يعتقد الكثيرون ان كتابة القصة التاريخية أيسر على الاديب وأهون شأنا من كتابة قصة انسانية أو عاطفية أو اجتماعية . . الخ . . ذلك او الاديب لا يبذل جهدا فى البحث عن المادة الخام وانما يجدها متوافرة بين يديه ممثلة فى الاحداث التى تزخر بها كتب التاريخ ينتقى منها ما يحلو له ويفرغها فى قالب الفن فيخرج منها بما يشاء من قصص غير اننى ارى ان كتابة القصص التاريخية هى اصعب الوان الكتابة الادبية فالكاتب فى هذا المجال لا تتوافر له الحرية الكافية فى بناء عمله الفنى فهو ملزم أولا بألا يتجاهل الاحداث التاريخية الرئيسية والا يخرج عنها ، وملزم بعد ذلك بأن يرسم شخصيات قصته ويحركها فى نطاق ذلك الاطار التاريخي المحدود . من أجل ذلك تحتاج القصة التاريخية الى كاتب راسخ القدم على درجة عالية من الامتياز والكفاءة بحيث يحسن اولا اختيار المواقف واللققطات التاريخية التى تجيش بالحركة وتفيض بالحياة ثم يحسن بعد ذلك اختيار الشخصيات التى لا تتعارض مع الواقع التاريخة على ان يكون من بينها شخصية فذة غير عادية تصلح لدور البطولة بما تنفرد به من صفات الشجاعة والاقدام والاحسان الى الغير ومقاومة الظلم . . الخ . .
وتتجلى مقدرة الكاتب فى هذا المجال فى الربط بين الاحداث التاريخية والعلاقات الانسانية التى تزخر بها القصة بحيث تغدو الاحداث التاريخية ضرورة فنية لاكتمال مقومات البناء القصصى وتغدو العلاقات الانسانية وكأنها جزء لا يتجزأ من أحداث التاريخ الكبرى . وعندما اطلعت على رواية " برق الليل " للأديب التونسى الاستاذ البشير خريف وطالعت على غلافها هذه الكلمات .
" هذه قصة شعبية تاريخية بطلها برق الليل الذى عاش احداثا تاريخية خطيرة فى القرن العاشر الهجرى فقد شاهد قدوم خير الدين بربروس
والاحتلال الاسبانى لتونس والمقاومة الشعبية لهذا الاحتلال " ووجدت الدكتور الطاهر الخميرى يقدمها الى القراء ويصفها بأنها ( يمكن أن نسميها قصه غرامية تاريخية ) وقر فى ذهنى على الفور اننى امام منافس للاستاذ محمد فريد ابو حديد الذى قدم الى المكتبة العربية روايات : " زنوبيا وعنتره والملك الضليل .. " الخ . غير أننى عندما أخذت أطالع القصة وانتقل بين فصولها المختلفة حتى وصلت الى نهاية الصحائف دون ملالة او استكراه خطر لى هذا السؤال ، ألا تصلح هذه الرواية ان تكون جزءا مكملا لالف ليلة وليلة التى ظهرت فى المشرق العربى منذ عديد من السنين او بمعنى آخر الا يمكن اعتبارها الجزء الاول من كتاب يطلق عليه ألف ليلة وليلة الجديدة يضم ما يماثلها من أقاصيصيص فى المغرب العربى ؟
ولا يظننى أحد القراء أننى أمزح أو أنتقص من قدر القصة بهذا الكلام وانما هو سؤال ألح وما يزال يلح على بعد ان قرأت القصة مرة ومرات وعشت مع أحداثها وشخصياتها وأرجو أن اعود الى هذه النقطة بشئ من التفصيل بعد عرض القصة .
والآن .. من هو خير الدين بربروس وما الاحداث التاريخية الخطيرة التى وقعت فى تونس فى القرن العاشر الهجرى ؟
هذه أمور نرى من الاوفق ان نجلوها فى ايجاز على ضوء الواقع التاريخى قبل ان نجلو أحداث القصة ذاتها .
خير الدين بربروس أو بربروس الثانى ولد بجزيرة متلين عام 1483 م ( 888 ه ) وبدأ حياته قرصانا تحت ادارة اخيه عروج بربروس الاول وقد تمكن الاثنان فى النصف الأول من القرن العاشر الهجرى من بسط نفوذ الخليفة العثمانى على الجزائر وتونس مما أزعج بنى زيان فى تلمسان وبنى حفص فى تونس وبادر عبد الله الحفصى وأحمد بن القاضى الصنهاجى الذى كان خير الدين قد ولاه أمر قبائل جبال زواره وصنهاجه وسهول متيجة ، بادر الاثنان الى الاتفاق على الغدر بخير الدين والقضاء على سلطانه .
فى ذلك الوقت كان خير الدين بربروس مشغولا بحرب امير البحر أندريا دوريا الجنوى الذى كان يكثر من التحركات فى بحر الارخبيل وق أخذ خير الدين يراقب تحركاته وينزل بأسطوله الهزائم المتتالية إلى ان ارغمه على قصر نشاطه البحرى على حراسة السواحل الاسبانية ومن ثم خلا له البحر الابيض فأسرع الى غزو جزر المورة فى جنوب اليونان ولما انس
وجود نزاع بين السلطان الحفصى ابى محمد الحسن وذوى قرباه من الامراء وجد الفرصة سانحة لاستعادة النفوذ التركى فاستولى على ميناء بنزرت وزحف على تونس فدخلها من باب الحلق فى 18 من اغسطس عام 1534 م (941 ه ) بعد معركة لم تدم الا فترة قصيرة وفى اليوم نفسه أعلن خير الدين بربروس سقوط دولة بنى حفص ولم يسع أبو محمد الحسن الا الفرار إلى القيروان ثم الالتجاء الى ملك اسبانيا بعد ان خذله أهل تونس وفتحوا أبواب المدينة لخير الدين وجنوده .
