الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

برق الليل

Share

-3-

وناول المقدمة عنده من الجوارى مفتاح بيت الخزين ، واذن لها ان تأخذ ما يلزمها من دقيق وعسل وسمن ولوز وماء ورد ، فرجعت الى رفيقاتها تلهج بما رأت من ظرف الزنجى وشهامة سيده

وكان اكثرهن قد نام بعد ان بكين حظهن وقصصن سبب سبيهن وفراقهن الاهل والاحبة وبيعهن

فمن صبية سبيت فى غارة على ساحل الكلابر وقتل اهلها جميعا ومن عقيلة مسافرة مع زوجها على متن مركب فسبيت وسيق رجلها أسيرا ومن سوداء فرقوا بينها وبين اهلها ومن عروس اختطفت ليلة عرسها ومن نبيلة خرجت تتنزه مع وصيفتها على شاطئ بلنسية فاقتنصتها القراصنة

وتساءلن عن مصيرهن وادركهن النوم فى بكاء واجهاش . الا زنجية ذات حسن وجمال وقد واعتدال فانها كانت تبدو سعيدة ، سعيدة . . . تهمس من حين الى حين فى اذن دادة لها وتضحك

ايقظتهن الجارية المقدمة ، فقمن لاعداد هذه المأدبة الليلية . وتبدل حزنهن الى مرح وسرور . وما ايسر مرح الغوانى وسرورهن واستحالت شكواهن وتوجهن الى فكاهة وسخرية من بعضهن وبدأت حكايات اخرى . فقصت احداهن كيف اثارت فتنة بين مختطفيها . وذكرت ثانية كيف عشققت سيدها وما بذلته من مكر فى السوق حتى لاتباع . والتي علقت لصا جاء يسرق مواليها فأصبح يختلف عليها فتعطيه من اثاثهم ، والتى باعتها سيدتها فى غياب سيدها لانها نازعتها الغرام . . . ولما جاء دور الزنجية الحسناء اكتفت بأخذ طرف منديلها وبلته ودكت به لمعة فى عضدها ، فظهرت بيضاء من غير سوء . . . فارتمين عليها يسألنها ، فلم تجبهن والتهتهن بالضحك والمزاح والغناء ودادتها تستنكر مزاحها

وبعد ساعة ، صاح الدلال :

- اذقننا من غزلكن يابنات .

وامر برق الليل ان يقوم على رأسهما . ففرحت الجوارى بدخوله وصرن بتفكهن منه ومن الزنجية الحسناء على انهما عشيقان فاظهر الزنجى انه يعشقهن جميعا ، بدون تمييز عنصرى وعمد الى الحلواء يلتقمها من بين ايديهن ويسعى

بينهن وبين السادة . ثم ان الدلال قام الى فراشه . واضطجع شعشوع على المصطبية استعدادا للنوم وراحت افكاره تهيم بتلك التى ضربت له موعدا فى المعرض غدا . وراحت الزنجية الحسناء تنتظر الفجر وتمنى النفس بلقاء تنتظره من سنين .

وبقيت الجوارى وبرق الليل يتناولون مافضل من حلواء ويتجاذبون اطراف الحديث وذكرت كل واحدة ما تحسن كالطب والطهى والتطريز والضرب بالآلات فلما ذكر الطرب بادر برق الليل الى قوارير وقدور وكاسات وصحون فاختبر رنينها ورتبها كما يعلم واخذ مطرقين وبدأ نقره المطرب وشطحته الممتعة . فاعجبن به واشتدت خمرته . وتذكر تلك التى كان يشطح لها وهى توحى اليه بالنغم البديع . وتمنى - وقد حرمه الله مخبر السيد حامد بن النخلى - ان يبقى فى هذه الدار . فهذه العيون المختلفة الالوان والمعانى ، قد تسليه عن تلك التى لامثيل لها

سرت عدوى الخمرة الى الجوارى ، فعلا تصفيقهن وترنمهن والزنجى فى وسطهن كالمحموم ، حتى استيقظ الدلال ، فنهرهم جميعا وامر بالمنام فتفرقت الجوارى آسفات على تشتت شملهن من الغد فى السوق وقال برق الليل :

- ما احلاكم ، بكلكم ، حتى من ها الوصيفة ، عمرى ماريت وصيفة كيفها . انا غدوة يبيعونى لامرأة ولدها مريض ، والله الا ما نرجع لكم حتى لو نقتله ها المريض

دخلت الجوارى حجر تهن وانكمش الزنجى عند رجل شعشوع وخيم الهدوء على الدار .

