة باردو تقريبا كما جاء فى مضمون البرقية . وهذا ما يؤكد ان فرنسا قد سعت ، بعد مؤتمر برلين ، لضم تونس اليها . وقد اضطرت لتخطيط مسرحية الاحتلال وفرضها بالقوة بعد ذلك .

- ان محمد الصادق باشا قد صرح للجنرال بريار انه اضطر ، تحت التهديد باستعمال القوة . امضاء المعاهدة دون دراسة محتوى بنودها او قراءتها واخذ رأى مجلس الشرع فيها . وهذا ما ينفي عنها أى صبغة قانونية ، اذ ادعاء التراضى بها غير وارد تاريخيا ، وهذا ما يؤكد على عدم شرعية فرض الحماية أصلا .

- ان موقف محمد الصادق باي تجاه سلوك ومنطق الجنرال بريار المتعجرف كان موقف الضعيف الخائف من مضاعفات التهديد باستعمال القوة . ولم يسجل له خلال الحوار الذى دار بينه وبين الجنرال الفرنسي اى موقف حاسم أو قولة تاريخية هامة تعكس رفضه لهاته المعاهدة

ان نشر هاتين البرقيتين اللتين ترجمناهما من اللغة الفرنسية ، من شأنه ان يثرى شبكة المعلومات التى تتوفر لدينا عن ملف عقد معاهدة الحماية والتي ما زالت لم تؤرخ بعد بطريقة علمية

من باي تونس الى سمو الصدر الاعظم . القسطنطينية

احيط سيادتكم علمنا ان الجنرال ، قائد فرقة الجيش الفرنسي الذي يوجد ، كما اعلنته لكم ، بالجديدة ، قد اقترب مساء الخميس من مقر اقامتى . وقد وصل بعد ذلك الى قصرى يرافقه فيلق من الخيالة . وقد عرض على ، مشروع حماية للامضاء . مصرحا انه لا يغادر القصر الا بعد حصوله على جوابى . ولم يمهلنى لذلك الا أربع ساعات . ونظرا لوقوعى تحت ضغط قوة الجيش الرابض قرب اقامتي ، فقد اضطررت ، ) دفاعا ( للشرف ولتجنب اراقة الدماء ، امضاء هذه المعاهدة دون اى دراسة او مناقشة ( لبنودها ، مصرحا اننى امضيتها تحت التهديد بالقوة

نص البرقية الثانية من سمو باشا تونس الى سمو الصدر الاعظم . لقد ارسلت اليكم برقية بتاريخ 13 جمادي الآخر 1298 ، أحطت سيادتكم علما فيها بمحتوى الرسالة التى كان قد ارسلها الى قنصل فرنسا والتى اعلن فيها ، ان الجنرال ، قائد الفرقة الفرنسية ، قد وصل الى الجديدة ، وهو مكلف بابلاغي معاهدة حررتها حكومته . وها انا اشرح لكم ملابسات الحوادث كما حصلت :

ان الرسالة التى حررها القنصل ، كانت وصلتني قبل ثلاث ساعات من غروب الشمس ، وقد كنت ساعتئذ احضر ردا عليها ، عندما فوجئت بقيام الجيش الفرنسي بمحاصرتى ونزوله بالقرب من مقر اقامتى . وبعد اربع ساعات من غروب الشمس ، قام القنصل الفرنسي بالتحول الى مقر اقامتى وأخبرني بوصول الجنرال المؤكد . وبالفعل فقد ظهر الجنرال يصحبه عدد كبير من الخيالة كانوا قد تمركزوا مقابل اقامتي وضربوا حولها سياجا من الحراس .

وقد دخل الجنرال الى قصرى برفقة عدد من الضباط حوالى الساعة الرابعة والنصف بعد غروب الشمس . وقاموا بتنظيم اجتماع معى . وقد صرح لى الجنرال : " انه مكلف من طرف حكومة الجمهورية بان يعرض على معاهدة من شأنها ان تحل الصعوبات القائمة ، وبدأ فى قراءة نص المعاهدة .