وقد ساد الذعر الولايات الايطالية من جراء احتلال الاسطول التركى لموانى المغرب الادنى فبادر ملك اسبانيا الى نصرة ابى محمد الحسن واصدر البابا فى روما اوامره الى الدول الاوربية بمؤازرة ملك اسبانيا فى العمل على مناهضة الاحتلال التركى للثغور المغربية فتجمع لديه أسطول ضخم قوامه 400 سفينة حربية تحمل أكثر من ثلاثين الف مقاتل واتجهت هذه العمارة البحرية إلى تونس فضربت حولها الحصار فى يوليو عام 1535 م ( 942 ه ) وبعد بضعة أيام نزلت جيوش الغزو إلى البر فلقيهم خير الدين بجنوده فى قرية الكلخ على مقربة من المدينة .
وكانت سجون قلعة تونس تضم نحو خمسة وعشرين الفا من اسرى الفرنجة فانتهزوا فرصة القتال بين الجيشين وحطموا قيودهم وخرجوا من السجن وحملوا على جنود خير الدين من الخلف فاختل تماسك جيشه وحلت بوحداته هزيمة كبرى انسحب على اثرها الى ميناء عنابة (بونه) ثم عاد بفلوله الى ميناء الجزائر وبالغ الاسبان فى الانتقام من أهل تونس عقب الاستيلاء عليها فاستباحوا حرمة ديارهم ثلاثة أيام وفتكوا بستين ألفا منهم وأعادوا أبا محمد الحسن الى الحكم تحت حمايتهم وفرضوا عليه ضرائب منوعة يؤديها اليهم كل عام واشترطوا عليه اباحة السكنى للافرنج فى تونس وقامة الكنائس والاديره فى ارجائها وامتلاك العقارات والاراضى .
ورحل الجيش الاسبانى الى بلاده فاستطاع أبو محمد الحسن تدبير اموره بعض الوقت ثم ثارت العامة عليه واستدعوا ابنه ابا العباس احمد ليقوم بالامر فيهم وقد كان وليا لابيه على عنابة (بونه) فأسرع بالقدوم الى تونس وفر ابوه الى القبروان فقبض عليه ابو الهول شيخ العرب وسممل عينيه وأشخصه أعمى الى القيروان فاعتقل فيها الى أن مات وانفرد أبو العباس أحمد بالحكم .
أما خير الدين بربروس فقد عمد الى الانتقام من الاسبان بالاغارة على موانى اسبانيا ذاتها وظل يوالى هذه الغارات حتى استدعاه الى القسطنطينية السلطان 1 سليمان الثانى (المعروف بسلييمان القانونى) .
ومات خير الدين فى 4 من يوليو عام 1546 م - 954 ه بالغا من العمر 63 عاما ودفن بالمسجد الذى ابتناه فى بيوك دره . هذا هو موجز الواقع التاريخى .
.... ومن جفاف هذا الواقع ننتقل الى طلاوة السرد القصصى للنظر الى أى مدى استطاع المؤلف ان يمزج التاريخ بالفن .
فى الفصل الاول نرى " برق الليل " فتى فى السابعة عشرة من عمره قسطلى السواد يتفانى فى خدمة سيده (حامد بن النخلى ) العالم الذى وهب حياته للبحث عن حجر الفلاسفة واكسير الحياة وعندما يأتى المساء - كل مساء يريح الشيخ عظامه الواهنة ويسلم عينيه للنوم ، ويسلم قواريره وعقاقيره لبرق الليل الذي يسهر الليل ينتظر غليان العقاقير وقيام زاوية النجوم ...
ويطول الليل ويأخذ الفتى الضجر فيتناول قوارير سيده المختلفة الامتلاء ويختبر ما يصدر عنها من اصداء ويرتبها على الرف ترتيبا منسجما ويدق عليها بمطرقين رقيقين من النحاس دقا مطريا ثم يبدو له تدعيم الجمل الموسيقية بدق آخر فيعمد الى قراب من الجلد يجعلها بمثابة " طيلة " ينيط بقلنسوته جرسا لطيفا فيكبر النغم .
وفى كل ليلة تتكرر نفس الصورة يبدأ بنقر خافت ثم يسرع شيئا فشيئا وتأخذه النشوة فيرقص على الايقاع ويدق بيديه ورجليه ورأسه ويظل يشطح حتى تظهر الرغوة على شفتيه .
وفى احدى الليالى بينما هو غارق فى موسيقاه انسكب الزئبق على الارض واحترقت رجلاه فسمع ضحكة ناعمة فنظر فى الكوة فشاهد وجه امراة باهرة الجمال ورآها تنسحب ضاحكة فى الظلام وصعد الى سطح المنزل يجيل بصره فى الظلمة فلم ير شيئا .
ومرت ليال لم يشاهد فيها هذا الوجه ثم عاود الظهور فجأة فأخذ يتأمل صورته فى المرآة واكتفى بذلك القدر من التطلع ... وذات ليلة التقت
عيونهما فلم يطق صبرا ورفع رأسه يريد ان ينظر الى السماء مباشرة فانسحب الوجه الجميل فأخذ يبكى ويلطم خديه .
ويترك المؤلف برق الليل تائها فى حيرته لكنه لا يترك القارئ كذلك فيعرفه بان صاحبة الوجه الجميل عروس شابة توجه زجها للحج وقام ببناء جدار يسد باب المنزل فترة غيابه ويبين من الحوار الذى يدور بين الزوجة والزوج ليلة رحيله ان الخيرات قد انقطعت عن البلد منذ انقطع عنها الباشا خير الدين ولما تسأل الزوجة عن سر ذلك يقول الزوج : ( أمور بين السلاطين . يظهر ان الحفصى ما عادش متفق معه ) .
وفى احدى الليالى والوحدة تعتصرها تركت حجرتها مفتوحة للنسيم فسمعت موسيقى الزنجى فانتظرت حتى نامت وصيفتها وتسلقت شجرة النارنج ثم جازفت بخطاها تتبع الصوت من سطح الى سطح حتى رأت شعاعا من نور واطلت فرأت برق الليل يشطح بين قواريره فلبثت فترة تشاهد وتستمع ثم عادت ادراجها وكررت ذلك عدة مرات حتى عاد الحجيج وعاد زوجها فامتلأت الدار بالافراح ثلاثة أيام .