وعند الفجر ، قام الدلال يزجر رقيقه ويضرب بهن لينهضن ويغتسلن ويتبرجن استعدادا للسوق .

خرج الدلال وعاد بعد هنيهة مع عجوز . فوزن عليها المال ودفع اليها الغلام واخبر ان لا سوق اليوم . وان البلاد قائمة .

ومرت عند ذلك كوكبة من الينشرية . فلمح احدهم شعشوعا فجعلوا ينادونه . فخرج وانضم اليهم . بينما صوت الزنجية ، صاحبة اللمعة البيضاء

- يلاحقه

- شعشوع ، اش نعمل باش نلقاك !

هذا النداء الصادر عن قلب ينازع الاحداث محبوبه والاحداث تنازعه . هذا النداء هو نداء الحسناء ، تلك التى اختطفها شعشوع من دار جواد وذهب من اجلها الى الكراكة ، وهى التى اطلت عليه أمس من المشرفية وضربت له موعدا بالمعرض .

لقد توفى زوجها الهرم بعد ان ارغموها على الرجوع اليه بقليل وغدت تقضى أيامها فى قلق الارامل الثريات اللاتى يجدن كل شىء الا جوابا لنداء قلب متفتح خال ، بحثت عن شعشوع ، وبثت فى طلبه العجائز الخبيرات ، فلم تقف له على اثر ، الا انه فى البحر فراحت تملأ وحدتها بخيال ذلك الذى داس قوانين الناس كلها لينقذ شبابها من الغبن . فوقع فى الكراكة . فكانت تراه فى احلامها ، فى حالتى اليقظة والمنام . الى ان رأته من الروشن فضربت له موعدا فى المعرض ثم انها صرفت خدمانها وابقت ة لها وفيية أمينة لتعينها على ما بيتت عليه العزم . فدخلت حمامها وصبغت نفسها سوداء ولبست لباس العبيد واخذت كيسا من الجوهر ودفعت نفسها الى الدلال كى يشتريها شعشوع وكذلك باتا فى دار واحدة وهما يبحثان عن بعضهما ولم يعرفا قربهما الا بعد ان لم يعد للقرب سبيل . وحالت الاحداث بينهما . فحملت شعشوعا لتلقى به فى خضم يوم عظيم .

مضى الزنجى يتبع مولاته الجديدة . مخترقين المدينة نحو الحفصية فوجد الناس يحصنون ابواب السور الداخلى ويقيمون السدود والحواجز فى فلول كانت به وفى ثغور لا يشملها ، كالثغرة التى ما بين باب سويقة والشارع المؤدى الى باب بوسعدون . ويوقدون النيران ، ويجرون الزيت ليحمى ويصب على العدو . وامتلأت الشوارع وضاقت بالفرسان المدججين بالسلاح ، فكان مأخوذا بهذه الاستعدادات مبهوتا ومولاته تجره من يده وتسرع الخطى خوفا مما فيه البلاد .

رأى جزارا يدخل جزوره الى دكانه وترك - فى عجلته - جانبا منها . فتوقف ولم ينصرف حتى اذنت له فى أخذ شىء منها ، فانحنى يلتقط ويمزق وهى نجذبه ، فلم يستو حتى حصل على شك يقطر ، به شىء من الكبد والسنام وسار وراء مولاته حتى وصلا .

دخلت العجوز ، وعمدت الى الدلو فغمست فيه رجل العبد . ودهنت له قصته بالزيت وقادته الى ابنها المريض وهى تدعو ان يكون مباركا عليه بالشفاء والعافية . ثم نزعت حائكها وبادئ تجس جبين المريض وتنظر ما تأثير الضمائد . التفتت فلم تجد الزنجى .

- ياغلبة ! وأين مشى ها الوصيف الاعمى ؟

سمعت حركة فى المطبخ فدخلت . فوجدته يؤجج نارا

- اش تعمل يا وليدى ؟ فى عوض تقعد بحذاء سيدك ، تشوى لى ها الفرت المسود ؟

- هذا كه الدواء ليبرأ سيدى .

- وه ! لحم الجمل دواء !

- ايه ، سيدى الصغير عينيه صفراء . دواه كبدة الجمل

- بجاه ربى ! اوه ها الوصيف قداش يعرف !