وبعد ان انهى قراءتها ، لاحظت ان دراسة محتوى هذه المعاهدة يتطلب الوقت الا ان الجنرال رد على : " انه لا يستطيع الانتظار بعد الساعة الثامنة " . ونظرا لقصر هذه المدة الزمنية ، فقد أردت معرفة ما إذا كان الجنرال خلال ذلك سوف ينسحب الى معسكره ، أو وجب على الانسحاب شخصيا . وقد رد على الجنرال : " انه سوف لن يغادر مقر اقامتي قبل ان يتحصل على موافقتى " وقد رددت عليه : " انه نظرا لهذه الشروط ، فان دراسة المعاهدة يصبح امرا لا فائدة وراءه ، وان الحاحه يفسر بأنه وسيلة ضغط للحصول على موافقتى .

الا ان الجنرال تشبت بموقفه ، وقبل فقط تمديد فترة الانتظار الى الساعة التاسعة مساء للحصول على جوابي . ومن جهة اخرى ، خاطبني القنصل بان هذه ، هي تعليمات الجنرال التى لا يمكنه ان يحيد عنها ، واضاف ان شروط المعاهدة لا تختلف البتة فى مجموعها ، عن تلك التى اثارها معي في كثير من المناسبات ، وانه على ضوء ذلك ، وجب على عدم نسيانها . وانه اذا كانت توجد بعض الاختلافات ، فان ذلك لا يؤدى الى اى تغيير هام من شانه ان يستوجب تفكيرا طويلا .

وعلى ضوء ذلك ، فان القنصل والجنرال ومرافقيه سوف يبقون ينتظرون ، فى غرقة اخرى جوابى ، الذى وجب على تسليمه بعد دعوة المجلس واستشارته . وقد لاحظت لهم انه من المستحيل على ان اوافق على هذه الشروط التى تضمنتها هذه المعاهدة . ولكن نظرا لفرضها علينا بالقوة ، فانه لا توجد امامنا أى وسيلة أخرى لتجنبها .

ونتيجة لهذه الملاحظة ، انسحب الجنرال الى غرفة اخرى طلبا لبعض الراحة .

وعندما اختلى بي القنصل ، دعاني الى قبول المعاهدة لمصلحتى الشخصية ومصلحة البلاد التى يحرص ، كما قال ، على ازدهارها . واضاف قائلا : انه في حالة الرفض ، فان مخاطر جسيمة جدا سوف تحصل بسبب ذلك ، وانى اتوسل اليكم بالسعى الى تجنبها " . وقد اعدت عليه القول : بانه من المستحيل على

قبول هذه الشروط المفروضة ، واننى لم أكن اتوقع البتة ان يكون موقف الحكومة الفرنسية بهذا العنف " . وفي آخر المداولة ، وبعد انتهاء المدة المحددة ، تحول الجنرال من الغرفة التى استراح فيها والتحق بي .

وايمانا منى بالوضعية التى وصلت اليها هذه الحالة ، فانى لا استطيع المقاومة دون استعمال القوة ، وعليه فقد اجبرت على الخضوع وليس ذلك بمحض اختيارى . بل بالرغم عنى . ان مسؤوليتى امام الله وامام العباد تحتم على المحافظة على حياة وشرف الاهالي .

وقد خاطبت الجنرال قائلا : نظرا الى أنكم طلبتم مني امضاء المعاهدة ، بالقوة ، فلم يبق لى الا الخضوع " . وقد رد على : " اني اسجل قبولكم ، دون ان اتوقف امام تحفظاتكم " . وقد امضيت هذه المعاهدة التى حررها الفرنسيون على نسختين ، من طرفى ومن الجنرال ، فى نفس اليوم ، وعلى الساعة السادسة والنصف بعد غروب الشمس . وعلى اثرها غادر الجنرال مقر اقامتي

تلك هي تفاصيل هذه الحادثة ابلغها الى سموكم ، كما بينت ذلك عن طريق البرقية التى وجهتها اليكم .

اشترك في نشرتنا البريدية