وفى احد الليالى وقد استغرق زوجها فى النوم وسكن الليل سمعت الحسناء موسيقى الزنجى فانسلت وطلعت السطح وذهبت وعند رجوعها وجدت زوجها قد خرج فى طلبها وبعد حوار قصير صفعها وطلقها ثلاثا . .
ومثل ذلك وقع لبرق الليل فقد شغله وجه الحسناء عن ملاحظة تفاعل العقاقير فانفجرت نحاسة ملأى بها وأهلك جانبا من القوارير الثمينة والمساحيق النادرة فاستيقظ سيده ليجده مازال يرقص ويدق الاجراس والطبول فأخذ الشيخ يلطم خديه . . فقد كان على ما يعتقد على قاب قوسين أو ادنى من اكتشاف اكسير الحياة فانهال على الزنجى ضربا حتى لاذ بالفرار .
وصل برق الليل الى فندق بالتبانين وجلس بحذاء الابل وفى الصباح سمع القوم يتحدثون (مولاى الحسن الحفصى بات ما اصبح . . البلاد بدون سلطان الترك يقبلون الباشا خير الدين يدخل البلاد) وجد الناس يهرعون الى التفرج فتبعهم الى كدية الفبران ( البفيدار ) فرأى سيلا من جنود الينشرية نخبة الجنود العثمانية وسرعان ما تم التآلف بين الاهالى والجنود الذين انتشروا فى سانية العناب يستريحون تحت الاشجار وتنشأ صداقة بين برق الليل واحد الجنود كان يميزه عن زملائه انه اسمر اللون لا يشبه رفاقه
الشقر ويمازح الفتى الجنود فيتقبلون مزاحه وينتزع عمامة من على رأس ضابط متزمت ثقيل الظل فيضربه هذا بالسوط حتى كاد يقضي عليه لولا ان تدخل الجندى الاسمر ويتشاتم الاثنان الجندى والضابط ويكادان يقتتلان ويعلن الفتى امام الصنجق دار انه عبد الجندى الاسمر شعشوع ويتفرق الجمع ويسير الزنجي وراء منقذه يحمل جولقه حتى وصلا نواحى سيدى شعبان فيقول له شعشوع (سر سر يا أخى في حفظ الله ما انت عبدى ولا أنا سيدك) .
أما شعشوع هذا فله سر عجيب فهو ليس بالتركى وانما تونسى مهنته التجديف كان قد اختطف امراة نشزت عن زوجها الشيخ وبدا له انها مظلومة وتحت ظلام الليل ادركه رجال الامن فافسدوا عليه خطته وبعثوه يجدف بمراكب السلطان ولم يلبث ان التقى بفتيان التركى من الغزاة فاحبت نفسه المغامرة وانضم الى رجال خير الدين ولم ير فى ذلك حرجا فحيثما يرفع المؤذن عقيرته فثم وطنه على حد تعبير المؤلف وبهذه الصفة عاد الى تونس .
ويمر شعشوع بدار الحسناء فتلحظه وتقول له : (غدوة فى المعرض) وهو مكان يقول عنه المؤلف : إنه يقع الآن في سوق الشواشية الكبير .. ويعجب شعشوع من ذلك الموعد لعلمه أن المعرض هو سوق العبيد والجوارى قرب جامع الزيتونة .
ويلتمس الجولق الملىء بالحلى والجواهر مما غنم الترك من سواحل الروم ويقبل شعشوع على الطعام وبرق الليل يرقبه من بعيد ثم يقبل عليه يشاركه مأكله .
وينتشر جنود الباشا التركى فى البلاد ويحار الناس فى شأنهم هل يقاومون أو يرضون بما وقع ؟.. وانقسم الاهالى الى فريقين وانتهز بابا سعفان الفرصة فأغرى بشعشوع عدد من اتباعه وغلمانه فاخرجوه من الفندق وبابا سعفان هذا يحرضهم على القضاء عليه بعد ان استوثق من الجولق ويتدخل برق الليل لانقاذه من أيديهم .. وتحت وطأة الحاجة يعرض برق الليل على شعشوع ان يبيعه ويقبض ثمنه . ولا عليه فهو سيهرب حتما ويعود اليه مرة ثانية .
وفى منزل الدلال يدور حوار لطيف بين شعشوع والدلال تمتزج فيه السياسة بالاساطير بالتاريخ ثم حوار بين الدلال وجواريه يروين خلاله
ما لاقين من قصص وأحوال وطرائف وفى الصباح يبيع الدلال برق الليل الى امرأة عجوز فى حاجة الى خادم يسهر على صحة ابنها المريض وتلمح كوكبة من الينشرية شعشوعا فتناديه فيخرج اليهم على حين صوت جارية زنجية فى بيت الدلال يلاحقه ( شعشوع اش نعمل باش نلقاك ) ولم تكن هذه جارية ولا زنجية . . وانما الحسناء التى اطلت عليه وضربت له موعدا فى المعرض وقد صبغت جلدها ودفعت نفسها الى الدلال حتى تحتال على لقاء شعشوع فيشتريها لبتم لهما اللقاء بعد ان مات عنها زوجها .
وبينما برق الليل يعمل جادا في خدمة العجوز وابنها يقف الشيخ مغوش فقيه البلاد فى المسجد ليحرض الناس على مقاومة الاتراك والولاء للركاب العالى مولاى الحسن الحفصى أعزه الله . . ويستمع له ويؤمن به خلق كثيرون ويخرج الاهالى ويعملون السيوف فى الاتراك . ويصل النبأ الى الباشا خير الدين فلا يبئس ولا يجزع وانما يأتى الى القصبة ثم يخرج الى المتقاتلين بنفسه ويقول المؤلف : (وكان من هيبته فى الثمانين من عمره ومن نشاطه وقوته فى الاربعين) .