وبعد ساعة ، خرج من المطبخ يلتقف قطعة من الكبد مشوية وملفوففة فى شحم الصفم المريض فاستساغها وتحاى وطلب المزيد . ففرحت الام ورجع الزنجى - باستحقاق - يشوى وينصت الى قرقعة السلاح وصهيل الخيل وهيجان الناس

ذلك ان الشيخ مغوش ، فقيه البلد ، لما اجتمع الناس فى المسجد لصلاة الصبح ، قام فيهم خطيبا وكان قصيرا ، بطينا ، اسمر ذا لحية سوداء مستديرة شائكة وعينين براقتين ، فحمد الله واثنى عليه ، ثم ذكر القوم بواجب الوفاة للركاب العلى - اعزه الله - مولاى الحسن الحفصى . وحرضهم على قتال الاتراك . فذهب بعضهم يتهيأ للحرب ويأخذ سلاحه وأراد بعضهم ان يتكلم وخرج اثرهم الشيخ ، فهبط الى الشارع فى حماس مستعر ، يامر وينبه ويتلو الايات القرآنية وارسل رسله الى المدينة وربض باب الجزيرة ان يدخلوا مع اخوانهم فى مقارعة الدخيل . والملتقى فى القصبة . . .

دخلت العجوز على عبدها فى المطبخ وقالت له

- سيدك عطش يابرق ، امش ، يعيش ولدى ، جى بشربية ماء من بير سيدى محرز .

خبأ الزنجى اللحم فى خزانة المطبخ . وأخذ البوقال وخرج

وجد الفنادق والمخازن والاروية خائضة . والاهالى يسرجون الخيل ويفرقون السلاح على بعضهم بعض والنساء تخلط الحناء ليصمن بها من يفر من الجها ويزغردن بغصة .

مال الى بئر سيدى محرز ، فملأ بوقاله واتجه الى الدار . غير انه لم يتغلب على رغبة ملحة تحدوبه الى دكان الجزار . فعرج عليه فوجد بقية الجزور ، فتخير منها شحمة رقيقة غشيت الكرش والامعاء اعجبته فمزقها وخطا فتبعه المصران فلفه كله تحت ابطه ومضى . . . فى ذلك الحين ، سكنت جلبة الناس وعم هدوء اوقع فى النفس من الجلبة . فقد امر الفقيه بفتح باب السويقة وأذن فى الناس بالجهاد . فقامت تكبيرة الى عنان السماء ، تكبيرة على انفس تتقد حياة ستموت بعد حين . وزادت النساء فى الزغردة وعادت الجلبة بأشد مما كانت . فلف الزنجى مصرانه تحت ابطه وعاد يولول الى الدار .

فخلا الى نفسه فى المطبخ وانصت قليلا الى قرقعة الحرب ثم ملأ دلوا من

البئر وجعل يغسل المصران ويتأمله . فعجب لطوله ودفع فيه الماء ونظر الى سريانه وتهادى الفقاقيع وما تحدثه من قرقرة مطربة . وبينما هو غارق فى تأملاته . تسرب اليه قط اشخم مسن واخذ يشاغبه . فقبض عليه وحبسه فى الخزانة وعاد الى تجاربه وتأملاته .

أخذ قمعا وأثبته فى طرف المصرانة وأما فيه الدلو . وأخذ الطرف الآخر وضغط عليه ، فانبجس الماء فى سلك دقيق شديد فعجب وزاد اهتمامه واعتبر ذلك فتحا مبينا . اخرج القط وجعل يصيده بذلك التيار . والقط يتهرب فى زوايا المطبخ وهو جاد فى عمله تارة ، ومغرق فى الضحك تارة اخرى

فى الخارج ، كانت الحرب قد لقحت بين اتباع الشيخ مغوش والاتراك . فان هؤلاء كانوا يتجولون بباب البنات ، فما راعهم الا والاهالى يخرجون عليها بخيلهم ورجلهم ويعملون فيهم السيف . فبهتوا ووقع منهم قتلى كثيرون .

وفر الباقون الى القصبة : وارسلوا من يخبر الباشا بما جد . وكان فى حلق الواد يجوب المرافئ ويركز اسطوله . وذاع خبر ظهور الاهالى على الاتراك .

فانضم اليهم نفر من المدينة وربض باب الجزيرة وزحفوا على القصبة .

وصل الباشا عند الظهر . فدخل القصبة من باب غدر واستوضح الامر من اهل ثقته ثم خرج الى المتقاتلين بنفسه من باب انتقمى .

وكان من هيبته فى الثمانين من عمره ، ومن نشاطه وقوته فى الاربعين . تحيط بوجهه الازهر لحيته الحمراء المشهورة التى جلبت اليه لقب باربروشه ، فصارت النصرانية ترتعد عند سماعه وكان يتعهدها بالخضاب . فى عينيه زرقة البحر وعمقه

وكان فى قفطان احمر ضاف . موشى بأسلاك الذهب ومن تحته ثوب خز اخضر وصدرية مطرزة وعلى راسه مكورة من الشاش الموصلى ، وفى وسطه ، محزمة البحرية وبها طبنجتان مرشوقتان وثلاثة خناجر جنوية منقوشة بالفضة ومرصعة بالحجارة الكريمة . وفى رجليه بابوج اصفر مطرز .

ومن خلفه الينشرية فى سلاحهم الكامل

رأى فى اسحبة من الغبار فرسان الاهالى فى أحرمتهم الفضفاضة تشدها مناديل من الحرير الملون وهم على خيلهم العربية المشمرة ، رآهم يحملون بسيوفهم الوامضة فى الشمس على شرذمة من عساكره . فأشار بيده ان كفوا " وأراد الكلام . فأمسك أكثر الناس . لكن الشيخ مغوش ، الذى كان يتعثر وسط المعمعة على بغلته السمينة صاح فيهم :

- هو ذاك كبيرهم . فاجهزوا عليه يا ابناء الكلب

وبدأت النبال تنطلق ، فابتسم خير الدين ابتسامة مرة ورجع الى القصبة التفت حوله ونادى

- سنان رايس . فقيل له " برا " - درغوث

- برا - دلاجى ، باكير - عراب

كلهم برا بدا عليه القلق واعاد نظره حوله ، فرأى الضابط الاقرع فقال له :

اخرج يا على الى هؤلاء وردهم عن القصبة وجئنى بذلك الشيخ المهذار - اضرب بالبارود

-لا

- سوف يقتلوننا عن آخرنا . اكشام باشا شريف لرى

- اطلق طلقات فى الهواء

انصرف الضابط وتابع الباشا .

وددت لو كان غيره . ان فى هذا القلج لغلظة وفظاظة تقدم شعشوع عند ذلك . وكان متكدرا مما يرى من تقاتل بين اهله واحبابه . على انه تذكر رغبته فى دق عنق بابا سعفان فقال :

- يا حضرة الباشا . انهم قومى واعرف كيف آخذهم . فلو كلفتنى بهم .

- آه ! الكراكجى شعشوع . أصبت . ادرك الفرطاس وكن معه

وكان على الفرطاس قد خرج يلغط فى فريق من الينشرية . فأطلق البارود فى الهواء وققصت طلقات اخرى من عسكره ، كانها الصواعق فانبعثت فقاقيع دخان تبددت فى الهواء القائظ وانتشرت رائحة البارود . جفلت الخيل ، وكرت الينشرية . وانهالو عليهم بالسيوف والاسنة فمات من الفريقين خلق كثير انتشرت جثثهم بين باب البنات وحومة العلوج . بعضها يجره جواده . .

كل ذلك وبرق الليل يلهو فى المطبخ . وقد اخلته له مولاته فأخذت جميع لوازم الطبخ وركبت قدرها فى غرفة ولدها لكى لاتفارقه . فأذاق القط الوانا من العذاب بتيار الماء المنبعث من المصران . وكلما رأى منه اعياء ، نفحه بقطعه لحم .

امرته مولاته ان يأتى لها بقطنة من زيت الجامع لتغلف ابنها فترك المطبخ وخرج .

وحد الشوارع قفراء وقرقعة الحرب شديدة من ناحية باب السويقة . فأراد ان يطلع ، فتقدم قليلا نحو المعمعة ، فرأى رجالا ثيابهم ممزقة ودماؤهم سائل يحملون الجرحى والقتلى . فانكر ذلك وفضل الرجوع الى المطبخ واكل الشواء فى دعة وسلامة مع قطه على هذه المخاطر . فارتد بلطف ودخل الجامع ليأخذ الزيت وينصرف الى حال سبيله .