ويغرى الشيخ مغوش الاهالى باستمرار القتال وتنطلق النبال ويسأل الباشا عن ضباطه فلا يجد امامه الا الضابط الاقرع فيقول له : - اخرج يا على الى هؤلاء وردهم عن القصبه وجئنى بذلك الشيخ المهذار . - اضرب بالبارود . - لا . - سوف يقتلوننا عن آخرنا . . اكشام باشا شريف لدى . - اطلق طلقات فى الهواء .
وينصرف الضابط ويتمتم الباشا . . وددت لو كان غيره - ان فى هذا العلح لغلظة وفظاظة ويعرض - شعشوع خدماته فهم قومه وهو ادرى بهم ويأذن له الباشا فى اللحاق بالضابط على الفرطاس واحتدمت المعركة بين الفريقين ولجأ الاهالى الى الزيت الساخن فألقوا به على الجنود الاتراك ففرق شملهم ورد على ذلك على الفرطاس بالبارود .
ومن أحد المساجد كان برق الليل يرقب المعركة وأبصر بشعشوع يقول لعلى الفرطاس : اجننت يا هذا القاتل اخوانك المسلمين بالبارود ؟ هل لديهم ما لديك ؟ ألم تسمع الى كلام الباشا ؟ ويسحب الفرطاس المكحلة من
من يد شعشوع ويضربه بها على رأسه ولكن ضربته طاشت وجمع شعشوع قبضة بدء وضرب بها رأس الفرطاس فطرب لذلك برق الليل ولكن حركاته استرعت اليه نظر بعض الجنود الاتراك فصوب اليه احدهم مكحلته واطلق النار فسقط برق الليل يتدحرج على الارض وهو يتساءل أميت هو أم حى ؟ ثم استبان انه لم يصبه الا بعض الرضوض وعاد الى سيدته .
أما شعشوع فقد هبط بين الاهالى صائحا : ( أنا اخوكم ما تخافوش من مكاحلهم ... الماء ... الماء راهى المكاحل تبلت بطل عملها) واخذ الاهالى بنصيحته فذهل الاتراك وحمل الاهالى عليهم بالسيوف ولكن الاتراك فطنوا للحيلة بعد قليل وحاولوا استعمال ما لم يبتل من المكاحل ولكن السماء اصابتهم بسيل فولوا مدبرين ورجعوا الى الباشا يحملون خيانة شعشوع .
وفى غمرة الابتهاج بالنصر يلتقي شعشوع ببابا سعفان ويحاول هذا ان يسترضيه ويعطيه الجولق وكان جوب شعشوع ان دق رأسه ولكنه يمت .
وتحول شعشوع الى الاهالى ينصحهم بمسألة الاتراك الذين لم يريدوا بالبلد شرا ويحاربون الكفار الفجار فرضى عن كلامه بعض الاهالى واستنكره البعض الآخر فانسل من بينهم وانطلق عدوا الى القصبة كى ينظر مع الباشا كيف يكون العمل ولكن قصة خيانته كما رواها على الفرطاس كانت قد سبقته الى هناك وما ان وصل حتى القى القبض عليه اربعة من الجنود واودوه السجن .
وفى منزل العجوز طلى برق الليل وجهه بالكبريت ونظر اليه الفتى المريض وأمه فوجده يتلألأ بنورانية غريبة : خطوط متموجة فى الجبين وحلقات مستديرة فى الخدين وأقواس مصلوبة فى الذقن تعرض عليه ان يتوسط بين زوجين وقعا فى الطلاق وندما ويفهم ان المطلوب منه ان يقوم بدور المحلل فيقبل وتقوده الى دار بالعرافين وجد بها شيخا محترما وعدلين جالسين فوق الدكانة وتمت اجراءات الزواج ووعده الشيخ بصرة كبيرة من النقود يأخذها بعد أداء المهمة . ويختم المؤلف الفصل الاول بهذه الكلمات .
(دخل على عروس ليلة وارجع فيها بصره كرتين فاذا به يرى صاحبة الوجه الجميل تلك التى كان يعبدها فى المرآة وهي تطل عليه من كوة المخبر .. ). ويبدأ الفصل الثانى بحوار عجيب بين الشيخ زوج الحسناء وبرق الليل غداة زواجه من الحسناء . .
الشيخ يطلب منه ان ينطق بكلمة الطلاق ويأخذ الصرة وينصرف لحال سبيله والفتى وقد قضى الليل فى صحبة زوجته يتساءل فى سذاجة وخبث "مسكينة ما عملت شئ علاش الطلاق" وبحركة سريعة يفلت من الشيخ ورجاله الذين اعتزموا التنكيل به ويطلق ساقية للريح ولم يقف الا عند جبل سيدى بالحسن الشاذلى امام البحيرة وهناك يجتر ذكريات طفولته فى غابات افريقية وكيف انتزعه تجار الرقيق من أمه وفرقوا بينهما .
وفى خلوته اخذ يتسائل هل الشابة الحسناء له ام عليه ؟ .. انها لو كانت له فهو على استعداد لان ينظم كل شئ ويأخذها معه الى الربع الخالى .. وقوى به العزم ورجع ادراجه نحو المدينة .. ولكنه لم يدخلها مباشرة وجال بين المدافن - فرأى لصوصا يقتسمون اسلايا فانقض عليهم فتركوا الاسلاب فزعين من غضب الموتى وفى الغد اشترى بعض العقاقير وركب لحية فغد شيخا اسمر يمشى فى ازقة تونس الهوينى .
فى ذلك الوقت كان خير الدين فى حيرة من امره فارسل يطلب على الفرطاس يستفسر منه عن حقيقة ما دار بين جنوده والاهالى وامعن فى توبيخه لما ان علم انه امر باستعمال المكاحل ويطلب احضار شعشوع فيمثل بين يديه على الفور وهو يصيح بأنهم يريدون قتله قبل ان يتكلم ويفصح ، ومنه يعرف الباشا كل شئ ويقول له ( ولذا دعوتك لنتم ما بدأت ، غدا نمضى الى هؤلاء الاكارم نزور سيدى محرز بن خلف ) .
وفى الغداة يتوجه خير الدين ونفر من رجاله لزيارة سيدى محرز وبعيدا عنه يقف جيشه يرقب الموقف ويقرأ الباشا الفاتحة ثم يرمى بأكياس النقود الى الفقراء والعجزة المقيمين حول المسجد فتزغرد العجائز ويقول الرجال يلثمون طرف ردائه ، وتجمهر كثير وانقلبت الريبة والوحشية الى فرح وبهج واستقبال شعبى عظيم وشعشوع يتقدم الموكب ويخترق الجموع يرد السلام باعلى صوته .
وتقدم وجوه القوم يرجون من الباشا ان يشرفهم في المسجد وقد فعل فيهم التواضع والحسنى ما لم يفعل البارود فدخل المسجد وصلى ركعتين واخذ الناس يعتذرون اليه وسأل عن الشيخ مغوش ثم رمى بسبحته الى اقرب الناس اليه قائلا (خذها الى الشيخ ليقبل علينا مكرما) ويعم البشر وكان اكثر الناس فرحا شيخ اسمر ذو لحية يومئ لشعشوع بيديه وراسه وعصاه
ويضحك ملء فمه ذى الاسنان الناصعة .. ولكن انى لشعشوع ان يعرف فيه غلامه برق الليل .
فتحت جميع الابواب واختلط الاهالى بالجنود وامر خير الدين بتوزيع العطايا وعين شعشوع قائدا للقصبة وجعلت القلعة محتشدا للاسرى وفى قصر شعشوع قائد القصبة يلتقى الرفيقان .. شعشوع وبرق الليل وبنعمان بجلسة لطيفة وعشاء فاخر من قصر الباشا .
ويخرج الفتى لشراء بعض الحاجيات من السوق وهناك يلتقى بوصيفة الحسناء التى كان شعشوع قد اختطفها فيعرف الوصيفة وهى له منكره ولكنها ما لبثت ان تعرفت عليه برغم ما كان يغوص فيه من ملابس وتخبره ان سيدتها تبحث عن شعشوع .
ويذهب برق الليل فى صحبة الوصيفة إلى سيدتها فتجن فرحا لرؤيته وتعطيه منديلا مبللا بالدموع مطيبا بالمسك لكى يوصله الى شعشوع .. ويتلقى المنديل راضيا .. ولكن ساخرا من النساء جميعا فهو لا يثق فيهن ولا يأبه لعواطفهن فيعجب الزنجى من ذلك وهو المتيم بالحسناء التى كانت تطل عليه من الكوة والتي ما زالت حتى الآن زوجته الشرعية .
وفى الغد امتلأت رحاب القصبة بالاسرى من الفرنجة فاستقبلهم شعشوع وبرق الليل لكن هذا الاخير ما لبث ان ترك صديقه قائلا له : انه غير مستعد لتحمل المسؤوليات ونزل الى الشارع ليذوب فى خضم الحياة ويتزوج شعشوع محبوبته ولكنه ما يلبث ان يعجب بصديقة نصرانية لها تتردد عليها فأرسل الى مولاها - يشتريها واصبحتا زوجين تدب بينهما الغيرة ويقتسمان عطفه ومودته .
ويلتمس برق الليل رزقه فى كل الدروب وكل المهن .. فيعمل خادما ومساعدا وبناء ويخدم فى الافراح وفى احدى الافراح يجمع مع باقى الخدم يعزفون الموسيقى ويضربون الطبول ويجتمع حولهم خلق كثير وهناك يلمح سيده القديم حامد النخيل فيطارده ويهرب منه بعد ان يقذف بثور هائج بعيدا عن طريقه ويعجب الناس لرجل يمسك بقرنى الثور الهائج ولا يبالى ويهرب من شيخ عجوز ويتعرض فى الوقت نفسه لمطاردة الزوج الحائر الذى يريد ان يرغمه على الطلاق ويكاد يفتك به هو وغلمانه ولكنه يفر من بين ايديهم ويقع في غدير وهو مصاب فى امعائه فلا يلتفتون اليه وتتوق نفسه
إلى صاحبة الوجه المليح فيعمد الى دميتين احداهما بيضاء والاخرى سوداء ويبعث بهما الى البيوت ضمن ما يعرضه من ادوات اللعب والزينة وذات يوم تعود اليه الدميتان معطرتين فيعرف انهما وقعتا فى يد زوجته .. ويبعث اليها من يسألها هل يفرق بين الدميتين او يبقى عليها مرتبطتين ؟ وبعد قليل يوجه الى الزوجة حيث تقيم فى منزل أهلها ويسألها هل يبقى او يذهب ؟ فتدعوه الى البقاء لكن سرعان ما تطلب منه الذهاب وهو حائر لا يدرى لذلك التحول المفاجئ سببا حتى يفاجأ بزوجها الاول ينقض عليه ولكنه ما يلبث ان يفلت منه ليصطدم بالشيخ حامد النخيلى الذى يصيح : عبدى تم تتلقفه العجوز والدة الفتى المريض لتصيح بدورها .. وصيفى .. وصيفى ..
وخرج قائد القصبة شعشوع على هذا الهرج والمرج فعرف فى الزنجى رفيقه برق الليل فزجر النظارة وساق المتخاصمين الى القلعة وهناك انتصب لهم قاضيا ويدور حوار بين شعشوع وغرماء برق الليل الثلاثة الشيخ والزوج والمرأة يفهم منه ان المرأة فقدت ولدها فى الاسر وهو يحارب الفرنجة ويصدر شعشوع حكما نهائيا باتا : على الزوج ان يدفع الصلة لاحد الطالبين ويشتريه من الآخر وعلى العبد ان يصبح ملكا للزوج ويطلق المرأة .. ويدفع للحرمة حالا اسيرا من كورسيكا تستبدله بابنها .. ويستحسن القوم هذا الحكم الذى يقطر حكمة وقبل الانصراف يطلب الزوج امهاله حتى يبيع الزيت فيجاب لذلك ثم ينحنى على شعشوع ويستفتيه فى السكنى مع زوجته فيأذن له على شريطة ان تحتجب عنه . وفى الفصل الثالث نشاهد برق الليل يسير مع الزوج متجهين الى دار البنات ، ويتخذ برق الليل من المعصرة مقرا له وفى الغد يطوف بالاسواق والفنادق يعرض بضاعة سيده ويعود فى المساء الى الغناء والموسيقى وقد انزاح عن كاهله الخوف بعد ان امن المطاردة ومخاطرها .
ويبيع الزوج الزيت ويرسل برق الليل لينبه على السيد حامد النخلى والسيدة العجوز بالحضور يتخالص الجميع وتطيب نفس برق الليل .. لكن فجأة يحدث امر ذو بال يصرف الناس عن كل ما عداه .. لقد استنجد الحسن الحفصى بالنصارى ليسترجع ملك اجداده من خير الدين .. ويصل فارس ينهب الارض نهبا ويتوجه الى جامع الزيتونة حيث يتلو الباشا خير الدين اوراده بعد صلاة العصر ويشيع الخبر : حملة تسد عين الشمس ظهرت اشرعتها فى البحر .
ويخرج الباشا الى الناس ويخطاطبهم فى تؤدة واطمئنان ( سأخرج اليهم وعندها ترون غلائظهم فى البحر شذر مذر ) ثم اعلن التعبئة بين جنوده .
أما شعشوع فتفضى له زوجته الاولى بسر خطير .. ان الزوجة الثانية تسقيه البنج فى القهوة وتتصل ببعض الاسرى .. كذبها ثم هددها .. ثم استرضاها ثم شك فى امره .. فهو يعلم ان زوجته الجديدة تخلص له الحب لكنه يعلم انها نصرانية ايضا وتكره ضرتها واستقر رأيه على ان يتظاهر بشرب القهوة ويريقها فى منديله ثم يرى .. ونفذ الخطة وكادت تمزق شعرها عندما عرفت انه شرب القهوة فعلا هذه المرة لكنها تماسكت وقبلته وانصرفت وتبعها دون ان تشعر الى حجرة المطبخ حيث شاهدها تكشف عن فوهة فى ارضه وتلوح فيها بقنديل فيخرج اليها عبد الله غومير احد اسرى الفرنج الذى تظاهر بالاسلام والاخلاص لخدمة الجيش التركى .. وكان غومير هذا قد عهدت اليه اسبانيا بامر جليل هو ان يجمع كلمة الاسرى من الفرنجة ليكونوا على اهبة لانتفاضة داخلية يساندون بها الحملة الخارجية وقد رسم خطته على اساس النفاذ الى قلب زوجة شعشوع الثانية مذكرا اياها بالنصرانية واعدا اياها بالزواج .. ويسمع شعشوع حوارهما ويفهم منه انه ما دس له اخيرا هو السم وان زوجته نادمة على ذلك فيصرفها غومير مذكرا اياها بما ينتظرها من مجد وتلتقط اذن شعشوع كلمات يفهم منها ان العدة اعدت للخلاص من خير الدين باهدائه سطلة مسمومة ارسلت اليه مع احد الصنائع من المورسيك هذه السلطلة يموت من يضعها على رأسه بعد ساعتين اثنتين .
ولم يطق شعشوع صبرا قفز الى أول جواد صادفه وانطلق يجرى الى الباشا اما برق الليل فقد شاهد زوجة شعشوع الاولى حائرة خائفة فأوصلها الى دار أهلها وسلم حراسة الاسرى الى غومير الخائن وهو لا يدرى عن خيانته شيئا فلما وجد الاسرى قد حطموا الابواب وانتشروا فى البلاد .
وصلت طلائع السفن الاسبانية إلى حلق الوادى ليلا ونزل منها الجنود وزحفوا على الحضرة فاصطدموا فى خربة الكلخ الجنود الترك الذين ردوهم على اعقابهم فما طلع الفجر الا وكان الباشا قد استرد الثغر كله وافنى كل من نزل من الاسبان .
ويصل شعشوع الى خير الدين ويصرخ فيه ان ينزع السطلة لانها مسمومة وينزعها ويلحق احد الضباط بالخائن الذي اهداها وهو يحاول الفرار . ويسأل الباشا لمن تركت القصبة فيجيبه : حياتك افضل من كل شئ .
وتأتى الانباء بتحطيم أبواب القصبة ونهب خزائن السلاح وانطلاق الاسرى فى البلاد يقتلون ويخربون وقدر خير الدين خطورة الموقف فانسحب فى حركة لولبية بارعة وعهد الى شعشوع بمنصب كبير فى الجيش واقسم انه على موعد مع النصرانية ويعقب المؤلف على ذلك بقوله (وبر الباشا بقسمه فانه بعد ثلاث سنين اوقع النصارى فبعث باسطولهم كله الى قاع البحر فى خليج بريفزا) .
ويغرى شعشوع برق الليل بالرحيل معه فى خدمة الباشا يركبان البحر و يعيشان فى جو المغامرات ولكن برق الليل يعتذر بأنه على موعد مع الزوج بعد يومين ليتم الجميع العقود الثلاثة فكيف يمكنه التخلف .
دخل الاسبان القصبة وأمر قائدهم " شارلكان " باقامة كنيسة هناك شكرا للبتول .
وفى اعقاب الغزاة دخل السلطان الحسن الحفصى فتبوأ عرش أجداده واختلط الغزاة بالفرنجة الذين كانوا فى الاسر واستباحوا الحاضرة ثلاثة ايام وهجموا على الاسواق وهى مفتوحة فاخذوا الامتعة وقتلوا وسبوا خلقة كشرا وأتوا من الفضائع فنونا فبقروا البطون واحرقوا المنازل بأهلها ومزقوا الاشلاء واعتدوا على الارزاق والارواح والاعراض .
ويلتقى برق الليل وهو يتميز غيظا بالزوج يستنجزه وعده فيعده ان يتم له ما اراد وزيادة اذا ارتحل الاسبان فيضرب له برق الليل وكأنه يقرأ الغيب موعدا يوم الخميس التالي .. وكان يوافق الثامن من اغسطس 1535 .
ويقول المؤلف (ولما كان يوم الخميس الذى عينه برق الليل لم يبق فى الحضرة من الكافرين ديار) .. وأيقن الزوج بكرامة هذا الزنجى وازدا تقديرا له .
واجتمع شمل النخلى بالزوج والمرأة العجوز وتمت العقود الثلاثة ونطق برق الليل بالطلاق .
ويقيم الزوج الولائم ويدعو برق الليل للدخول للمنزل لقضاء بعض اللوازم وهناك يلتقى بصاحبة الوجه الجميل ويعرف منها ان اسمها ريم ويعاود دخول المنزل لاحضار الشراب ويلتقى بها ثانية ويدور بينهما حوار قصير يتذكران
فيه ما مر بهما من احداث ويبكى بين يديها ، وقالت له ، ( وين ما تحب ترانى ترانى) .
وفى منزل الزوج يعود برق الليل الى موسيقاه وشطحه وتطرب ريم لسماعها وتذكرها بما سلف من ايام .
وفى فجر اليوم التالى دخل برق الليل ليأخذ متاعه من المنزل فوجد الجميع نياما الا " ريم " ويدور بينهما حديث هامس تحاول خلاله اثناءه عما اعتزمه من رحيل ليلحق بشعشوع ولكنه يبتسم ويرفع يديه ويقول القوارير ، وتدف اليه بصرة نقوده فيجد ما بها قد تضاعف فتقول له والعبرات تخنقها (شوية عوين للطريق ) ويأخذ ( عصا التسيار ) ، ويثبت فيها الصرة ويضعها على كتفه ويمضى مع نسيم الفجر .
ويختم المؤلف قصته هكذا (قبل ذلك بيومين يرى الرائى زنجيا يأتى ربوة سيدى احمد السقا ويصب فيها مسحوق الزرنيخ الازرق الذى يجعل المثقال من المطر من الماء ناقعا زعافا فأصبح ماء آبار القصبة السبع مسموما .
قال المؤرخ ومن الغد مات من عسكر شارلكان كل من ورد وذهب لحمهم بالجذام فترك سلطان الروم ما بدأ من كنيسة صارت فيما بعد المدرسة الصادقية وأصبحوا لا ترى الا أماكنهم) .
والقصة كما نرى قد التزمت الواقع التاريخي الى حد كبير فالمؤلف لم يخرج عن الاحداث التاريخية الكبرى ولم تقف تلك الاحداث عقبة فى سبيل بناء القصة وانما على العكس طوع تلك الاحداث فلم تبد كأنها دخيلة على القصة وانما بدت جزءا متمما لها أما اضافة المؤلف الى التاريخ فلا يعدو الجزئيات وهو امر سائغ لكاتب القصة التاريخية ولا تثريب عليه فى ذلك طالما لا يتعارض مع السجين الاسبانى مثل ذلك تآمر زوجة شعشوع عليه والحقيقة ان المؤلف قد احسن اختيار القعقة التاريخية التى جعل منها مسرح لاحداث قصته فهى فترة من تاريخ المغرب تنبض بالحياة وبالاحداث المثيرة كما انه احسن اختيار شخصياته سواء من بين شخصيات المجتمع او شخصيات التاريخ .
فهذا برق الليل يمرق فى ظلام الليل ووضح النهار كالاسطورة يحب ويكره يضحك ويبكى يعمل ويتبطل وفى النهاية يرحل بعد ان يسمم الابار أمام
الغزاة الغاصبين وهذا شعشوع تونسى الاصل تركى الولاء فى أعماقه صراع بين ولائه لقومه وولائه للراية التى يعمل تحتها .. تم لا يجد حرجا فى التوفيق بينهما بعقد الصلح بين الفريقين فذلك أجدى فى نظره و نظر الكثيرين من قومه من الخضوع للوالى الحفصى الذى يدين بالولاء للفرنجه .
وهذا الباشا التركى واسع الحيلة شديد الذكاء يتظاهر بالاعتزاز بالرابطة الدينية التى تربط المسلمين فى جميع انحاء الارض ومع ذلك يحدق به الخطر من كل جانب فلا يملك الا الانسحاب واعدا ولا تمر سنوات ثلاث حتى يبر بوعده وينزل بالفرنجه وباسطولهم ضربة قاضية .
وهذا يسوقنا الى هذا السؤال : من هو بطل هذه الرواية هل هو برق الليل او شعشوع او الباشا التركى ؟
ان دور البطولة يقتضى ان ينفرد احد شخصيات الرواية بالجزء الاكبر من اهتمام المؤلف والقارئ على السواء وبرق الليل هنا وان كان المؤلف قد القى الضوء على جوانب عدة من شخصيته وتصرفاته الا انه كثيرا ما كان يحتجب خلف الاحداث الكبرى بل ولم يضطلع فى القصة كلها بدور ايجابى له قيمته سوى تسميم الابار وقت رحيله .
فبرق الليل يسرق اللصوص فى المدافن ولا يرعى حرمة الموتى وشعشوع يخطف امرأة من زوجها ولما تبعث اليه بمنديلها مبللا بالدموع يسخر منها ومن عواطف النساء جميعا وما ان يتزوجها حتى يعجب بصديقتها النصرانية ويتزوجها ايضا ويجعلها موطن سره مما عجل بوقوع الكارثة .
وهذا الباشا التركي وان كان ينصر العرب على الفرنجه ، ويحارب الخونة والدخلاء الا انه نشأ قرصانا يعتمد على النهب والسلب وظل كذلك فترة طويلة من الزمان .
والذى يبدو ان امتزاج العنصر الاجتماعى بالواقع التاريخى وتشابك احداث القصة وتعدد الوان الصراع من ثم ما بين عاطفى وسياسى واجتماعى كل ذلك وان كان قد افاد البناء الفنى للقصة الا انه حرم القصة فى النهاية من ظهور شخصية تنفرد بالبطولة وتكتمل لها مقوماتها .
ونعود الى شخصية برق الليل بشئ من التأمل والدراسة .. هذه الشخصية ليست غربية علينا ولا أريد ان اقول ان شخصية برق الليل هنا مستوحاة من شخصية عنتره العبسى الفارس الاسمر ، كما رسمتها القصص والاساطير
العربية فعنتره كان يقوم بدور قيادى فى تلك القصص والاساطير وقد اكتملت له مقومات شخصية البطل التى يفتقدها برق الليل .
ولست ازعم ان شخصيتى برق الليل وشعشوع قد استوحاهما المؤلف من شخصيتى لينى وجورج رفيقى السفر والكفاح فى مسرحية شتاينبك " رجال و فئران " ذلك أن برق الليل وان تشابه مع زميلة لينى فى القوة الجسمانية وارتباطه بصديق أوفر حظا من المعرفة وأكثر خبرة بالحياة الا ان برق الليل كان يبدو دائما على عكس لبنى مستقل الشخصية حاضر البديهة سريع الحركة ولكن الذى اكاد اجزم به ان المؤلف قد استوحى شخصية برق الليل من شخصية العبد الاسود فى مقدمة الف ليلة وليلة وهو العبد الذى تسبب فى أن يقتل شهريار زوجته وكل زوجة تليها حتى وقع فى حبائل شهرزاد مع فارق بسيط هو ان مؤلف برق الليل لم يقع فيما وقع فيه مؤلف الف ليلة وليلة من تورط العبد فى علاقة آثمة تودى فى النهاية بحياته وحياة المرأة التى اسلمت اليه قلبها وهى الملكة فى ألف ليلة وليلة وريم فى رواية برق الليل وجعل اديبنا التونسي لقاء العبد بالمرأة فى اطار علاقة الزوجية التى اريد لها ان تكون وقتية وطارئة ، ومرجع ذلك هنا وهناك ضرورة البناء القصصى فألف ليلة وليلة تقوم اساسا على ضبط العبد متلبسا بجريمته وما تلا ذلك من انتقام بشع وكان ذلك التمهيد الطبيعى لظهور شهر زاد على مسرح الحوادث لكى تروى على مسامع شهريار القصص والاعاجيب ، أما فى رواية برق الليل فقد اقتضت الضرورة الفنية ان يظل الزنجى الاسود حيا حتى آخر صفحة من صفحات الرواية حتى يشاهد الاحداث الجسام ويشارك فيها بالقدر الذى اتيح له ثم يودع فى النهاية محبوبته آسفا وهو فى طريقه الى المجهول وليس هذا هو الخيط الوحيد الذى يشد هذه القصة الى ألف ليلة وليلة وانما ايضا الجو العام للقصة ورسم الشخصيات .. فان من يطالع القصة يشعر للوهلة الاولى انه يعيش فى جو مشبع بسحر الف ليلة وليلة وخيالاتها واوهامها ويشعر ان هذه الشخصيات التى يراها تسير فى شوارع تونس سبق ان التقى بها او بمثيلاتها فى شوارع بغداد ودمشق وبلاد واق الواق فهذا شيخ وقور يخلط العقاقير ويرصد النجوم ويعد العدة لاكتشاف اكسير الحياة وهذا عبد زنجى يرقص نشوان ع صوت الموسيقى صاخبة وامرأة حسناء يغيب عنها زوجها فتقفز من سطح الى سطح يجذبها صوت الموسيقى وتطل على الزنجى وتختفى كالاسطورة وبجانب ذلك الدلال وجواريه والعجائز والصبية والسيد والغلمان والدسائس والمكائر والمؤامرات .
اذا كان السيد المؤلف لم يقرأ الف ليلة وليلة فأنا اهنئه على خياله الواسع العريض واذا كان قد قرأها فأنا أهنئه ايضا على حسن الاستفادة من تراثنا العربى القديم وهو امر لا ينقص كثيرا من قدر القصة ولا يصح ان يوجه اليه بسببه لوم او .. عتاب .
واذا كان هناك ثمة مجال للعتاب فهو ان المؤلف ترك فرصة ذهبية تضيع من بين يديه ولم يهتبلها هى فرصة ابراز بطل وطنى من بين صفوف الشعب التونسى يقود مقاومته ويذكى شعوره القومى ضد الغزاة والدخلاء والخونة على السواء .
ولعل المؤلف قد استشعر اهمية وجود مثل هذا اللون من الوطنية فأشار فى الكلمة المنشورة على غلاف روايته الى ان برق الليل قد شاهد المقاومة الشعبية للاحتلال الاسبانى ومع ذلك فالقصة تكاد تكون خالية من كل لون من الوان تلك المقاومة الشعبية اذا ما استثنينا تسميم الابار فى السوط الاخيرة .
ولا يفوتنى انوه بان هذه القصة قد نالت جائزة بلدية تونس ولا اخالها قد نالت تلك الجائزة التى لها اهميتها فى القطر التونسى الا عن جدارة واستحقاق .
وأخيرا فاذا كان الدكتور طاهر الخميرى قد تمنى فى ختام مقدمته ان يرى هذه القصة فى صورة فيلم يعرض على الشاشة البيضاء قريبا فاننى اتمنى ان اراها قبل ذلك فى طبعة جديدة فى المشرق العربى وقد استبدل المؤلف بحواره الدارج حوارا عربيا سليما فنحن أحوج ما نكون اليوم الى امتزاج الثقافات العربية المتعددة المنابع والمصادر والف تحية لادباء المغرب .