صاح المؤذن يدعو المؤمنين الى الصلاة والمؤمنون يتقاتلون فرفع الزنجى راسه وقال فى نفسه ان الصومعة لمرصد حسن للتفرج على القتال بدون خطر ، ولبث ينتظر حتى نزل المؤذن وصلى بمشيخة وصلى معهم برق الليل . ثم صبر حتى انصرف المصلون واقفر الجامع فطلع الى الصومعة . رأى جموعا متراصة تعتلج فى بعضها وتصرخ . فاطمأن الى مرصده واخذ يتأمل . فقابله الميدان بأكمله والسور يقسمه .

من هنا التحضيرات ومن هناك القتال

اكتظ الاهالى على الباب والاتراك فى اعقابهم يلزونهم بالسور وهناك تفطنوا الى ان البارود لم يقتل منهم احدا . وان الطلق كان للتخويف فحسب . وانما العمل بالسيوف والحراب التى لهم مثلها . فواجهوا اقرانهم وصمدوا تحت السور بشجاعة وصبر . ثم عمد الاهالى الى حيلة حربية فتسربوا الى الداخل تاركين المكان فانقض فيه الاتراك محاولين دك الباب فطلع عليهم الزياتة وصبوا من السور الزيت الحامى . فوقع يتمرغ فى التراب كل من مسه السيل الجهنمى

لم يدر الزنجى لأى الفريقين ينتصر ولبث يعجب للفتكات الجميلة مهما كان مصدرها . قرع سمعه طلق البارود . فطار لبه فرقا ووقع مغشيا عليه .

لكن الطلقات توالت وقصفت فى الهواء فرفع رأسه رويدا والقى ببصره فى المعمعة . واذا به ينتصب واقفا وقد ذهب عنه الوجل .

بصر بعلى الفرطاس ، ذلك الذى ضربه فى سانية العناب ، رآه يخوض اهوال الحرب فى نخوة وبلاء عجيب . فغاظه ما رأى من بطولة وقال فى نفسه قبح الله هذا الفرطاس ما اقواه ! ألا من يصرعه فيشفى غليلى ! "

وكان الفرطاس فى اشد المواقف حرجا . اضر الزيت بعسكره وكادت تدور عليهم الدائرة . فصاح :

- المكاحل ، المكاحل .

وسقط على ركبة ونصف ، ووجه سلاحه الى اعلى السور واطلق . وكانت هذه المرة فى جسم يشرى فأردت بطلا كان يصليهم من زيته نارا حامية .

اردته يتخبط امام الباب كفرخ الطير . وبدأت العساكر يفعلون مثله . وعم الفزع الاهالى . واستعد الاتراك لتحطيم الباب وبدت ابتسامة الفوز على شفتى الضابط وهو يعمر مكحلته . واذا بيد تمسك الجعبة وتنزلها الى الارض .

فأخرج الزنجى صدره من نافذة الصومعة وصاح بأعلى صوته :

آه ! ياشعشوع الغول . ارحمه بواحدة بين الاذنين . وفعلا كان ذلك شعشوع وقد اثارته وحشية الفرطاس وغاظته هزيمة قومه . .

ولشد ما كان فرح الزنجى لما رآه يوبخ الضابط

وكان يقول له :

- اجننت ياهذا ؟ اتقاتل اخوانك المسلمين بالبارود ؟ هل لديهم ما لديك ؟ الم تسمع الى كلام الباشا ؟

ولشد ما كان قنوطه لما رأى الفرطاس يجتذب المكحلة من يد شعشوع ويضربه بسريرها على رأسه

عضو الزنجى لسانه وضرب رأسه على حائط الصومعة ، ثم عاد الى تتبع المعركة . فرأى الكراكجى ، وقد رخ ، فذهبت الضربة فى الهواء ، رآه يعقد جمعه ويهشم به رأس الضابط الاقرع فجندله

صاح الزنجى من اعلى الصومعة مستحسنا وأخذ يصفق ويقفز بينما وثب شعشوع فى سرعة البرق فتسلق شجرة موازية للباب فجاوز السور طافرا

وكان الضابط يقوم من وقعته ويثوب الى رشده . واخذ بصره يتسلق من طفرة شعشوع الى الصياح الصادر من الصومعة . فبعث اليه الزنجى لكمة فى الهواء حتى كاد يسقط ورماه بقلنسوته وبحجرة تيمم واخرج له لسانه وقذفه بقنديل الصومعة وسبه وشتمه وتفل عليه .

لكن ما احدثه من هرج ، الفت اليه الانظار . فصوب اليه بعض العساكر مكحلته واطلق فسقط برق الليل وتدهور فى الدروج الى الاسفل . . .

-يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية